الْمَقَاصِدُ الْعَامَّةُ مِنَ السُّورَةِ:
هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْكثيرِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي، وَمِنْ ذَلِكَ:
إِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَإِبْطَالُ إحَالَةِ الْمُشْرِكينَ وُقُوعه. تَهْوِيلُ يَوْمِهِ وَمَا يَعْتَرِي النَّاسَ حِينَئِذٍ مِنَ الْخَوْفِ.
بَيَانُ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ دَعْوَةِ مُوسَى - عليه السلام وعاقبة أمرهِ، وَتَسْلَيَةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِذَلِكَ.
ذِكْرُ مَا فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ دَلَائِلَ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَمِنَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَطَغَى، وَحَالِ مَنْ خَافَ الْمَوْلَى وَاتَّقَى،وبيانُ حُسنِ عاقِبةِ المتَّقينَ، وسوءِ عاقِبةِ الكافِرينَ.
اسْتِعْجَالُ الْكَافِرينَ بِالْقيَامَةِ، وَأَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ سُؤَالُ تَعَنُّتٍ، وَأَنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِهَا وَلَيْسَ شَأْنُهُ تَعْيِينَ وَقْتِهَا.
بدأتِ السورةُ بخمسةِ إقساماتٍ :
هذه الإقساماتُ بالملائكةِ الكرامِ، وأفعالِهم الدالةِ على كمالِ انقيادِهم لأمرِ اللهِ، وإسراعِهِم في تنفيذِ أمرِهِ.
"وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا "2.
أي: الملائكةِ الَّذين يَقبِضُون أرواحَ المؤمِنينَ بسُهولةٍ ورِفْقٍ وسُرْعةٍ؛ مِنَ النَّشْطِ: وهو السُّرعةُ في العَمَلِ، والخِفَّةُ واليسرُ والرفقُ في أخْذِ الشَّيءِ.
تنشطُها نشطًا : أي تَسلها برفقٍ كالأنشوطةِ، والأنشوطةُ : الربطُ الذي يسمونَهُ عندنا التِّكَة - أو الفيونكة- أو ما أشبه ذلك من الكلماتِ، يعني يكونُ ربطًا بحيثُ إذا سَلَلتَ أحدَ الطرفينِ انفكتِ العقدةُ بسرعةٍ وبسهولةِ.
وفي حديث الرقية "....فانطَلَقَ يَتفِلُ عليه، ويَقرَأُ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ،فكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فانطَلَقَ يَمشي وما به قَلَبةٌ..." صحيح البخاري.
قال أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ رَضيَ اللهُ عنه"فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقَالٍ"، أي: انقطَعَتْ آلامُه فَورًا كأنَّما كان مَربوطًا بحَبْلٍ وأُطلِقَ منه. الدرر السنية.
"وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا "3.
ويقسمُ بالملائكة التي تجوبُ آفاقَ السماء، وتنزِلُ إلى الأرضِ بأمر الله.
السبحُ يطلقُ على أي حركة سريعة يسيرة في أي وسط. مثل العَومِ في الماءِ والمرورِ في السماءِ؛ كما قال تعالى"كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"الأنبياء:33 .
،أي مُسرِعينَ كالفَرَسِ الجَوَادِ يُقالُ له: سابِحٌ: إذا أسرَعَ في جَرْيِه.
"فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا "4.
عَطَفَ السابقاتِ على السَّابحاتِ بالفاءِ، ومعنى ذلك: أنَّ السابقاتِ مِنْ جنسِ السابحاتِ، وهي الملائكة التي يسبِقُ بعضُها بعضًا في طاعةِ اللهِ وتنفيذِ أوامرِهِ تعالى.
أي: الْمَلَائِكَة التِي تُدَبِّرُ أَمْرَ الدُّنْيا الّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهَا فَتَقُومُ بِهِ وَفْقَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، منَ الأمطارِ، والنباتِ، والأشجارِ، والرياحِ، والبحارِ، والأجنةِ، والحيواناتِ، والجَنَّةِ، والنَّارِ ، وغيرها.
والواو في قوله وَالنَّازِعاتِ ... وما بعده، للقسم، وجوابُ هذهِ الأقسامِ محذوفٌ دَلَّ عليهِ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: وحق هذه المخلوقات العظيمة ... لتُبْعَثُنَّ ولِتُحاسَبُنَّ .
" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ "6.
أي: ترْجُفُ الأَرْضُ والجبالُ، ويَتَزَلْزَلُ وَيَتَحَرَّكُ كُلُّ شَيْءٍ، وذلك للنَّفْخَة الْأُولَى، وهي التي يَمُوتُ مِنْهَا كُلُّ مَخْلُوقٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ.
"تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ "7.
أي: تتبعها النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، التي رَدِفَتِ الْأُولَى؛ لِبَعْثِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون "سورة الزمر:68.
وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم " ما بيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قالَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةَ ما بيْن النَّفختَين، فيقولُ"ما بَينَ النَّفختَين أربعونَ"، ولَم يُبيِّن هل هي سَنةٌ، أو يومٌ، أو شَهْرٌ.
فسُئِل أبو هُرَيرةَ: هلْ هي أَربعونَ يومًا؟ فقال: أَبَيتُ -أي: امتنَعْتُ عن القولِ بتَعيينِ ذلك. فذكرها في الحديثِ مجملة.
"قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ "8.
المرادُ أصحابُ القلوبِ، فعبَّر عنهم بجزءٍ مِنْهُم، وهي القلوب، التي هي محلُّ الخوفِ والإذعانِ، ثم يَظْهرُ بعدَ ذلكَ على الأبصارِ، والله أعلم.كتاب تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار.
أَيْ: قُلوبُ الْكُفَّارِ خَائِفَةٌ قَلِقَةٌ مِنَ الْفَزَعِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَا كَانُوا يُنْكِرُونَ، وأَصْبَحَ أَمَامَهُمْ حَقِيقَةً مَاثِلَةً، لَا مَجَالَ فِيها لِلْهَرَبِ وَالْإِنْكَارِ، كما قَالَ تَعَالَى" وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّين "سورة الصافات:20.
وقال تعالى قلوب وليس كل القلوب ، فقلوب المؤمنين تكون آمنة مطمئنة رغم هول المطلع.
لا يحزنهم الفزع الأكبر"لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ "103.
قالَ تعالى في الحديثِ القدسي على لسانِ نبيهِ صلَى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"وعِزَّتِي لا أجمعُ على عَبدي خَوفيْنِ وأَمنيْنِ، إذا خافَني في الدُّنيا أمَّنْتُه يومَ القيامةِ، وإذا أمِنَني في الدُّنيا أَخَفْتُه في الآخِرةِ "خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح -الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب.
"أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ "9.
أَيْ: أنَّ أَبْصَارَ أَصْحَابِ هَذِهِ الْقُلُوبِ ذَلِيلَةٌ حقيرةٌ لِهَوْلِ مَا تَرَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ" يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ "سورة الشورى:45.
" يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ "10.
أَيْ: يَقُولُ مُنْكِرُو الْبَعْثِ بَعدَ الْمَوْتِ: أَنُرَدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ في الحافرة - الأرض وقيل القبور-وهي الْحَالَة الْأُولَى الَّتيِ كُنَّا عَلَيْهَا فِي الْأَرْضِ؟
والاستفهامُ جاءَ على سبيلِ التعجُّبِ من حُصولِ البعثِ الذي يُنْكِرُهُ هؤلاءِ، وجاء الفعل "يَقُولُونَ" مضارعًا؛ لإفادةِ تجدُّد هذا الحديث، وحصوله منهم مرة بعد مرةٍ.
الْحَافِرَة عندَ العربِ: رجوعُ المرءِ مِنَ الطريقِ الذي أتَى مِنْهُ، يقولونَ: رجعَ فلانٌ إلى حافرتِهِ؛ أي: إلى طريقِهِ الذي جاءَ مِنْهُ؛ كَأَنَّهُ يتبعُ حفرَ قدميهِ في الأرضِ في حالِ رجوعهِ.
"أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً "11.
أَيْ: أَنُرَدُّ وَقَدْ صِرْنَا عظامًا بَالِيَةً.هذا الاستِفهامُ إنكاريٌّ مؤكِّدٌ للاستِفهامِ الأوَّلِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ هذه الحالةَ جديرةٌ بزيادةِ إنكارِ الإرجاعِ إلى الحياةِ بعدَ الموتِ، فهما إنكارانِ؛ لإظهارِ شدَّةِ إحالتِه.
"قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "12.
قالَ محمدُ بنُ كعبٍ: قالتْ قريشُ لئنْ أَحْيَانَا اللهُ بعدَ أنْ نموتَ لَنَخْسَرَنَّ.فشَبَّهُوهَا بالتجارةِ الخاسرةِ التي لا أملَ في رِبحِها.
"فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ "13."فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ "14.
أي: إنَّ الأمرَ لا يحتاجُ إلى كبيرِ عناءٍ ليُرَدَّوا إلى الحافرةِ، بل هي صيحةٌ واحدةٌ لا ثانيةَ لها ينفُخُها إسرافيلُ في الصُّور، فيقومونَ من قبورهِم أحياء.
والساهرة: الأرض المستوية الخالية من النبات.
والمراد بها هنا: الأرض التي يحشر الله- تعالى- فيها الخلائق.
"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى "15.
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ اللهَ تعالى حكى عنِ الكُفَّارِ إصرارَهم على إنكارِ البَعْثِ، حتَّى انتَهَوْا في ذلك الإنكارِ إلى حَدِّ الاستهزاءِ في قَولِهم" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "النازعات: 12 ، وكان ذلك يَشُقُّ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكَرَ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ، وبيَّنَ أنَّ موسى عليه السلام تَحمَّلَ المشَقَّةَ الكثيرةَ في دَعوةِ فِرعَونَ؛ لِيَكونَ ذلك كالتَّسليةِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ .وتهديدًا لهؤلاءِ الكفارِ حتى يُقْلِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ فِرعَونَ كان أقوى من كُفَّارِ قُرَيشٍ، وأكثَرَ جَمعًا، وأشَدَّ شَوكةً، فلَمَّا تمَرَّدَ على موسى عليه السَّلامُ أخَذَه اللهُ نَكالَ الآخرةِ والأُولى، فكذلك هؤلاء المُشرِكونَ في تمَرُّدِهم عليك، إنْ أصَرُّوا أخَذَهم اللهُ، وجَعَلَهم نَكالًا.فقال تعالى:
"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى "15.
أي: هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ موسى بنِ عمران عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كان مِنْ أَمْرِه؟
"إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى "16.
أي: حينَ ناداه ربُّه سُبحانَه بالوادِي المبارَكِ المطَهَّرِ المسَمَّى طُوًى.
أي: قال اللهُ لِموسى: اذهَبْ إلى فِرعَونَ مَلِكِ مِصرَ؛ لأنَّه عتا وتَجاوَزَ حَدَّه في التَّكَبُّرِ والعُدوانِ والعِصْيانِ لربِّهِ.فقد كانَ فرعون يقولُ لقومِهِ إنه ربُّهم الأعلى، وأنَّهُ لَا إلَه غيره.