هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْكثيرِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي، وَمِنْ ذَلِكَ:
إِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَإِبْطَالُ إحَالَةِ الْمُشْرِكينَ وُقُوعه.
تَهْوِيلُ يَوْمِهِ وَمَا يَعْتَرِي النَّاسَ حِينَئِذٍ مِنَ الْخَوْفِ.
بَيَانُ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ دَعْوَةِ مُوسَى - عليه السلام، وَتَسْلَيَةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِذَلِكَ.
ذِكْرُ مَا فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ دَلَائِلَ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَمِنَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَطَغَى، وَحَالِ مَنْ خَافَ الْمَوْلَى وَاتَّقَى،وبيانُ حُسنِ عاقِبةِ المتَّقينَ، وسوءِ عاقِبةِ الكافِرينَ.
اسْتِعْجَالُ الْكَافِرينَ بِالْقيَامَةِ، وَأَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ سُؤَالُ تَعَنُّتٍ، وَأَنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِهَا وَلَيْسَ شَأْنُهُ تَعْيِينَ وَقْتِهَا.
بدأتِ السورةُ بعدةِ إقسامات :
هذه الإقساماتُ بالملائكةِ الكرامِ، وأفعالِهم الدالةِ على كمالِ انقيادِهم لأمرِ اللهِ، وإسراعِهِم في تنفيذِ أمرِهِ.
يحتمل أن المُقْسَمَ عليه، الجزاءُ والبعثُ، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك.
ويحتمل أنَّ المقسمَ عليهِ والمقسمَ بِهِ مُتَّحِدَانِ، وأنه أقسمَ على الملائكَةِ، لأنَّ الإيمانَ بهم أحدُ أركانِ الإيمانِ الستةِ، ولأنَّ في ذكرِ أفعالِهِم هنا ما يتضمنُ الجزاءَ الذِي تتولاهُ الملائكةُ عندَ الموتِ وقبلِهِ وبعدِهِ.تفسير السعدي.
أي: الملائكةِ الَّذين يَقبِضُون أرواحَ المؤمِنينَ بسُهولةٍ ورِفْقٍ وسُرْعةٍ؛ مِنَ النَّشْطِ: وهو السُّرعةُ في العَمَلِ، والخِفَّةُ في أخْذِ الشَّيءِ.
أي: الملائِكةِ يَنزِلونَ مِن السَّماءِ تسبحُ بأمرِ اللهِ على حسب ما أراد الله سبحانه وتعالى ،أي مُسرِعينَ كالفَرَسِ الجَوَادِ يُقالُ له: سابِحٌ: إذا أسرَعَ في جَرْيِه.و كما يُسرعُ السابحُ في الماءِ.
"فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا "4.
أي: الْمَلَائِكَة التِي تُدَبِّرُ أَمْرَ الدُّنْيا الّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهَا فَتَقُومُ بِهِ وَفْقَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، منَ الأمطارِ، والنباتِ، والأشجارِ، والرياحِ، والبحارِ، والأجنةِ، والحيواناتِ، والجَنَّةِ، والنَّارِ.
والواو في قوله وَالنَّازِعاتِ ... وما بعده، للقسم، وجوابُ هذهِ الأقسامِ محذوفٌ دَلَّ عليهِ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: وحق هذه المخلوقات العظيمة ... لتُبْعَثُنَّ ولِتُحاسَبُنَّ.
وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم " ما بيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قالَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةَ ما بيْن النَّفختَين، فيقولُ"ما بَينَ النَّفختَين أربعونَ"، ولَم يُبيِّن هل هي سَنةٌ، أو يومٌ، أو شَهْرٌ.
فسُئِل أبو هُرَيرةَ: هلْ هي أَربعونَ يومًا؟ فقال: أَبَيتُ -أي: امتنَعْتُ عن القولِ بتَعيينِ ذلك. فذكرها في الحديثِ مجملة.
والسَّاهِرَة: الأرضُ المستويةُ الخاليةُ مِنَ النباتِ.
والمرادُ بها هنا: الأرضُ التي يَحشرُ اللهُ- تعالى- فيها الخلائقَ.
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ اللهَ تعالى حكى عنِ الكُفَّارِ إصرارَهم على إنكارِ البَعْثِ، حتَّى انتَهَوْا في ذلك الإنكارِ إلى حَدِّ الاستهزاءِ في قَولِهم" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "النازعات: 12 ، وكان ذلك يَشُقُّ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكَرَ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ، وبيَّنَ أنَّ موسى عليه السلام تَحمَّلَ المشَقَّةَ الكثيرةَ في دَعوةِ فِرعَونَ؛ لِيَكونَ ذلك كالتَّسليةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ .وتهديدًا لهؤلاءِ الكفارِ حتى يُقْلِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ فِرعَونَ كان أقوى من كُفَّارِ قُرَيشٍ، وأكثَرَ جَمعًا، وأشَدَّ شَوكةً، فلَمَّا تمَرَّدَ على موسى عليه السَّلامُ أخَذَه اللهُ نَكالَ الآخرةِ والأُولى، فكذلك هؤلاء المُشرِكونَ في تمَرُّدِهم عليك، إنْ أصَرُّوا أخَذَهم اللهُ، وجَعَلَهم نَكالًا.فقال تعالى: