الجمعة، 11 سبتمبر 2026

تفسير سورة النازعات


تفسير سورة النازعات
سورةُ النَّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ، نقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحِدٍ مِنَ المفَسِّرينَ.موسوعة التفسير. الدرر.
مقاصدُ السورةِ:
الْمَقَاصِدُ الْعَامَّةُ مِنَ السُّورَةِ:
هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْكثيرِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي، وَمِنْ ذَلِكَ:
 إِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَإِبْطَالُ إحَالَةِ الْمُشْرِكينَ وُقُوعه.
 تَهْوِيلُ يَوْمِهِ وَمَا يَعْتَرِي النَّاسَ حِينَئِذٍ مِنَ الْخَوْفِ.
 بَيَانُ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ دَعْوَةِ مُوسَى - عليه السلام، وَتَسْلَيَةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِذَلِكَ.
 ذِكْرُ مَا فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ دَلَائِلَ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَمِنَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ.
 التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَطَغَى، وَحَالِ مَنْ خَافَ الْمَوْلَى وَاتَّقَى،وبيانُ حُسنِ عاقِبةِ المتَّقينَ، وسوءِ عاقِبةِ الكافِرينَ.
 اسْتِعْجَالُ الْكَافِرينَ بِالْقيَامَةِ، وَأَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ سُؤَالُ تَعَنُّتٍ، وَأَنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِهَا وَلَيْسَ شَأْنُهُ تَعْيِينَ وَقْتِهَا.

بدأتِ السورةُ بعدةِ إقسامات :
هذه الإقساماتُ بالملائكةِ الكرامِ، وأفعالِهم الدالةِ على كمالِ انقيادِهم لأمرِ اللهِ، وإسراعِهِم في تنفيذِ أمرِهِ.
يحتمل أن المُقْسَمَ عليه، الجزاءُ والبعثُ، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك.
ويحتمل أنَّ المقسمَ عليهِ والمقسمَ بِهِ مُتَّحِدَانِ، وأنه أقسمَ على الملائكَةِ، لأنَّ الإيمانَ بهم أحدُ أركانِ الإيمانِ الستةِ، ولأنَّ في ذكرِ أفعالِهِم هنا ما يتضمنُ الجزاءَ الذِي تتولاهُ الملائكةُ عندَ الموتِ وقبلِهِ وبعدِهِ.تفسير السعدي.
"والنَّازِعَاتِ غَرْقًا "1.أي: الملائكةِ الَّذين يَنزِعونَ أرواحَ الكُفَّارِ عن أبدانِهم نَزْعًا شديدًا، وغَرْقًا اسمُ مَصدرٍ مِن "أغرَقَ"، وأصلُه: إغراقًا، والإغراقُ في الشَّيءِ: المُبالَغةُ فيه والوُصولُ به إلى نهايتِه، يُقالُ: أغرَقَ فُلانٌ في هذا الأمرِ: إذا أوغَلَ فيه، وبَلَغ أقصى غايتِه، وأصلُ "نزع" يدُلُّ على قَلْعِ شَيءٍ، وأصلُ "غرق"يدُلُّ على انتِهاءٍ في شَيءٍ يُبلَغُ أقصاه.
"وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا "2.
أي: الملائكةِ الَّذين يَقبِضُون أرواحَ المؤمِنينَ بسُهولةٍ ورِفْقٍ وسُرْعةٍ؛ مِنَ النَّشْطِ: وهو السُّرعةُ في العَمَلِ، والخِفَّةُ في أخْذِ الشَّيءِ.
  تنشطُها نشطًا : أي تَسلها برفقٍ كالأنشوطةِ، والأنشوطةُ : الربطُ الذي يسمونَهُ عندنا التِّكَة - أو الفيونكة- أو ما أشبه ذلك من الكلماتِ، يعني يكونُ ربطًا بحيثُ إذا سَلَلتَ أحدَ الطرفينِ انفكتِ العقدةُ بسرعةٍ وبسهولةِ.
"وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا "3.
أي: الملائِكةِ يَنزِلونَ مِن السَّماءِ تسبحُ بأمرِ اللهِ على حسب ما أراد الله سبحانه وتعالى ،أي مُسرِعينَ كالفَرَسِ الجَوَادِ يُقالُ له: سابِحٌ: إذا أسرَعَ في جَرْيِه.و كما يُسرعُ السابحُ في الماءِ.

"فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا "4.
أي: الملائكةِ يَسبِقونَ ابنَ آدَمَ بالخَيرِ والعَمَلِ الصَّالحِ. وأصلُ السَّبقِ: التَّقَدُّمُ في السَّيرِ. أي: الْمَلائِكَة تَسْبِقُ إِلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَمَلِ بِهِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى في وَصْفِ بَعْضِ المَلَائِكَةِ"عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون" سورة التحريم:6.
"فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا "5.
 أي: الْمَلَائِكَة التِي تُدَبِّرُ أَمْرَ الدُّنْيا الّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهَا فَتَقُومُ بِهِ وَفْقَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، منَ الأمطارِ، والنباتِ، والأشجارِ، والرياحِ، والبحارِ، والأجنةِ، والحيواناتِ، والجَنَّةِ، والنَّارِ.

والواو في قوله وَالنَّازِعاتِ ... وما بعده، للقسم، وجوابُ هذهِ الأقسامِ محذوفٌ دَلَّ عليهِ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: وحق هذه المخلوقات العظيمة ... لتُبْعَثُنَّ ولِتُحاسَبُنَّ. 
" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ "6.
أي: ترْجُفُ الأَرْضُ والجبالُ، ويَتَزَلْزَلُ وَيَتَحَرَّكُ كُلُّ شَيْءٍ، وذلك للنَّفْخَة الْأُولَى، وهي التي يَمُوتُ مِنْهَا كُلُّ مَخْلُوقٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ.
"تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ "7.
 أي: تتبعها النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، التي رَدِفَتِ الْأُولَى؛ لِبَعْثِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون "سورة الزمر:68.
وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم " ما بيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قالَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةَ ما بيْن النَّفختَين، فيقولُ"ما بَينَ النَّفختَين أربعونَ"، ولَم يُبيِّن هل هي سَنةٌ، أو يومٌ، أو شَهْرٌ.
فسُئِل أبو هُرَيرةَ: هلْ هي أَربعونَ يومًا؟ فقال: أَبَيتُ -أي: امتنَعْتُ عن القولِ بتَعيينِ ذلك. فذكرها في الحديثِ مجملة.
" قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ "8.
 أَيْ: قُلوبُ الْكُفَّارِ خَائِفَةٌ قَلِقَةٌ مِنَ الْفَزَعِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَا كَانُوا يُنْكِرُونَ، وأَصْبَحَ أَمَامَهُمْ حَقِيقَةً مَاثِلَةً، لَا مَجَالَ فِيها لِلْهَرَبِ وَالْإِنْكَارِ، كما قَالَ تَعَالَى" وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّين "سورة الصافات:20.
 "أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ "9.
أَيْ: أنَّ أَبْصَارَ أَصْحَابِ هَذِهِ الْقُلُوبِ ذَلِيلَةٌ حقيرةٌ لِهَوْلِ مَا تَرَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ" يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ "سورة الشورى:45.
" يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ "10.
 أَيْ: يَقُولُ مُنْكِرُو الْبَعْثِ بَعدَ الْمَوْتِ: أَنُرَدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ في الحافرة - الأرض وقيل القبور-وهي الْحَالَة الْأُولَى الَّتيِ كُنَّا عَلَيْهَا فِي الْأَرْضِ؟
"أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً "11.
 أَيْ: أَنُرَدُّ وَقَدْ صِرْنَا عظامًا بَالِيَةً.هذا الاستِفهامُ إنكاريٌّ مؤكِّدٌ للاستِفهامِ الأوَّلِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ هذه الحالةَ جديرةٌ بزيادةِ إنكارِ الإرجاعِ إلى الحياةِ بعدَ الموتِ، فهما إنكارانِ؛ لإظهارِ شدَّةِ إحالتِه.
"قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "12.
قالَ محمدُ بنُ كعبٍ: قالتْ قريشُ لئنْ أَحْيَانَا اللهُ بعدَ أنْ نموتَ لَنَخْسَرَنَّ.فشَبَّهُوهَا بالتجارةِ الخاسرةِ التي لا أملَ في رِبحِها.
"فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ "13."فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ "14.
هي النَّفخةُ الثَّانيةُ، عُبِّر عنها بالزَّجرةِ.والزَّجرة: المرَة مِنَ الزَّجْرِ، وهوَ الصياحُ المصحوبُ بالغضبِ، يُقالُ: زَجَرَ فلانٌ فلانًا، إذا أمَرَهُ أو نَهَاهُ عنْ شيءٍ بحِدَّةٍ وغضبٍ.
و
السَّاهِرَة: الأرضُ المستويةُ الخاليةُ مِنَ النباتِ.
والمرادُ بها هنا: الأرضُ التي يَحشرُ اللهُ- تعالى- فيها الخلائقَ.
والمراد بها هنا: الأرض التي يحشر الله- تعالى- فيها الخلائق.
مُناسَبةُ الآيةِ التالية لِما قَبْلَها:
وَجْهُ المناسَبةِ بيْن هذه القِصَّةِ وبيْن ما قَبْلَها مِن وَجهَينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ اللهَ تعالى حكى عنِ الكُفَّارِ إصرارَهم على إنكارِ البَعْثِ، حتَّى انتَهَوْا في ذلك الإنكارِ إلى حَدِّ الاستهزاءِ في قَولِهم" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "النازعات: 12 ، وكان ذلك يَشُقُّ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكَرَ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ، وبيَّنَ أنَّ موسى عليه السلام تَحمَّلَ المشَقَّةَ الكثيرةَ في دَعوةِ فِرعَونَ؛ لِيَكونَ ذلك كالتَّسليةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ .وتهديدًا لهؤلاءِ الكفارِ حتى يُقْلِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ. 
الوجهُ الثَّاني: أنَّ فِرعَونَ كان أقوى من كُفَّارِ قُرَيشٍ، وأكثَرَ جَمعًا، وأشَدَّ شَوكةً، فلَمَّا تمَرَّدَ على موسى عليه السَّلامُ أخَذَه اللهُ نَكالَ الآخرةِ والأُولى، فكذلك هؤلاء المُشرِكونَ في تمَرُّدِهم عليك، إنْ أصَرُّوا أخَذَهم اللهُ، وجَعَلَهم نَكالًا.فقال تعالى:
 "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى "15.
أي: هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ موسى بنِ عمران عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كان مِنْ أَمْرِه؟
"إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى "16.
أي: حينَ ناداه ربُّه سُبحانَه بالوادِي المبارَكِ المطَهَّرِ المسَمَّى طُوًى.
و"الوادُ" المكانُ المنخفضُ بَينَ جَبلينِ، أو بَيْنَ مكانَيْنِ مرتفعينِ. و "المقدس" : بمعنى المطهر. و "طوَى" اسم للوادي. 
وغير معروف مكان الوادي بالتحديد لكن المشهور أنه في مصر قريب من سيناء.الشيخ عثمان الخميس.
"اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى"17.
أي: قال اللهُ لِموسى: اذهَبْ إلى فِرعَونَ مَلِكِ مِصرَ؛ لأنَّه تَجاوَزَ حَدَّه في التَّكَبُّرِ والعُدوانِ والعِصْيانِ.فقد كانَ فرعون يقولُ لقومِهِ إنه ربهم الأعلى، وأنه لَا إلَه غيره.

 هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (26) أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ  بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (36) فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

تفسير سورة النبأ

 تفسير سورة النبأ 


سورةُ النَّبَأِ مَكِّيَّةٌ، نَقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِن المفَسِّرينَ.ممَّن نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عطيَّةَ، وابنُ الجَوزيِّ. يُنظر: تفسير ابن عطية:5/394، تفسير ابن الجوزي:4/387.
مقاصدُ السورةِ:
مِنْ أهَمِّ مَقاصِدِ السُّورةِ:
إثباتُ البَعثِ، وتهويلُه، وإنذارُ مُنكِريه.
موسوعة التفسير. الدرر السنية.

موضوعاتُ السورةِ:
مِن أهمِّ الموضوعاتِ الَّتي اشتَمَلَتْ عليها السُّورةُ:
1- سؤالُ المُشرِكينَ عن القُرآنِ الَّذي جاء به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وما اشتَمَل عليه مِن التَّوحيدِ والبَعثِ إلى غيرِ ذلك، وتهديدُهم بسُوءِ المصيرِ إذا ما استمَرُّوا في طُغيانِهم وإنكاِرهم لِما جاء به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
2- إقامةُ الأدِلَّةِ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وعلى عظيمِ قُدرتِه - 
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا"6 وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا "7. .....فإذا كان سبحانه قادر على كل شيء فهو أيضًا قادرٌ على البعث والحساب.....، وإمكانِ حُصولِ البَعثِ.
3- ذِكرُ أحداثِ يومِ القيامةِ، ووَصْفُ أهوالِه.
4- بيانُ ما أعَدَّه اللهُ سُبحانَه للكافِرينَ مِن عذابٍ في جهنَّمَ.
5- بيانُ ما أعَدَّه اللهُ عزَّ وجلَّ للمُتَّقينَ مِن النَّعيمِ في الجنَّةِ.
6- تقريرُ أنَّ يومَ القيامةِ حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وأنَّه يَنبغي تقديمُ العَمَلِ الصَّالحِ مِن قَبلِ أن يأتيَ هذا اليومُ.
7- الإنذارُ بعذابٍ قَريبٍ، وعَرْضُ الأعمالِ على العبادِ؛ خَيرِها وشَرِّها، وتمنِّي الكافِرِ في ذلك اليومِ أنْ لو كان تُرابًا.
موسوعة التفسير. الدرر السنية.
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ:
ولفظُ "عَمَّ" مركبٌ من كلمتينِ، هما حرفُ الجرِّ "عنْ" و "مَا" التي هي اسمُ استفهامٍ، فأصلُّ هذا اللفظِ"عنْ مَا" فأدغمت النون في الميم .- حرفُ جرٍّ، دخلَ علَى ما الاستفهاميةِ.
وحذفت الألف لأنها أُدمجت بحرف الجر "عَنْ" فصارَا ككلمةٍ واحدةٍ، وتخفيفًا لكثرةِ الاستعمالِ في الكلامِ، وللتفرقةِ بينَ "ما" الاستفهامية و"ما" الموصولة أو الخبرية. كتاب التفسير الوسيط لطنطاوي.بتصرف من مصادر أخرى.
افتَتَح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بأُسلوبِ الاستِفهامِ؛ لِتَشويقِ السَّامِعِ إلى المُستفهَمِ عنه، ولتَهويلِ أَمْرِه، وتَعظيمِ شَأنِه، قائِلًا سُبحانَه: عن أيِّ شَيءٍ يَتساءَلُ مُشرِكو قُرَيشٍ؟ 
وقيلَ: هو سؤالُ استِهزاءٍ أو تَعجُّبٍ، وإنَّما هم موقِنونَ بالتَّكذيبِ.تفسير ابن عاشور.
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ :عن الخَبَرِ العَظيمِ، وهو القُرآنُ وما اشتَمل عليه مِن التَّوحيدِ والبَعْثِ واليوم الآخر وغيرِ ذلك.
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "3.
مختلفونَ فيما بينهم ؛ ما بينَ مُنكر له إنكارًا تامًّا، كما حكى- سبحانه- عنهم في قوله تعالى " إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ "المؤمنون:37. وما بين متردد في شأنه، كما حكى- سبحانه- عن بعضهم في قولِهِ" وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ، إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ "الجاثية:32. 
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "4" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "5.
ثم هددَ- سبحانَهُ- هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم تهديدًا شديدًا.
كَلَّا: حرْفُ رَدْعٍ وزجرٍ وإبطالٍ لشَيءٍ يَسبِقُه غالبًا في الكلامِ، يَقتضي ردْعَ المنسوبِ إليه، وإبطالَ ما نُسِب إليه، وهو هنا رَدعٌ لِلَّذينَ: يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "النَّبأ: 1-3، وإبطالٌ لِما تَضمَّنَتْه جملةُ يَتَسَاءَلُونَ مِنْ تَساؤلٍ مَعلومٍ للسَّامِعينَ، فمَوقعُ الجملةِ مَوقعُ الجوابِ عن السُّؤالِ؛ ولذلك فُصِلَتْ ولم تُعطَفْ؛ لأنَّ ذلك طَريقةُ السُّؤالِ والجوابِ، والكلامُ وإنْ كان إخبارًا عنهم فإنَّهم المقصودونَ به، فالرَّدعُ موجَّهٌ إليهم بهذا الاعتبارِ، والمعنى: إبطالُ الاختِلافِ في ذلك النَّبأِ، وإنكارُ التَّساؤلِ عنه، ذلك التَّساؤلُ الَّذي أرادوا به الاستهزاءَ وإنكارَ الوُقوعِ، وذلك يُثبِتُ وُقوعَ ما جاءَ به النَّبأُ وأنَّه حقٌّ؛ لأنَّ إبطالَ إنكارِ وُقوعِه يُفْضي إلى إثباتِ وُقوعِه.تفسير الزمخشري:4/684، تفسير البيضاوي:5/278، تفسير أبي حيان:10/383، فتح الرحمن للأنصاري "ص: 595، تفسير أبي السعود :9/85، تفسير ابن عاشور:30/11.
والغالبُ في استعمالِ "كَلَّا" أنْ تُعقَّبَ بكلامٍ يُبيِّنُ ما أجمَلتْه مِن الرَّدعِ والإبطالِ؛ فلذلك عُقِّبتْ هنا بقولِه: سَيَعْلَمُونَ، وهو زيادةٌ في إبطالِ كلامِهم بتحقيقِ أنَّهم سيُوقِنونَ بوُقوعِه، ويُعاقَبونَ على إنكارِه، فَهُمَا عِلْمانِ يَحصُلانِ لهم: عِلمٌ بحقِّ وُقوعِ البعثِ، وعِلمٌ في العِقابِ عليه، ولذلك حُذِفَ مَفعولُ سَيَعْلَمُونَ؛ ليَعُمَّ المَعلومَيْنِ؛ فإنَّهم عندَ الموتِ يَرَون ما سيَصيرون إليه بعدَ الموتِ.تفسير ابن عاشور:30/11، 12.
كُرِّرَ قولُه: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ؛ لأنَّ الأوَّلَ تَوعُّدٌ للكُفَّارِ بما يَرَونَه عِندَ النَّزعِ، والثَّانيَ تَوعُّدٌ لهم بما يَصيرونَ إليه مِن عذابِ الآخِرةِ، أو الأوَّلَ تَوعُّدٌ بأهوالِ القيامةِ، والثَّانيَ تَوعُّدٌ بما بعدَها مِن النَّارِ وحَرِّها، أو الأوَّلَ رَدعٌ عن الاختِلافِ، والثَّانيَ عن الكفرِ .تفسير البيضاوي:5/278، فتح الرحمن للأنصاري :ص: 595، تفسير أبي السعود:9/85.

لَمَّا حكى اللهُ تعالى عنهم إنكارَ البَعثِ والحَشرِ، وأراد إقامةَ الدَّلالةِ على صِحَّةِ الحَشرِ؛ قدَّم لذلك مقدِّمةً في بيانِ كَونِه تعالى قادِرًا على جميعِ المُمكِناتِ، عالِمًا بجميعِ المعلوماتِ؛....، وإنَّما أثبَت هذَينِ الأصلينِ بأنْ عَدَّدَ أنواعًا مِن مخلوقاتِه الواقعةِ على وَجهِ الإحكامِ والإتقانِ؛ فإنَّ تلك الأشياءَ مِن جِهةِ حُدوثِها تدُلُّ على القُدرةِ، ومِن جهةِ إحكامِها وإتقانِها تدُلُّ على العِلمِ، ومتى ثَبَت هذان الأصلانِ، وثبت أنَّ الأجسامَ مُتساويةٌ في قَبولِ الصِّفاتِ والأعراضِ؛ ثبَتَ -لا مَحالةَ- كَونُه تعالى قادِرًا على تخريبِ الدُّنيا بسَماواتِها وكواكِبِها وأرضِها، وعلى إيجادِ عالَمِ الآخرةِ.
يقول تعالى ذكره معَدِّدًا على هؤلاء المشركين نِعَمه ، وإحسانه إليهم، وكفرانهم ما أنعم به عليهم،
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا"6.أي:  ألَمْ نَجعَلِ الأرضَ فِراشًا للنَّاسِ، مُذَلَّلةً و ممهدة مهيأة لكم ولمصالِحِكُم، منَ الحروثِ والمساكنِ والسبلِ ، تَستَقِرُّونَ عليها، وتَنتَفِعونَ بها.
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا "7.  جمعُ وَتِدٍ، والوَتِدُ: عُودٌ غَليظٌ، أسفَلُه أدَقُّ مِن أعلاه، يُدَقُّ في الأرضِ؛ لتُشَدَّ به أطنابُ الخيمةِ، وأصلُ وتد: يدُلُّ على الثَّباتِ والرُّسوخِ .والمعنى جعلَ سبحانه الجبالَ  مُثَبِّتةً للأرضِ، فلا تَضطَرِبُ بأَهْلِها .
  وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "8. 
لَمَّا ذكَّر بما في الظَّرْفِ -الَّذي هو فَرْشُهم- مِنَ الدَّلالةِ على تمامِ القُدْرةِ؛ أتْبَعَه التَّذكيرَ بما في المظروفِ، وهو أنفُسُهم؛ لتَجتَمِعَ آياتُ الأنفُسِ والآفاقِ، فيَتبيَّنَ لهم أنَّه الحَقُّ.فقال:وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا :
أي: وخَلَقْناكم ذُكُورا وإناثًا؛ ليسكنَ كلٌّ منهما إلى الآخرِ، فتكون المودةُ والرحمةُ، وتنشأ عنهما الذريةُ .
"وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا"9.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر ما هو سبَبٌ لبقاءِ النَّوعِ؛ ذكَرَ ما هو سبَبٌ لحِفظِه مِن إسراعِ الفَسادِ.
أي: وجَعَلْنا نَومَكم قاطِعًا لحركتِكم، فتَحصُلُ به 
راحتُكم مِن تَعَبِ سَعْيِكم وأعمالِكم.والسُّبَات: هو السكونُ، ولذلك سُميَ السَّبْتُ سَبتًا، لِأنَّهُ يومُ راحةٍ وَدَعَةٍ .
لَمَّا ذَكَر النَّومَ أتْبَعَه وَقْتَه الأليقَ به، مُذَكِّرًا بنِعمةِ الظَّرْفِ الزَّمانيِّ بعدَ التَّذكيرِ بالظَّرفِ المكانيِّ، فقال:
 "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا "10.
أي: وجَعَلْنا اللَّيلَ غِطاءً يَتغشَّاكم سَوادُه، وتُغَطِّيكم ظُلْمَتُه، كما يُغَطِّي الثَّوبُ البَدَنَ. يسترُ كلَّ شيءٍ بظلمتِهِ.
" وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا "11.
لَمَّا ذَكَر سُبْحَانَهُ خَلْقَ نِظامِ اللَّيلِ؛ قُوبِلَ بذِكْرِ خَلْقِ نِظامِ النَّهارِ. مَعَاشًا :
أي: وجَعَلْنا النَّهارَ وَقْتًا وسببًا يَطلُبُ فيه النَّاسُ أرزاقَهم، ويَسعَونَ في مَصالِحِهم.

 "وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا "12.
أي: وبَنَيْنا فَوقَكم سَبْعَ سَمَواتٍ في غايةِ القُوَّةِ والصَّلابةِ والإحكامِ.
  
وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ : وسَقَّفْنَا فَوقَكُم، فجعلَ السقفَ بناءً، إذ كانت العربُ تسمِي سقوفَ البيوتِ - وهي سماؤها - بناءً وكانت السماء للأرض سقفًا، فخاطبهم بلسانهم إذ كان التنـزيل بِلسانهم، وقال "سَبْعًا شِدَادًا " إذ كانت وثاقًا مُحكمة الخلقِ، لا صُدُوع فيهنّ ولا فطور، ولا يبليهنّ مرّ الليالي والأيام.
لَمَّا ذَكَر السَّقفَ، ذكَرَ بَعضَ ما فيه مِن أمَّهاتِ المنافِعِ:
 "وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا "13. 
أي: وجَعَلْنا شَمسًا مُضيئةً شَديدةَ التَّوَقُّدِ والإضاءةِ.قالَ مقاتلٌ: جعلَ فيه نورًا وحرارةً، والوهجُ يجمعُ النورَ والحرارةَ .
 فذِكْرُ السَّمَواتِ يُناسِبُه ذِكرُ أعظَمِ ما يُشاهِدُه النَّاسُ في فَضائِها، وذلك الشَّمسُ؛ ففي ذلك مع العِبرةِ بخَلْقِها عِبرةٌ في كَونِها على تلك الصِّفةِ، ومِنَّةٌ على النَّاسِ باستفادتِهم مِن نُورِها فوائِدَ جَمَّةً.
"وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا "14.
أي: وأنزَلْنا مِن السَّحابِ المُثْقَلِ بالمياهِ ماءَ المطَرِ المُنصَبَّ على الأرضِ بتَتابُعٍ وكَثْرةٍ.
 "لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا "15.
أي: لِنُخرِجَ بهذا المطَرِ أنواعَ الحُبوبِ -كالقَمْحِ، والشَّعيرِ، والذُّرَةِ، والأَرُزِّ- وأنواعَ النَّباتاتِ.
 " وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "16.
أي: ونُخرِجَ بالمطَرِ بَساتينَ وحَدائِقَ فيها منْ جميعِ أصنافِ الثمارِ ،  أشجارُها كثيرةٌ مُجتَمِعةٌ، مُلْتَفٌّ بَعْضُها ببَعْضٍ؛ لكَثْرتِها، وتَقارُبِها، وتداخُلِ أغصانِها.
فالذِي أنعمَ عليكم بهذِهِ النعمِ العظيمةِ ، التي لا يُقَدَّر قدرها، ولا يُحصَى عددُهَا، كيف تكفرونَ به و تكذِّبُونَ ما أخبرَكُم به منَ البعثِ والنشورِ؟! وكيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟"

" إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا "17.
هذا بَيانٌ لِما أجمَلَه قولُه تعالى: 
"عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ" 
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا:أي: إنَّ يَومَ القيامةِ الَّذي يَحكُمُ اللهُ فيه بيْنَ عِبادِه يومٌ مُحَدَّدٌ بوَقتٍ مُعَيَّنٍ لجَمعِ النَّاسِ للحِسابِ والجَزاءِ.
" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا "18
أي: وذلك واقِعٌ يَومَ يَنفُخُ المَلَكُ في القَرْنِ لبَعْثِ النَّاسِ أحياءً يومَ القيامةِ، فتأتونَ -أيُّها النَّاسُ- مِن قُبورِكم إلى مَوضِعِ العَرْضِ للحِسابِ والجَزاءِ زُمَرًا وجَماعاتٍ.
" وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا "19.
أي: وتتشَقَّقُ السَّماءُ وتَنفَرِجُ، فتكونُ أبوابًا مَفتوحةً.
لَمَّا ذَكَر السَّقْفَ، ذَكَر أقرَبَ الأرضِ إليه وأشَدَّها، فقال سبحانه :
"وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا"20.
أي: وتُقلَعُ الجبالُ مِن أماكِنِها وتتفَتَّتُ تُرابًا، وتكونُ هَباءً، يُخيَّلُ إلى النَّاظرِ أنَّها شيءٌ، وليسَتْ بشيءٍ.
"إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا "21. 
هذا شروعٌ في تفصيلِ أحكامِ الفصلِ الَّذي أُضيفَ إليه اليومُ، إثْرَ بيانِ هَولِه.
أي: إنَّ جَهَنَّمَ تَرصُدُ أهْلَها وتَرْقُبُهم يومَ القيامةِ، فلا يُجاوِزُها مَن وَجَب عليه دُخولُها، واستَحَقَّ العَذابَ فيها.
والمقصودُ بالآيةِ الكريمةِ تهديدُ المشركينَ ، وبيانُ أنهم لا مهربَ لهم من جهنمَ ، وأنها فى انتظارِهِم ، كما ينتظرُ العدُوُ عدوًا ليقضِي عليهِ.
"لِّلطَّاغِينَ مَآبًا "22.
أي: تكونُ جَهنَّمُ للَّذين طَغَوا في الدُّنيا، فجاوَزوا حُدودَ اللهِ تعالى مَصيرًا ومَرجِعًا في الآخِرةِ.
" لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا "23.
أي: يَمكُثونَ في جَهنَّمَ مُدَدًا طَويلةً لا انقِضاءَ لها.
 "لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا "24.
أي: لا يَذوقُ الطَّاغُونَ في جَهَنَّمَ بَرْدًا يُبَرِّدُ أبدانَهم، ويَكسِرُ شِدَّةَ الحَرِّ، ولا شَرابًا يُبَرِّدُ بَواطِنَهم أو يُزيلُ عَطَشَهم.
 "إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا "25.
أي: لَكِنْ يَذوقونَ في جَهنَّمَ ماءً شَديدَ الحرارةِ، وما يَسيلُ مِن أهلِ النَّارِ مِن صَديدٍ وغَيرِه، وهو معَ نتنِ رائحتِه شديدُ البرودةِ.
"جَزَاءً وِفَاقًا "26.
أي: ذلك العِقابُ للطَّاغِينَ مُوافِقٌ لأعمالِهم السَّيِّئةِ في الدُّنيا، فلم يَظْلِمْهم اللهُ تعالى، وإنَّما ظَلَموا أنفُسَهم.
" إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا "27.
أي: إنَّهم كانوا في الدُّنيا لا يُؤمِنونَ بالبَعْثِ، ولا بأنَّهم يُحاسَبونَ ويُجازَوْنَ على أعمالِهم في الآخِرةِ.
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا "28.
هذا هو النَّوعُ الثَّاني مِن قبائِحِ أفعالِ الكُفَّارِ.كانوا يُكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ تعالى تكذيبًا شَديدًا مع وُضوحِها ودَلالتِها على الحَقِّ.
 " وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا "29.
أي: وكُلُّ شَيءٍ مِن أعمالِ العِبادِ أو غَيرِها مكتوبٌ مَعدودٌ مَضبوطٌ، لا يَخْفى على اللهِ تعالى منه شَيءٌ.وسنجزِيهم عَلَى ذَلِكَ إنْ خيرًا فَخَيرٍ وإنْ شرًا فَشَرٍ.
 "فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا "30.
أي: يُقالُ للكُفَّارِ في جَهَنَّمَ تَوبيخًا وتَقريعًا لهم: فذُوقوا هذا العَذابَ، وسنَزيدُكم عذابًا فوقَ ما أنتم فيه.
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى شيئًا مِن حالِ أهلِ النَّارِ؛ ذَكَر ما لأهلِ الجنَّةِ فقالَ تعالى مبيِّنًا جزاءَ المتَّقينَ يومَ القيامةِ، وما أعدَّ لهم مِن النَّعيمِ:
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا "31.
أي: إنَّ للَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه بامتِثالِ أمْرِه واجتنابِ نَهْيِهِ: فَوزًا بالجنَّةِ الَّتي يَظفَرونَ فيها بما يُريدونَ، ونجاةً مِنَ النَّارِ.

"حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا "32.
أي: بساتينَ ، جامعةً لأصنافِ الأشجارِ المثمرةِ، ومِنها الأعنابُ.
"وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا "33.
 كَوَاعِبَ : قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد "كواعب" أي نواهد يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن .
فالكواعب ، جمع كاعب ، وهى الفتاة التى وصلت إلى سن البلوغ ، وسُميتْ بذلكَ لأنَّها فى تلكَ السن يتكعبُ ثديُاها ، أي : يستديرانِ مع ارتفاعٍ . 
والأتراب ، جمع تِرْبِ - بكسر التاء وسكون الراء - وهو المساوي لغيرهِ فى السنِّ ، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإِناثِ . قيل : سمي من تقاربن في السنِّ بذلكَ ، على سبيلِ التشبيه بالترائبِ ، أي : بالضلوع التي في الصدر في التساوي .
أي: ونِساءً شابَّاتٍ قد استدارَت أثداؤُهنَّ وبَرَزَت دونَ أن تتدلَّى للأسفَلِ، وهنَّ مُتساوِياتٌ في السِّنِّ.
"وَكَأْسًا دِهَاقًا "34.
يُقَالُ دهقَ الحوضُ- كجعل- وأدهقه، إذا ملأه حتى فاضَ مِنْ جوانبِهِ.
أي: وكُؤُوسًا مَملوءةً مِن خَمرِ الجَنَّةِ، صافيةً، مُتتابِعةً على شارِبيها.
"لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا "35.
أي: لا يَسمَعُ المتَّقونَ في الجنَّةِ لَغَطًا أو كَلامًا باطِلًا لا فائِدةَ فيه، ولا يَكذِبونَ ولا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بعضًا في حَديثِهم.
"جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا "36.
أي: وهذا الجَزاءُ المذكورُ للمُتَّقينَ هو عَطاءٌ كافٍ وافِرٌ كثيرٌ مِن رَبِّك- يا محمَّدُ  .
كما قال الله تبارك وتعالى"
وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا "المزمل: 20.
لَمَّا ذَكَر اللهُ سُبحانَه سَعةَ فَضْلِه؛ وَصَف نَفْسَه الأقدَسَ بما يَدُلُّ على عَظَمتِه؛ زيادةً في شَرَفِ المُخاطَبِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ عَظَمةَ العبدِ على حسَبِ عَظَمةِ السَّيِّدِ، فقال:
"رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا "37.
أي: خالِقِ ومالِكِ ومدَبِّرِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، الرَّحمنِ الَّذي وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ.
لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا:
أي: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ على مُخاطَبةِ اللهِ -سُبحانَه وتعالى- يومَ القيامةِ بلا إِذْنٍ.
"يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا "38.
أي: وذلكَ واقِعٌ يَومَ يقومُ جِبريلُ وجميعُ الملائِكةِ مُصْطَفِّينَ بخُضوعٍ للهِ تعالى.
"ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا "39.
ذَلِكَ الْيَوْمُ يعني: يوم القيامة ، إنه حقٌّ كائِنٌ لا مَحالةَ، ولا شَكَّ في وُقوعِه.
فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا:
 فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحقّ، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله مَآبًا ، يعني: مرجعًا.
"إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا "40.
أي: إنَّا حَذَّرْناكم -أيُّها النَّاسُ- عَذابًا قد دنا وقرُبَ منكم.
يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ :أي: وذلك يومَ يَنظُرُ كُلُّ إنسانٍ إلى ما عَمِلَه مِن قَبْلُ في حياتِه.
وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا:
أي: ويَقولُ الكافِرُ مُتحَسِّرًا يَومَئِذٍ: يا لَيْتَني كُنتُ تُرابًا.
أي : يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا ، ولم يكن خُلِقَ ، ولا خرجَ إلى الوجودِ . وذلك حين عاين عذاب الله ، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سُطِرَتْ عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة ، وقيل : إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا ، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور ، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء . فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها : كوني ترابًا ، فتصير ترابًا . فعند ذلك يقول الكافر "يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" أي : كنت حيوانا فأرجع إلى التراب . وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما .
لَتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أهلِها يَومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ.الراوي : أبو هريرة -المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم.

عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّ الأديمُ وحُشِرَ الدَّوابُّ والبهائمُ والوحشُ ثم يحصلُ القِصاصُ بين الدوابِّ يُقتصُّ للشاةِ الجمَّاء من الشاةِ القرناءِ نطحَتْها فإذا فُرِغَ من القِصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تُرابًا قال فعند ذلك يقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَابًا

الراوي : أبو المغيرة-المحدث :الألباني-المصدر :السلسلة الصحيحة-الصفحة أو الرقم: 4/607-خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد -التخريج : أخرجه الطبري (24/ 54) واللفظ له.


الأحد، 2 أغسطس 2026

عبادة جبر الخواطر

عبادة جبر الخواطر 

اعلموا عباد الله أن تطيب الخواطر عبادة من أجل العبادات المنسية في مجتمعاتنا في زمن كثرة فيه الأنانيات والاهتمام بالذات والانهماك في الشهوات... قال سفيان الثوري "ما رأيتُ عبادةً أجل وأعظم من جبر الخواطر.

تعريف جبر الخواطر:

جبر الخواطر معناه: رفع همه الشخص أو تهوين مصيبته والأخذ بيديه حتي يمر بمصيبته، ورفع همه الشخص قد تكون بالنصيحة أو الابتسامة أو الصدقة، وجبر الخواطر من المعاملات الإسلامية التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم وكل شخص عمومًا بعيد عن ديانته، ومن يعمل علي جبر الخواطر فهو بالتأكيد شخص شهم ومعدنة أصيل.


وقد أجمع اللغويون على أن الخاطر هو القلب، وعدم كسره خلق عظيم، ولو تحققنا فسوف نجد أن أغلب أحكام ديننا قائمة على جبر الخواطر، فنحن نقدم واجب العزاء لجبر خاطر أهل المتوفي، نزور المريض لجبر خاطره، ندفع دية الميت لجبر خاطر أهله حتى السلام والابتسامة.

ومما يعطي هذا المصطلح جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى وهو “الجبار” وهذا الاسم بمعناه الرائع يُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس فهو سُبْحَانَهُ “الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ”. تفسير أسماء الله للزجاج ص: 34.
عبادة جبر الخواطر - إسلام أون لاين



الاثنين، 22 يونيو 2026

وقفات تدبرية مع التفسير الميسر

 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

بعد عرض التفسير الميسر نورد بعد كل ربع سؤال ليعيننا على التفكر والتعايش مع كلام الله عز وجل

وقفة مع الربع الأول  :

اذكر ثلاث صفات تتمناها وقد ذكرها القرآن في الجنة؟
 الجواب من خلال هذه الآية.

 "وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "25.

 الأمنية: دخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار / وقطف ثمارها / والخلود في هذا النعيم.

 وقفة مع الربع الثاني  :


الإيمان يُكْسِبُ المؤمنَ فراسةً يميزُ بها بين الحقِ والباطلِ. أذكرْ الآيةَ الدالةَ على ذلكَ؟.
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"26.

 

"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ "البقرة:30.
الوقفة:
ما معنى "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" آدم خليفة مَن؟
الجواب:
إني جاعل في الأرض قومًا يخلُفُ بعضُهم بعضًا لعمارتِهَا.

"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ "36.
ما المقصود من قولِهِ تعالى " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ"
الجواب:
اهبطوا إلى الأرض، يعادِي بعضُكُم بعضًا -قال الحافظ ابن القيم: أي بين آدم وإبليس وذريتهما، فالعداوة قائمة بين آدم وإبليس، وكذلك هو عدو للذرية.مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة : 16/1. 
 
 
"قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"38.
ما دَِلالة قولِهِ تعالى : فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ؟
قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق. فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
 

الربع الثالث:

احذر أن يفتح لك الله باب رحمة وعمل صالح فتضيعه.
 "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "59.
الربع الرابع :

"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ "61.
لا تستقل رزق الله لك فيبدلك الله ما ظاهره الخير وهو شر لك" أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ"
 الربع الخامس :
 
"أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ "77.
نأخذ منها وجوب مراقبة الله عز وجل فهو يعلم السر وأخفى.
"ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "85.
 دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان.والنهي عن التزام بعض المأمورات وترك البعض بالتشهي .
قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ "البقرة:208.
 

الربع السادس:

"مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ "98.
من أركان الإيمان : الإيمان بالله وكل ملائكته وكل رسله ، فيجب الإيمان بهم وعدم معاداة أحد منهم.

الربع السابع: 
"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "110.
أهمية إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لذا خصهما بالذكر رغم وجوب كل الأوامر والانتهاء عن كل النواهي .
 الربع الثامن :

"وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"127.
فيها عدم الاغترار بالعمل الصالح ورجاء قبول الله له.قال تعالى" وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ "60" أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ "61.
 _____________ 
الجزء الثاني