الجمعة، 14 فبراير 2020

03- مجالس شرح أصول السنة للإمام أحمد

المجلس الرابع والعشرون

شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

المتن: وَالإيمَانُ:قَوْلٌ وَعَمَلٌ،يَزِيدُ وَيَنْقُصُ،كَمَا جَاءَ في الخَبَرِ-أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا-،-وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ.
الشرح:

تعريف الإيمان اصطلاحًا:

الإيمان:قول باللسان، اعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.صالح الفوزان .
الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو "الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح". فهو يتضمن الأمور الثلاثة.مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلدالاول - باب الإيمان والإسلام.

* الإقرار بالقلب: المراد به اعتقاده وتصديقه وإيقانه وإقراره بأركان الإيمان وبكل ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما جاء في حديث جبريل "قال: ما الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وبالقدر خيره وشره" رواه مسلم.
* وقول اللسان: المراد به التكلم بكلمة الإسلام والإقرار بلوازمها.
وهي الشهادة بأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" صحيح البخاري

قال الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله"من شهد أن لا إله إلا الله " أي من تكلم بها عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، باطنا وظاهرا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها; كما قال الله تعالى" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ " محمد:19. ، وقوله" وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" الزخرف 86. أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه:من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع . فتح المجيد.

* وعمل الجوارح : والمراد بعمل الجوارح: الالتزام العملي الظاهر بفعل الواجبات، وترك المحرمات من حيث هي جنس سواء العملية أو القولية.

* الإيمان قولٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب؛ وعملٌ بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، دليل الزيادة قوله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا"الأنفال 3،2.
"
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " التوبة:124.
دلَّ على أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية والدليل على ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»صحيح مسلم، وفي رواية " لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ"صحيح مسلم، وفي قوله في حديث أن اللهَ - جَلَّ وَعَلَا - يقول للملائكة " يقولُ اللَّهُ: مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فأخْرِجُوهُ" صحيح البخاري، أدنى من مثقال حبة من خردلٍ من إيمان .الشيخ الفوزان .هنا.

*الإيمان والإسلام

الدين ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى‏:الإسلام‏.‏‏‏ وأعلى منها‏:الإيمان، وأعلى من الإيمان الإحسان‏.‏ كما جاء ذلك في حديث جبريل - عليه الصلاة والسلام - حين سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذه المراتب، وأجابه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن كل مرتبة‏.‏‏ وفي النهاية قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه‏‏ "‏هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم‏" .‏
"كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فأتَاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ما الإيمَانُ؟ قالَ: الإيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ ومَلَائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، وبِلِقَائِهِ، ورُسُلِهِ وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ. قالَ: ما الإسْلَامُ؟ قالَ: الإسْلَامُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، ولَا تُشْرِكَ به شيئًا، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ. قالَ: ما الإحْسَانُ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ، قالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: ما المَسْئُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وسَأُخْبِرُكَ عن أشْرَاطِهَا: إذَا ولَدَتِ الأمَةُ رَبَّهَا، وإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإبِلِ البُهْمُ في البُنْيَانِ، في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَلَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ" لقمان: 34. الآيَةَ، ثُمَّ أدْبَرَ فَقالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شيئًا، فَقالَ: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ."الراوي : أبو هريرة: صحيح البخاري .الدرر.

والإسلام والإيمان إذا ذكرا معًا افترقا‏.فصار للإسلام معنى خاص وللإيمان معنى خاص‏.‏ كما في حديث جبريل .فعلى هذا يكون الإسلام هو الانقياد الظاهري، والإيمان هو الانقياد الباطني هذا إذا ذُكِرَا جميعًا‏.‏ أما إذا ذُكِرَ الإسلامُ وحدَهُ أو الإيمانُ وحدَهُ، فإنه يدخل أحدهما في الآخر، إذا ذكر الإسلام فقط دخل فيه الإيمان‏.‏ وإذا ذكر الإيمان فقط دخل فيه الإسلام‏.‏ لهذا يقول أهل العلم‏:‏ إنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا‏.‏‏‏ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة‏:‏ هو عمل بالأركان وقول باللسان وتصديق بالجنان‏.‏‏ ويدخل فيه الإسلام، يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان‏. إذا ذكر وحده. . الشيخ الفوزان. هنا .
*ذهب عامة أهل السُّنَّة إلى أنَّ الإيمان الشَّرعي: هو اعتقاد وقول وعمل، قال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد الفضل التيمي الأصبهاني رحمه الله "والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان"شرح النووي على صحيح مسلم: 1/146.
وقال الإمام البغوي رحمه الله وهو من أئمة أهل السُّنَّة "اتفق الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، وقالوا إن الإيمان قول وعمل، وعقيدة". شرح السُّنَّة: 1/38-39.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركنا أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يُجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر". شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 5/ 886.
وروى الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى عن البخاري أنَّه قال: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت واحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص". شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1/176.

ولا فرق بين قول العلماء إنَّ الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد؛ والسَّبب أنَّ هذا من اختلاف التَّنوع وليس من اختلاف التَّضاد، فَمَن قال مِن السَّلف: إنَّ الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فإذا قال: الإيمان قول وعمل يقصد كل ذلك.
ومن قال: قول وعمل ونية، فالقول عنده يتناول الاعتقاد، وهو قول القلب وقول اللسان، وأما العمل قد لا يُفهم منه النِّية عمل القلب، فزاد ذلك في التَّعريف.
*فخلاصة ما سبق: أنَّ الإيمانَ حقيقةٌ مُركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، وأن القول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو نطق كلمة الإسلام.
والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح كالصلاة وغيرها.الإيمان مفهومه وشروطه للشيخ محمد صالح المنجد.

*هذه الدنيا هي دار الابتلاء والامتحان، فهي مختبرٌ، يُبتلى فيها الإنسانُ بما يزيد إيمانه، وبما ينقص إيمانه، فتارةً يتلو القرآن، ويتدبر القرآن، ويُكثر من ذكر الله؛ فيزيد إيمانه، وتارةً يصحب الأخيار، ويستفيد من علمهم وصحبتهم الطيبة؛ فيزداد إيمانه، ويُجاهد في سبيل الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو الناس إلى الخير؛ فيزداد إيمانه، وتارةً يُبتلى بجُلساء سوءٍ، بالغفلة عن الله، بالإقبال على زهرة العاجلة؛ فيضعف الإيمان، وينقص إيمانه.
فالإنسان في هذه الدار بين مدٍّ وجزرٍ، فكلما شُغل بآخرته وبالأعمال الصَّالحة زاد إيمانه، وكلما شُغل بضدِّ ذلك نقص إيمانه.

فعلى المؤمن أن يحذر أسبابَ النقص، وليجتهد في أسباب الزيادة، وذلك بالإقبال على القرآن الكريم والسنة المُطهرة، والاستكثار من الطاعات، وأنواع الذكر، والاستغفار، والتوبة، وصحبة الأخيار، والحذر من قرب الأشرار وصحبة الأشرار، والحذر من الغفلة، وطاعة النفس الأمَّارة بالسوء، والإقبال على الملذَّات والشهوات، مُتناسيًا أمر الآخرة، وأمر الجنة والنار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.الشيخ ابن باز رحمه الله.

و مما يزيد الإيمان:

*طلب العلم الشرعي:
قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"فاطر:28. فالعلم طريق للخشية التي هي علامة لما وقر في القلب من إيمان.

*التأمل في آيات الله الكونية ومخلوقاته جل وعلا:

فإن العبد إذا تفكر في آيات الله تعالى في هذا الكون عرف عظمة الله تعالى فازداد إيمانه .

إنَّ التأمل في آيات الله الكونية ، والنظر في مخلوقات الله المتنوعة العجيبة، من سماء وأرض، وشمس وقمر، وكواكب ونجوم، وليل ونهار، وجبال وأشجار، وبحار وأنهار، وغير ذلك من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى، لمن أعظم دواعي الإيمان، وأنفع أسباب تقويته.

تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض، والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار.

ثم تأمل هذه البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلّها.

وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه.

*قراءة القرآن وتدبره: قال تعالى "وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"الأنفال: ٢.

الإكثار من ذكر الله تعالى :
ويدل على ذلك : قال تعالى "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"الرعد: ٢٨.

حضور مجالس الذكر والحرص عليها :
لحديث حنظلة الأُسيدي قال  " قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم  " وما ذاك ؟ " قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة ، حتى كأنّا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيرًا ، فقال صلى الله عليه وسلم  " والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة " رواه مسلم
والضيعات : هي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة .
وقال معاذ بن جبل لأحد أصحابه يتذاكر معه  " اجلس بنا نؤمن ساعة " رواه البخاري في صحيحه معلقًا .  انظر الفتح المجلد الأول كتاب الإيمان باب بني الإسلام على الخمس .

الإكثار من النوافل والطاعات:

فكلما أكثر العبد من النوافل نال ثمرات كثيرة منها محبة الله له ومعيته فلا يصدر من جوارحه إلا ما يرضي الله جل وعلا ،وإذا نال العبد هذه الثمرات زاد إيمانه.

 إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري .

فليجتهد العبد ويكثر من النوافل في الصيام والصلاة والذكر وسائر أعمال البر .

سؤال الله تعالى زيادة الإيمان وتجديده:

إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى : أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ

الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الجامع

الصفحة أو الرقم: 1590  - خلاصة حكم المحدث : صحيح

"إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكمأي: يَبْلَى ويَضْعُفُ في قَلْبِ المُسْلِمِ

ويكونُ ذلك بسَببِ الفُتور في العِبادةِ أو ارتكابِ المعاصي وانغِماسِ النَّفسِ في بَعضِ شَهواتِها، "كما يَخْلَقُ الثَّوبُ"، أي: مِثْلَ الثَّوْبِ الجَديدِ الذي يَبْلى بطُولِ استخدامِهِ؛ "فاسْأَلوا اللهَ تعالى" بالدُّعاءِ والأعْمالِ الصَّالحةِ والقِيامِ بالفرائضِ وأعمال التطوُّعِ التي تَعمُرُ القَلبَ بالإيمانِ، والصَّدقاتِ والنفقةِ على المحتاجِينَ، والتَّفكُّرِ في آياتِ اللهِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ، وكَثرةِ الذِّكرِ والاستغفارِ ولُزومِ مَجالِسِ الذِّكرِ والعِلمِ

وبضد أسباب زيادة الإيمان نعرف أسباب نقصانه ، أسأل الله أن يزيدنا إيمانًا ويجدده في قلوبنا .

عبدالله بن حمود الفريح


 

المجلس الخامس والعشرون

شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

المتن: وَالإيمَانُ:قَوْلٌ وَعَمَلٌ،يَزِيدُ وَيَنْقُصُ،كَمَا جَاءَ في الخَبَرِ-أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا-،-وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ.
الشرح:
* المتن: أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ،إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا:
" أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا"صحيح الترمذي. هذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص..موقع حلقات جامع شيخ الإسلام ابن تيمية.

قال ابن القيّم -رحمه الله: إن حسن الخلق يقوم على أربعة أمور أساسية، وهي: الصّبر، والعفّة، والشّجاعة، والعدل

قال الماوردي -رحمه الله- في تعريف حسن الخلق ووصف صاحبه: "أن يكون سهل العريكة، ليّن الجانب، طليق الوجه، قليل النّفور، طيّب الكلمة

قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله"هو خُلقٌ فاضلٌ عظيمٌ، أساسه الصّبر، والحلم، والرّغبة في مكارم الأخلاق، وآثاره العفو، والصّفح عن المسيئين، وإيصال المنافع إلى الخلق أجمعين..."، وجمع الله -سبحانه- ذلك في آيةٍ واحدةٍ، فقال الله –تعالى"خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ"الأعراف:99.
قال الإمام أحمد -رحمه الله "حسن الخلق ألّا تغضب ولا تحقد

وقال ابن المبارك عن حسن الخلق: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى.

"إنَّ أكملَ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا ، و إنَّ حُسْنَ الخلُقِ ليبلغُ درجةَ الصومِ و الصلاةِ "الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم: 1578 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر السنية.

"إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا ، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ، قالوا : يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ فما المتفَيهقونَ ؟ قالَ : المتَكَبِّرونَ" الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم 2018  خلاصة حكم المحدث : صحيح .

وفي الحديثِ: بيانُ فضلِ الخُلقِ الحسَنِ.
وفيه: التَّحذيرُ من التَّكلُّفِ في الكلامِ أو تَرديدِه والتَّفاخرِ به؛ لِيَميلَ بقلوبِ النَّاسِ وأسماعِهم إليه.
وفيه: أنَّ الشَّخصَ الواحِدَ قد يَجتمِعُ فيه المحبَّةُ والبُغضُ؛ فيَكونُ مَحبوبًا من وجهٍ، مبغوضًا من وجهٍ آخَرَ.

"إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود -الصفحة أو الرقم 4798  - خلاصة حكم المحدث : صحيح .

في هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنّ المؤمِنَ لَيُدركُ بحُسنِ خُلقِه دَرجةَ الصَّائمِ القائمِ؛ وذلك لأنَّ الذي يُحسِّن خُلَقه مع الناسِ مع اختِلافِ طَبائعِهم يُجاهِدُ نفوسًا كثيرةً، وذلك بكَفِّ الأذَى عنهم، وبَذْلِ العَطاءِ لهم، وطلاقةِ الوَجهِ مع الصَّبرِ على آذاهم، والصائمُ القائمُ يُجاهِدُ نفسَه؛ لذلكَ يُدركُ المؤمنُ بحُسِن خلُقِه دَرجةَ- أي: منزلةَ وثوابَ- الصائمِ، أي: المتطوِّع بالصَّومِ بالنهارِ، القائمِ، أي: المتهجِّد بالليل؛ فالصَّائمُ القائمُ عِندَه من التَّعبِ والمشقَّةِ لقيامِه الليلَ بصَلاةِ التطوُّعِ، بعدَ صِيامِه للنَّهار؛ فكونُ صاحِبِ حُسنِ الخُلقِ يكون في دَرجةِ هؤلاء إنَّما هو لمُجاهدتِه الناسَ بحُسنِ المعاملةِ فيهم وإنْ قَسَوْا عليه؛ فيكون الصبرُ مِفتاحَه فيهم.
وفي هذا الحديثِ: الحضُّ على العَملِ بمكارمِ الأخلاقِ وأحسنِها.

"عليْكَ بحسْنِ الخلُقِ ، وطولِ الصمْتِ ، فوالذي نَفْسِي بيدِهِ ما تَجَمَّلَ الخلائِقُ بِمِثْلِهِما"الراوي : أنس بن مالك وأبو ذر وأبو الدرداء والشعبي- المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم 4048  - خلاصة حكم المحدث : حسن


"أتدْرون ما أكثرُ ما يُدخِلُ النارَ قالوا : اللهُ و رسولُه أعلمُ ، قال : الأجوفانِ : الفرجُ و الفمُ ، و ما أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّةَ ؟ تقوى اللهِ وحُسنُ الخُلُقِ "الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الأدب المفرد-الصفحة أو الرقم: 222 - خلاصة حكم المحدث : حسن .الدرر السنية.

إنَّهُ من أُعْطيَ حظَّهُ منَ الرِّفقِ ، فقد أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحسنُ الخلقِ وحسنُ الجوارِ، يُعمرانِ الدِّيارَ ، ويزيدانِ في الأعمارِ ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - المحدث : الوادعي - المصدر : الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم 1656  - خلاصة حكم المحدث : صحيح .

الرِّفقُ وَاللِّينُ في الأمْرِ كلِّه مِن الخيرِ العَظيمِ، وعاقِبتُه جميلةٌ ومَحمودةٌ، وبِه يُدرِكُ الإنسانُ ما لا يُدرِكُه بالشِّدَّةِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ "إنَّه مَن أُعطِيَ حظَّه مِن الرِّفقِ"، أي: نَصيبَه مِن اللُّطفِ واللِّينِ والسَّماحَةِ في تَعامُلِه مع النَّاسِ، "فقد أُعطِيَ حظَّه مِن خيرِ الدُّنيا والآخرةِ"، أي: الرِّفقُ خيرٌ كلُّه؛ فإنَّ العبْدَ يَرفُقُ بالنَّاسِ في الدُّنيا، فيَرفُقُ اللهُ به في الآخرةِ جزاءً وِفاقًا،  فمَن أعطاهُ اللهُ الرِّفقَ، فَلْيَحمَدِ اللهَ على ما أعطاهُ مِن الخيرِ؛ إذ بالرِّفقِ يَنالُ مَطالِبَ الدِّينِ والدُّنيا، "وصِلَةُ الرَّحمِ" بالبِرِّ والإحسانِ إلى الأهْلِ والأقاربِ، "وحُسنُ الخُلقِ"، أي: ومُعامَلةُ الخلْقِ بأفضلِ الأخلاقِ، "وحُسنُ الجِوارِ"، أي: بمنْعِ الأذى عن الجارِ وإيصالِ النَّفعِ إليه، "يُعمِّرانِ الدِّيارَ"، أي: بالبركةِ والخيرِ، "ويَزيدانِ في الأعمارِ" بالبركةِ فيها؛ بحيث يُوفِّقُه اللهُ لعمَلِ الخيرِ الكثيرِ والطَّاعاتِ ذاتِ الفضْلِ العظيمِ، أو الزِّيادةُ حقيقيةٌ بتَطويلِ العُمرِ، وذلك بالنِّسبةِ إلى عِلْمِ المَلَكِ المُوكَّلِ بالعُمرِ، أما الَّذي في عِلْمِ اللهِ لا يَتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ، والَّذي في عِلْمِ المَلَكِ هو الَّذي يُمكِنُ فيه الزِّيادةُ والنَّقصُ، وإليه الإشارةُ بقولِه تعالى"يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"الرعد: 39.

وفي الحديثِ: الحثُّ على الرِّفقِ، وأنَّه أقصرُ الطُّرقِ للوُصولِ إلى الخيرِ.
وفيه: بَيانُ الأثَرِ العظيمِ للطَّاعاتِ.

 

المتن:وَمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ- وَ- لَيْسَ مِنَ الأَعْمِالِ شَيءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلا الصَّلاةُ-مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ،وَقَدْ أَحَلَّ اللهُ قَتْلَهُ.
الشرح:

اختلف العلماء في تارك الصلاة عمدًا من المسلمين إذا لم يجحد وجوبها.
قال جمهور العلماء إن جحد وجوبها فهو كافر مرتد عن دين الإسلام، وإن لم يجحد وجوبها لكنه تركها كسلًا مثلًا، فهو مرتكب كبيرة ،غير أنه لا يخرج بها من ملة الإسلام، وتجب استتابته ثلاثة أيام فإن تاب فالحمد لله وإلا قُتل حدًّا لا كفرًا ، وعلى هذا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة والرحمة ويدفن في مقابر المسلمين ويرث ويورث ، وبالجملة تجري عليه أحكام المسلمين العصاة حيًّا وميتًا .مقتبس من الإسلام سؤال وجواب.
فقد اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة جحودًا لها. واختلفوا فيمن أقر بوجوبها ثم تركها تكاسلا. فذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه لا يكفر، وأنه يحبس حتى يصلي. وذهب مالك والشافعي رحمهما الله إلى أنه لا يكفر ولكن يقتل حدًا ما لم يصل. والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يكفر ويقتل ردة.إسلام ويب.

"مَن تركَ الصَّلاةَ مُتعمِّدًا فقد برِئتْ منهُ ذِمَّةُ اللهِ ورسولِهِ" صحيح الترغيب والترهيب.

فعلى المسلمين التناصح فيما بينهم والتآمر بها والحرص عليها.

فالصلاة هي عمود الإسلام، وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله.

فالركن الثاني من أركان الإسلام: إقام الصلاة، فالصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والشرع اعتنى بها اعتناءً عظيمًا، لم يعتن بأي ركن من أركان الإسلام العملية اعتناءه بها، حتى إنه تبارك وتعالى فرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون واسطة، كَلَمَهُ بها وبفرضيتها بدون واسطة، ،وفرضها في أعظم ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، التي هي أعظم ليلة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، وفرضها أيضًا في أعلى مكان وصل إليه بشر، فرضها على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في السماء السابعة، يكلمه سبحانه وتعالى من فوق العرش يفرض عليه الصلاة.

هذه الصلاة العظيمة التي فيها هذا الفضل والقدر، وفيها هذه العناية من ربنا جل ذكره أضاعها كثير من المسلمين اليوم! فصدق عليهم قول الله عز وجل"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"مريم: 59. أضاعوها فلم يقوموا بواجبها، ولم يربوا أولادهم وأهلهم عليها، مع أن الله يقول"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"التحريم: 6، ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضرِبوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ"الراوي : جد عمرو بن شعيب- المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود .

فشرائعُ الدِّينِ يَنْبغي أنْ يتعَلَّمَها الأولادُ بالتَّدرُّجِ والتَّسلسُلِ حتَّى تكونَ سَهْلةً عليهم، ويُبْدَأُ معَهم في تَعليمِها قَبْلَ وقتِ وُجوبِها عليهم.. " واضرِبوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ "، أي: إذا بَلَغَ الطِّفْلُ عَشْرَ سِنينَ أُلْزِمَ بالصَّلاةِ الَّتي ظَلَّ ثلاثَ سنَواتٍ يتَدرَّبُ عليها، فإذا قَصَّر في الصَّلاةِ بَعْدَ هذه السِّنِّ ضُرِبَ وعُوقِبَ حتَّى يعتادَ على أدائِها، فإذا ما دَخَل وقتُ التَّكليفِ يكونونَ قد اعْتادوا عليها دونَ أَدْنى تَفريطٍ مِنْهم في تِلْكَ العِبادةِ.

ترى الواحد يخرج من بيته للمسجد، وأولاده يلعبون في السوق، لا يأمرهم بالصلاة وهم لسبع، ولا يضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا مع أهميتها وعِظمها، حتى إن الصلاة لا تسقط عن الإنسان أبدًا ما دام عاقلًا تجب عليه إذا كان قادرًا أن يقيمها بأركانِها وشروطِها وواجباتِها، وبما قدر عليه منها إن عَجَزَ حتى إنها لا تسقط عن المريض ما دام عقله ثابتًا.

 http://iswy.co/e410n

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ " صححه الألباني في " صحيح سنن الترمذي

"وَإِنْ فَسَدَتْ" بِأَنْ لَمْ تُؤَدَّ ، أَوْ أُدِّيَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ ، أَوْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ .
"فَقَدْ خَابَ" بِحِرْمَانِ الْمَثُوبَةِ "وَخَسِرَ" بِوُقُوعِ الْعُقُوبَةِ .
فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ:

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
"
تطوع كل فريضة من صلاة وصيام وزكاة ونحوها يكمل بها ما نقص من الفريضة " انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى " 7/235.

"إنَّ الرَّجلَ لينصرِفُ ، وما كُتِبَ لَه إلَّا عُشرُ صلاتِهِ تُسعُها ثُمنُها سُبعُها سُدسُها خُمسُها رُبعُها ثُلثُها ، نِصفُها"الراوي : عمار بن ياسر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود

الخُشوعُ والتَّدبُّرُ رُوحُ الصَّلاةِ، والمسلِمُ مأمورٌ بهِما في كلِّ صَلاتِه، ويَنبَغي له ألَّا يَنشَغِلَ بأمورِ الدُّنيا عن ربِّه الواقفِ بين يدَيه؛ حتَّى يَفوزَ بالثَّوابِ والأجرِ.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: "إنَّ الرَّجُلَ ليَنصَرِفُ"، أي: يَخرُجُ مِن صَلاتِه ويَنْتهي منها، "وما كُتِب له إلَّا عُشرُ صَلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها"، أي: لا يَكونُ لها مِن أجْرِها إلَّا قَدْرُ ما عَقَلَ مِنْها، وقدْرُ ما خشَع فيها، وما أدَّى مِن شُروطِها وأركانِها، فرُبَّما يَكونُ لها أيُّ جزءٍ مِن هذه الأجزاءِ، وهذا الاختِلافُ يَدُلُّ على اختِلافِ أجْرِ المُصلِّين.

" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ"المؤمنون :1/2 .

والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب فيها بين يدي الله تعالى محبة له وإجلالاً وخوفًا من عقابه ورغبة في ثوابه مستحضرا لقربه فيسكن لذلك قلبه وتطمئن نفسه وتسكن حركاته متأدبا بين يدي ربه مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أولها إلى آخرها فتزول بذلك الوساوس والأفكار، والخشوع هو روح الصلاة والمقصود الأعظم منها فصلاة بلا خشوع كبدن ميت لا روح فيه.

"أولُ ما يحاسبُ به العبدُ الصلاةَ ، وأولُ ما يقضى بين الناسِ في الدماءِ"الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي .

  المجلس السابع والعشرون

شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

 

*المتن:وَخَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا:أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ،ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ،نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،لمْ يَخْتَلِفُوا في ذَلِكَ . ثمَّ بَعْدَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ أَصْحَابُ الشُّورَى الخَمْسَةُ:عَلِيٌ بنُ أَبي طَالَبٍ ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ،وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ- بنُ أَبِي وَقَّاصٍ-،وَكُلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ،وكلُّهُمْ إِمَامٌ،

وَنَذْهَبُ إِلى حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ "كُنَّا نَعُدُّ وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-حَيٌ وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِرُونَ:أَبُوبَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ،ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ نَسْكُتُ"ثُمَّ-مِنْ-بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ أَوَّلاً فَأَوَّلًا،.........

الشرح

الستة أصحاب الشورى هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.

قصة الشورى هي واحدة من القصص التي جسّدت وحدة المسلمين، وحرصهم على المصلحة العامة للأمة الإسلامية، ومفاد هذه القصة أنه لما طُعِنَ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة والعشرين من الهجرة، جعل الخلافة في ستة نفر وقال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فاتفقوا جميعًا على مبايعة عثمان بن عفان.
*عليٌّ رضي الله عنه : وهو ابنُ أبي طالبِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ الهاشميُّ القُرشيُّ، ابنُ عمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وصِهْرُه،فهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة. وعلي هو أوَّلُ مَن أسلَم مِن الصِّبيانِ أسلم بعد خديجة وأبي بكر ، هاجَر إلى المدينةَ بعدَ هجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بثلاثةِ أيَّامٍ، وآخاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مع نفْسِه، وزوَّجه ابنتَه فاطمةَ في السَّنَةِ الثَّانيةِ مِن الهجرةِ، وقد شارَك في كلِّ غزَواتِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عدا غَزْوةَ تَبوكٍ وكان أحَدَ كُتَّابِ الوحيِ وأحَدَ أهَمِّ سُفَرائِه ووُزرائِه.
وقالَ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ: أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَصحيح البخاري.
أَنْتَ مِنِّي، أي: في النَّسَبِ والمَحَبَّةِ والأسبَقيَّةِ إلى الإسلامِ، إلى غَيْرِ ذلك مِن الفَضائِلِ.
"جَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا في البَيْتِ، فَقالَ: أيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟ قالَتْ: كانَ بَيْنِي وبيْنَهُ شيءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِندِي ،فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِإِنْسَانٍ: انْظُرْ أيْنَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هو في المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُضْطَجِعٌ، قدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن شِقِّهِ، وأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمْسَحُهُ عنْه، ويقولُ: قُمْ أبَا تُرَابٍ، قُمْ أبَا تُرَابٍ".الراوي : سهل بن سعد الساعدي - صحيح البخاري .
وفي الحديث: فَضِيلَةُ عَليٍّ رَضِي الله عنه، وعلوُّ مَنْزِلَته عِنْد النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّه مشَى إليه ودخَلَ المسجدَ ومسَحَ التُّرابَ عن ظَهرِه واسترضاه تلطُّفًا به؛ لأنَّه كان وقَع بينَ عليٍّ وفاطمةَ شيءٌ.الدرر السنية.
نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج مهاجرا، وتغطى ببردته ليعمي على المشركين المرابضين أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يؤدي ما كان عنده من الأمانات إلى أهلها. ثم هاجر متخفيا ماشيًا فتورمت قدماه من كثرة المشي حتى قدم المدينة، وشهد بدرا وأبلى فيها بلاء حسنًا، وشهد أحدا وأصيب فيها بست عشرة إصابة، وكان حامل اللواء بعد استشهاد مصعب بن عُمَير، وشهد المشاهد كلها إلا يوم تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رده إلى المدينة واستخلفه على أهله وقال له "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي". وفي يوم خيبر، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الراية في أول يوم لأبي بكر، فلم يفتح له، فأعطاها لعمر في اليوم الثاني فلم يفتح له، فقال "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه"، فأعطاها عليا، وفتح الله على يديه.هنا-
وهو رابعُ الخلفاءِ الرَّاشِدين.
مقتل علي ابن أبي طالب :
وقدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ ، وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ ، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ ، وَأَكْثَرَهُمْ صَلَاةً ، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ ، فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ ، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا.
فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ : أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ .
فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ ، أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ .
فَأَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا ، وَكَتَمَ أَمْرَهُ حَتَّى عَنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هُمْ بِهَا، ثمّ ضمّ إليه رجُل مِنْ تَيْمِ الرِّبَابِ يُقَالُ لَهُ: وَرْدَانُ. لِيَكُونَ مَعَهُ رِدْءًا، وَاسْتَمَالَ رَجُلًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ الْأَشْجَعِيُّ الْحَرُورِيُّ.
فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَهُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَى سُيُوفِهِمْ، فَجَلَسُوا مُقَابِلَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا عَلِيّ ٌ، فَلَمَّا خَرَجَ جَعَلَ يُنْهِضُ النَّاسَ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، فَثَارَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ بِالسَّيْفِ ، فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ فِي الطَّاقِ ، فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِهِ ، فَسَالَ دَمُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَلَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ، لَيْسَ لَكَ يَا عَلِيُّ وَلَا لِأَصْحَابِكَ ، وَجَعَلَ يَتْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" وَنَادَى عَلِيٌّ: عَلَيْكُمْ بِهِ.
وَهَرَبَ وَرْدَانُ، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَقَتَلَهُ ، وَذَهَبَ شَبِيبٌ فَنَجَا بِنَفْسِهِ وَفَاتَ النَّاس َ، وَمُسِكَ ابْنُ مُلْجَمٍ ، وَقَدَّمَ عَلِيٌّ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَحُمِلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ ، قَبَّحَهُ اللَّه ُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّه ِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: شَحَذْتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ شَرّ خَلْقِهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ: لَا أُرَاكَ إِلَّا مَقْتُولًا بِهِ، وَلَا أُرَاكَ إِلَّا مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ ، وَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ عَلِيٌّ جَعْلَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِهَا - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"
وَقَدْ أَوْصَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَغَفْرِ الذَّنْب ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَالْحِلْمِ عَنِ الْجَاهِلِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأَمْرِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرْآن ِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ ، وَوَصَّاهُمَا بِأَخِيهِمَا مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَوَصَّاهُ بِمَا وَصَّاهُمَا بِهِ ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُمَا وَلَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُمَا، وَكَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ وَصِيَّتِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
" البداية والنهاية " 11/ 5-16.
قال : ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم قال : إني أوصيك بمثله ، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك ، وتزيين أمرهما ، ولا تقطع أمرا دونهما .
ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان في سنة أربعين . كانت مُدَّةُ خِلافةِ عَلِيٍّ خمسَ سنين، فجَزاهُ الله عن المسلمين خيرًا، ورضِي عنه وأَرضاهُ، وهو أحدُ العشرةِ المُبَشَّرين بالجنَّةِ. وغسله الحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر ، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات ، وولي الحسن عمله ستة أشهر ..

وأما والبَرْكُ  -الْبُرَكُ- بن عبد الله فقعد لمعاوية ، فخرج لصلاة الغداة ، فشد عليه بسيفه ، وأدبر معاوية هاربا ، فوقع السيف في إليته ..... فأمر به معاوية فقُتِلَ ، فبعث إلى الساعدي - وكان طبيبا - فنظر إليه ، فقال : إن ضَرْبَتَكَ مسمومةٌ فاخترْ مني إحدى خصلتين ؛ إما أن أحمي حديدة فأضعها في موضع السيف ، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها. فقال له معاوية : أما النار : فلا صبر لي عليها ، وأما انقطاع الولد : فإن في يزيد وعبد الله وولدِهما ما تقر به عيني . فسقاه تلك الليلة الشربة فبرأ ، فلم يولد له بعد . فأمر معاوية بعد ذلك بالمقصورات وقيام الشُرط على رأسه – للحراسة- .

وأما عًمْرو بن بكر فقعد لعَمرِو بن العاص في تلك الليلة التي ضرب فيها معاوية ، فلم يخرج  عَمْرٌو واشتكى فيها بطنَهُ ، فأمر عَمْرٌو خارجة بن حبيب - وكان صاحب شرطته - وكان من بني عامر بن لؤي فخرج يصلي بالناس ، فشد عليه - عًمْرو بن بكر - وهو يرى أنه عمرو بن العاص ، فضربه بالسيف فقتله - فأُخِذَ - ، وأُدْخِلَ على عَمْرٍو ، فلما رآهم يُسَلِّمُونَ عليه بالإمرة- أي يقولون له يا أمير المؤمنين- فقال : من هذا ؟ قالوا : عَمْرو بن العاص قال : من قَتَلْتُ ؟ قالوا : خارجة قال : أما والله يا فاسق ما ضمدت غيرك . قال عَمرو : أردتني والله أراد خارجة ، وقدمه وقتله .مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد-كتاب المناقب-باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه-باب وفاته رضي الله عنه.

 

  المجلس الثامن والعشرون

شرح أصول السنة للإمام أحمد بن حنبل

 

*المتن:وَخَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا:أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ،ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ،نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَمَا قَدَّمَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،لمْ يَخْتَلِفُوا في ذَلِكَ . ثمَّ بَعْدَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ أَصْحَابُ الشُّورَى الخَمْسَةُ:عَلِيٌ بنُ أَبي طَالَبٍ ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ،وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ- بنُ أَبِي وَقَّاصٍ-،وَكُلُّهُمْ يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ،وكلُّهُمْ إِمَامٌ،وَنَذْهَبُ إِلى حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ "كُنَّا نَعُدُّ وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-حَيٌ وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِرُونَ:أَبُوبَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ،ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ نَسْكُتُ"ثُمَّ-مِنْ-بَعْدِ أَصْحَابِ الشُّورَى أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ أَوَّلاً فَأَوَّلًا،.........

الشرح

* الزُّبيرُ: وهو الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ القُرشِيُّ الأسديُّ، ابنُ عمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَفِيَّةَ بنت عبد المُطَّلِبِ وَأَحَدُ العَشرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهْلِ الشُّوْرَى، وَأَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، ومِن السَّابِقين إلى الإسلامِ، يُلقَّبُ بِحَواريِّ رسولِ اللهِ.

قالَ عروةُ بنُ الزبير:أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها .
زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .: أسلمَ الزبيرُ بنُ العوامِ وهو ابن ثمان سنين . أسلم مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعًا أو خامسًا بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين . هاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا.

حكمته:

"أثر أنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَردُودَةَ مِن بَناتِهِ"الراوي : هشام بن عروة - المحدث : الألباني - المصدر : إرواء الغليل -الصفحة أو الرقم: 1636  خلاصة حكم المحدث : صحيح .

 

الأبُ الحَكيمُ هو الذي يعرِفُ حُقوقَ أولادِه عليه، ويُحسِنُ تربيتَهم، ويُعوِّدُهم على التحابُبِ وتقديرِ بعضِهم لبعضٍ، حتى إذا اضطُرَّ لتفضيلِ بعضِهم ببعضِ العطاءِ لنازلةٍ أو مصيبةٍ، يَتفهَّمُ باقي أبنائِه موقفَه.
وفي هذا الأثرِ يَروي هِشامُ بنُ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ أنَّ جدَّه الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ رَضِي اللهُ عنه "خَصَّ المَرْدودةَ"- أي  من ردها زوجها يعني: طلقها وهي محتاجة فإنها تأخذ من صدقته . وهذا وصف وليس اسمًا لبنت بعينها -المُطلَّقةَ "مِن بناتِه" ببعضِ العَطاءِ، وأَوقَفَ عليها بعضَ الدُّورِ؛ حتى تَستغنيَ، وهذا التخصيصُ منه كان للمُطلَّقةِ؛ لأنَّها ذاتُ حاجةٍ، وكان دونَ المُستغنيةِ منهنَّ ومَن هي في عِصمةِ زوجِها، وتوضيحُ ذلك في روايةِ البيهقيِّ: "أنَّ الزُّبيرَ وقَفَ على ولدِه، وجعَلَ للمَرْدودةِ مِن بناتِه أنْ تسكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنتْ بزوجٍ، فلا حقَّ لها فيه"؛ فنَظَرَ رَضِي اللهُ عنه للمصلحةِ والضرورةِ الطارئةِ، ولم يَظلِمْ بقيَّةَ أولادِه؛ لأنَّه شرَطَ أنَّ المطلَّقةَ إذا استَغنتْ وتزوَّجتْ فلا حقَّ لها في الوقفِ، ويُرَدُّ على جميعِ أبنائِه.
وفي الأثر: حُسنُ مُراعاةِ المشاعِرِ، واختصاصُ بَعضِ مَن يحتاجُ بزِيادةِ فَضلٍ عمَّن لا يَحتاجُ .الدرر.


" أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معًا ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.المستدرك للحاكم : 3/360، وانظر :طبقات ابن سعد:3/102.

كانت غزوةُ الخَندقِ مِن أشَدِّ الغزَواتِ الَّتي مرَّتْ على المُسلِمين؛ فقد اجتمَعَتْ فيها قُرَيشٌ وغيرُها مِن قبائلِ الكفرِ على المُسلِمين، ونقَضَتْ فيها بنو قُرَيظةَ مِن يهودِ المدينةِ عهدَهم مع المُسلِمين، وتحالَفوا مع الأحزابِ مِن المُشرِكين، وهي الَّتي نزَل فيها قولُه تعالى"إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ"الأحزاب: 10، وفي ظلِّ هذا الموقفِ العصيبِ نادى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المُسلِمين فقال: "مَن يأتيني بخبرِ القومِ؟": يقصِدُ بني قُرَيظةَ، فقال الزُّبَيرُ رضي الله عنه: أنا، ثمَّ فعَل ذلك مرَّةً أخرى، وعند تكرُّرِ استجابةِ الزُّبَيرِ رضي الله عنه قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "إنَّ لكلِّ نبيٍّ حَوَارِيًّا، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ".أي: خاصتي من أصحابي وناصري.
قال صلى الله عليه وسلم "مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ يَومَ الأحْزَابِ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قَالَ: مَن يَأْتِينِي بخَبَرِ القَوْمِ؟، قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ."الراوي : جابر بن عبدالله - المصدر : صحيح البخاري .

معنى حواري

فإن الحواريين هم صفوة الأنبياء الذين قد خلصوا لهم، ولهذا سمي أصحاب عيسى ابن مريم عليه السلام، حواريين لأنهم كانوا أنصاره من دون الناس، ثم قيل لناصر نبيه حواري إذا بالغ في نصرته تشبيهًا بأولئك.


محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير

أَصابَ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رُعافٌ شَدِيدٌ سَنَةَ الرُّعافِ، حتَّى حَبَسَهُ عَنِ الحَجِّ، وأَوْصَى، فَدَخَلَ عليه رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ قالَ: اسْتَخْلِفْ، قالَ: وقالُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَنْ؟ فَسَكَتَ، فَدَخَلَ عليه رَجُلٌ آخَرُ -أحْسِبُهُ الحارِثَ- فقالَ: اسْتَخْلِفْ، فقالَ عُثْمانُ: وقالُوا؟ فقالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَن هُوَ؟ فَسَكَتَ، قالَ: فَلَعَلَّهُمْ قالُوا: الزُّبَيْرَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: أمَا والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّه لَخَيْرُهُمْ، ما عَلِمْتُ، وإنْ كانَ لَأَحَبَّهُمْ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ."الراوي: عثمان بن عفان المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3717 - خلاصة حكم المحدث: صحيح.

في هذا الحَديثِ يَرْوي مَرْوانُ بنُ الحَكَمِ أنَّ الخَليفةَ عُثْمانَ بنَ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه عندَما اشتَدَّ بِه الرُّعافُ في سَنةِ إحْدى وثَلاثينَ، والرُّعافُ: نَزفٌ شَديدٌ للدَّمِ منَ الأنْفِ، وهو نَوْعانِ: نَزفٌ خارِجيٌّ، ونَزفٌ داخِليٌّ، وقد يؤَدِّي إلى المَوتِ، وسُمِّيَت هذه السَّنةُ سَنةَ الرُّعافِ؛ لأنَّه صارَ للنَّاسِ فيها رُعافٌ كَثيرٌ. وظلَّ عُثْمانُ على هذه الحالةِ مِن المَرضِ حتَّى منَعَه الرُّعافُ عنِ الحَجِّ، وأوْصى الوَصيَّةَ الشَّرعيَّةَ في مالِه، وبما يَكونُ بعْدَ مَوتِه في الخِلافةِ؛ وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّه مَرَضُ مَوتِه، فدَخَل عليه رَجلٌ مِن قُرَيشٍ، فنقَلَ له أنَّ النَّاسَ تَنصَحُه أنْ يَستَخلِفَ خَليفةً مِن بَعْدِه ويُسمِّيَه؛ لأهمِّيَّةِ هذا الأمْرِ في حَياةِ النَّاسِ، وعَظيمِ شأْنِه، فقال له عُثْمانُ رَضيَ اللهُ عنه: "وقالُوهُ؟!" أي: وقال النَّاسُ هذا! ثُمَّ دَخَل عليه الحارِثُ بنُ الحَكَمِ أخو مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وصدَرَ منه مِثلُ ما صدَرَ مِن الرَّجلِ القُرَشيِّ، وكان دُخولُهما عليه بقَولٍ مِن النَّاسِ، وحَثٍّ منهم، فأرادَ عُثْمانُ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يَعرِفَ رَأيَهم فيمَن يَستَخلِفُ مِن بَعدِه، فسَألَ الدَّاخِلَينِ عليه فسَكَتا، إلَّا أنَّ الحارِثَ بنَ الحَكَمِ أقَرَّ لعُثْمانَ بأنَّهم قالوا: الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، فأَثْنى عُثْمانُ على الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنهما بما علِمَ مِن خَيرِه وشَرفِه ومَقامِه في الإسْلامِ، ومِن مَكانَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ بأنَّ الزُّبَيرَ كان مِن خَيرِ الصَّحابةِ، وأحَبِّهم إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفي قَولِهم وقَولِه دَليلٌ على أنَّ للزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنه منَ الشَّرَفِ والمَقامِ في الإسْلامِ، بحيث تَسبِقُ الظُّنونُ إلى أنَّه هو المُستَخلَفُ بعْدَ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفي الحَديثِ: مَكانةُ الوَصيَّةِ في الإسْلامِ، واهْتِمامُ السَّلَفِ بها.
وفيه: حِرصُ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه على الاسْتِفادةِ مِن رَأيِ أهلِ الفَضلِ والشَّأنِ.
وفيه: شدَّةُ تَحرِّي وتَحرُّزِ عُثْمانَ في قَولِه"ما عَلِمتُ"، أي: حسَبَ الَّذي بَلَغَه عِلْمي مِن خَيرِه وفَضلِه.الدرر.

ومن مناقبه -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه يموت شهيدًا فقد روى الإمام مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، كانَ علَى حِرَاءٍ هو وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ" اهْدَأْ فَما عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ."صحيح مسلم.
في الحَديثِ: شَهادةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأَبي بكرٍ بالصِّدِّيقيَّةِ ولِلباقينَ بالشَّهادَةِ؛ فمَن قُتِلَ مِنهم فهوَ شَهيدٌ، ومَن مات مِنهُم فإنَّه لم يَمُتْ إلَّا مُتمنِّيًا لأنْ يُستَشهَدَ في سَبيلِ اللهِ.


ومن مناقبه -رضي الله عنه- أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أُحد.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصَابَهُمُ القَرْحُ* لِلَّذِينَ أحْسَنُوا منهمْ واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ" قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَوَاكَ منهمْ: الزُّبَيْرُ، وأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أصَابَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما أصَابَ يَومَ أُحُدٍ، وانْصَرَفَ عنْه المُشْرِكُونَ، خَافَ أنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَن يَذْهَبُ في إثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ منهمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كانَ فيهم أبو بَكْرٍ، والزُّبَيْرُ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - المصدر : صحيح البخاري وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أمُّ المؤمِنينَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها عن قَولِه سُبحانَه وتعالَى"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ "آل عمران: 172، فتَذكُرُ لعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ -وهو ابنُ أُختِها أسْماءَ بنتِ أبي بَكرٍ- رَضيَ اللهُ عنهم، أنَّها نزَلَت في جَمعٍ مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عدَدُهم سَبعونَ رَجلًا، كان منهم والِدُه الزُّبَيرُ بنُ العوَّامِ، وجَدُّه لأُمِّه أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنهم، وذلك لمَّا أصابَ المُشرِكونَ ما أصابوا مِن المُسلِمينَ -بقَتلِ مَن قُتِلَ منَ المُسلِمينَ، وإصابةِ مَن أُصيبَ- في غَزْوةِ أُحُدٍ، كَرُّوا راجِعينَ إلى بِلادِهم في مكَّةَ، ولكنَّهم وهمْ في طَريقِ العَوْدةِ نَدِموا على رُجوعِهم، وأرادوا أنْ يَعودوا مرَّةً أُخْرى إلى المُسلِمينَ؛ لِمَا ظَنُّوه مِن أنَّ في ذلك الوَقتِ فُرْصةً للنَّيْلِ منهم بأكثَرَ مِمَّا حدَث في أُحُدٍ، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فخافَ أنْ يَرجِعوا دونَ اسْتِعْدادِ المُسلِمينَ لهم، فندَبَ أصْحابَه إلى الخُروجِ في طَلَبِهم ليُرعِبَهم ويُريَهم أنَّ فيهم قُوَّةً وجَلَدًا، فانتَدَبَ -أي: أجابَ الدَّعوةَ- سَبْعونَ رَجلًا مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، منهم أبو بَكرٍ والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ رَضيَ اللهُ عنهما، فلمَّا رَأى أبو سُفْيانَ تَعقُّبَ المُسلِمينَ له، قذَف اللهُ في قَلبِه الرُّعبَ، وتَراجَعَ عن فِكرةِ الرُّجوعِ إلى المُسلِمينَ مرَّةً أُخْرى.
وفي الحَديثِ: مَنقَبةٌ لأبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ والزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، في اسْتِجابَتِهم لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، برَغمِ ما ألمَّ بهم مِن جَهدٍ وجِراحٍ.الدرر السنية.

وبعدَ مقتَلِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ خرَج الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ إلى البصرةِ مُطالِبًا بالقِصاصِ مِن قَتَلةِ عُثمانَ، فقَتَله عَمرُو بنُ جُرْموزٍ في موقعةِ الجمَلِ، فكان قَتْلُه في رجَبٍ سنةَ سِتٍّ وثَلاثين مِن الهجرةِ، وله أربعٌ وسِتُّون سَنةً.سير أعلام النبلاء" 3/31. ومصادر أخرى.
وذلك أنه كر راجعًا عن القتال في موقعة الجمل ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ، ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ،فَقُتِل.


*طَلْحةُ: وهو طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ عُثمانَ بنِ عمرِو بنِ كعبٍ، مِن بَني تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبٍ،أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة .وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وأحدُ الستة أصحاب الشورى الذين نَص عليهم عُمَرُ رضي الله عنه، وقال : تُوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عنهم راض.
وأحدُ الخمسة الذين أسلموا مِن سادات الصحابة على يدي أبي بكر رضي الله عنه ، وهم : عثمانُ ، وعبدُ الرحمن بن عوف ، والزبيرُ بن العوام ، وسعدُ بن أبي وقاص .، وطلحة بن عبيد الله.
وكان يُقال له ولأبي بكر رضي الله عنهما : القرينانِ ؛ لأن نوفلَ بن خُويلد بنِ العَدَوية أخذهما ، فقرنهما في حبل واحدٍ حين بلغه إسلامُهُما ، ولم يمنَعْهُما بنو تَيْم .
وكان يُقال له: طلحةَ الخير ، وطلحةَ الجُود ، وطلحةَ الفَيَّاض .
شَهِدَ المشاهد كُلها مَعَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا بدرًا ، فإنه كان بالشام ، فضَرَبَ له رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسهمه وأجره .
وأبلَى يومَ أحدٍ بلاءً حسنًا ، وأصيبت يدُه يومئذٍ ، ورقاها رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان جماعة من الصحابة يقولون عن يوم أحد : ذاك يوم كله لِطلحة ، ولما طأطأ لِرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِينهضَ على تلك الصخرةِ يومَ أحدٍ قال " أوجب طلحةُ " .
"
كانَ علَى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يومَ أُحُدٍ درعانِ ، فنَهَضَ إلى صَّخرةٍ ، فلم يستَطِع ، فأقعدَ تحتَهُ طلحةَ ، فصعِدَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى استَوى على الصَّخرةِ ، قالَ: فسَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ : أَوجبَ طَلحةُ"الراوي : الزبير بن العوام - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 3738 - خلاصة حكم المحدث : حسن.
"أَوجبَ طَلحةُ"أي: وجَبَت الجنَّةُ لِطَلحةَ.

طلحة في الجنة

قال صلى الله عليه وسلم "أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، ، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ، وسعيد بن زيد في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة "الراوي: سعيد بن زيد و عبدالرحمن بن عوف المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 50خلاصة حكم المحدث: صحيح.

شهيد يمشي على الأرض

قال صلى الله عليه وسلم "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله "الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 126- خلاصة حكم المحدث: صحيح

أنَّ أَصحابَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالوا لأعرابيٍّ جاهلٍ : سَلهُ عمَّن قَضى نحبَهُ من هوَ؟ وَكانوا لا يجتَرئونَ على مسألتِهِ يوقِّرونَهُ ويَهابونَهُ ، فسألَهُ الأعرابيُّ فأعرَضَ عنهُ ، ثمَّ سألَهُ فأعرضَ عنهُ ، ثمَّ سألَهُ فأعرضَ عنهُ ، ثمَّ إنِّي اطَّلعتُ مِن بابِ المسجدِ وعليَّ ثيابٌ خضرٌ ، فَلمَّا رآني النبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ : أينَ السَّائلُ عمَّن قضى نحبَهُ ؟ قالَ الأعرابيُّ : أَنا يا رسولَ اللَّهِ ، قالَ : هذا مِمَّن قضى نحبَهُ"صحيح سنن الترمذي تحقيق الألباني.

" قالَ : هذا "، أي: طَلْحةُ، " مِمَّن قضى نحبَهُ "، أي: إنَّه ممَّن وفَّى بنَذْرِه وعَزْمِه على أنَّه يموتُ في سبيلِ اللهِ تعالى، فقد مات أو حارَب كما نذَرَ، وقدْ كان مِن الصَّحابةِ مَن عزَموا أنَّهم إذا لَقُوا حربًا ثبَتوا حتَّى يُستَشْهَدوا، فعُدَّ طَلْحةُ ممَّن وفَّى بذلك.
وفي الحَديثِ: بيانُ ما كان في الصَّحابةِ مِن احترامٍ وتَوقيرٍ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، مع شَغَفِهم بالسُّؤالِ والتَّعلُّمِ منه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.
وفيه: مَنقَبةُ جليلةٌ لطَلْحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه: عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ، حيثُ ظلَّ طلحةُ رضِيَ اللهُ عنه يُجاهِدُ في سَبيلِ اللهِ حتى قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله.

طلحة سباق للخير

طلحة أول من قام وصافح كعب بن مالك  بعد نزول آيات مغفرة الله

 له بعد تخلفه في غزوة تبوك.قال كعب بن مالك:

"......فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وأَنَا علَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنَا، فَبيْنَا أنَا جَالِسٌ علَى الحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللَّهُ؛ قدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أوْفَى علَى جَبَلِ سَلْعٍ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعَى سَاعٍ مِن أسْلَمَ، فأوْفَى علَى الجَبَلِ، وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إيَّاهُمَا ببُشْرَاهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بالتَّوْبَةِ، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللَّهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، ....." صحيح البخاري.

 

استشهاده رضي الله عنه:
عاش طلحة رضي الله عنه إلى زمن خلافة علي بن أبي طالب، ولَمَّا حدث الخلاف بين الصحابة حول أيهما أولى: استقرار الأمور وبيعة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أم القصاص لعثمان رضي الله عنه، كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مع الرأي الثاني، الذي كان يميل إلى تقديم القصاص، ولكن ورغم ذلك جاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وناشد طلحة رضي الله عنه أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع طلحة رضي الله عنه، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فلحقه سهمٌ غادرٌ، ممن يريدون إشعال الفتن، ويضرهم أن يتَّحدَ صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم، فكان استشهاده يوم موقعة الجمل سنة 36هـ ليلحق بحبيبه صلى الله عليه  وأصحابه الأبرار.
قُتِل رضي الله عنه يومَ وَقْعة الجَمَل في العاشر من جُمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقد استَكْمَل من العمر يومئذٍ أربعًا وستين سنة .
ينظر : "الاستيعاب" لابن عبد البر :2/764، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي: 1/25، و"الوافي بالوفيات" للصفدي :16/271.هنا-

من مشاركة 30 إلى مشاركة :  34 .بملتقى نسائم العلم

 فهرس مجالس شرح أصول السنة للإمام أحمد