الخميس، 14 مايو 2026

34- التفسير الميسر


الجزءُ الثلاثونَ
سورة النبأ من آية 1 إلى 40
"عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ "1"عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ "2" الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "3.
عن أيِّ شيء يسأل بعض كفار قريش بعضا؟ يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن، وهو القرآن العظيم الذي ينبئ عن البعث الذي شك فيه كفار قريش وكذَّبوا به .
"كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "4" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "5.
ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون, سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم، ويظهر لهم ما الله فاعل بهم يوم القيامة, ثم سيتأكد لهم ذلك, ويتأكد لهم صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من القرآن والبعث. وهذا تهديد ووعيد لهم.
"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا "6.
ألم نجعل الأرض ممهدة لكم كالفراش؟
"وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا "7.
والجبال رواسي؛ كي لا تتحرك بكم الأرض؟
"وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "8.
وخلقناكم أصنافا ذكرا وأنثى؟
"وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا "9.
وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، فيه تهدؤون وتسكنون؟
"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا "10.
وجعلنا الليل لباسًا تَلْبَسكم ظلمته وتغشاكم، كما يستر الثوب لابسه؟
"وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا "11.
وجعلنا النهار معاشًا تنتشرون فيه لمعاشكم، وتسعَون فيه لمصالحكم؟
"وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا"12.
وبنينا فوقكم سبع سموات متينة البناء محكمة الخلق، لا صدوع لها ولا فطور؟
"وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا "13.
وجعلنا الشمس سراجًا وقَّادًا مضيئًا؟
"وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا "14" لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا "15" وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "16.
وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصَبّا بكثرة, لنخرج به حبًا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها؟
"إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا"17" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا "18.
إن يوم الفصل بين الخلق, وهو يوم القيامة, كان وقتًا وميعادًا محددًا للأولين والآخرين, يوم ينفخ المَلَك في "القرن" إيذانًا بالبعث فتأتون أممًا, كل أمة مع إمامهم.
"وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا "19.
وفُتحت السماء، فكانت ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة.
"وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا "20.
ونسفت الجبال بعد ثبوتها، فكانت كالسراب.
"إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا "21" لِّلطَّاغِينَ مَآبًا "22" لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا "23" لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا "24" إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا "25" جَزَاءً وِفَاقًا "26.
إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع، لا يَطْعَمون فيها ما يُبْرد حرَّ السعير عنهم، ولا شرابًا يرويهم، إلَّا ماءً حارًا، وصديد أهل النار، يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.
"إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا "27" وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا"28" وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا "29" فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا "30.
إنهم كانوا لا يخافون يوم الحساب فلم يعملوا له, وكذَّبوا بما جاءتهم به الرسل تكذيبا, وكلَّ شيء علمناه وكتبناه في اللوح المحفوظ, فذوقوا -أيها الكافرون- جزاء أعمالكم, فلن نزيدكم إلا عذابًا فوق عذابكم.
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا "31"حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا "32" وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا "33" وَكَأْسًا دِهَاقًا"34" لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا "35.

إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحًا, فوزًا بدخولهم الجنة. إن لهم بساتين عظيمة وأعنابًا, ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة, ولهم كأس مملوءة خمرًا. لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول، ولا يكذب بعضهم بعضًا.
"جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا "36" رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا "37" يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا "38" ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا "39.
لهم كل ذلك جزاء ومنَّة من الله وعطاءً كثيرًا كافيًا لهم، ربِّ السموات والأرض وما بينهما، رحمنِ الدنيا والآخرة, لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه, يوم يقوم جبريل عليه السلام والملائكة مصطفِّين، لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة, وقال حقًا وسدادًا. ذلك اليوم الحق الذي لا ريب في وقوعه, فمن شاء النجاة مِن أهواله فليتخذ إلى ربه مرجعًا بالعمل الصالح.

" إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا "40.
إنَّا حذَّرناكم عذاب يوم الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير أو اكتسب من إثم, ويقول الكافر من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبعث.
تمَّ تفسيرُ سورةِ النبأِ
_________ 

سورة النازعات من آية 1 إلى 46
 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا "1وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا "2" وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا "3" فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا "4" فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا "5" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ "6" تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ "7.
أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها, فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله, فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون -ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك- لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب, يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة, تتبعها نفخة أخرى للإحياء.
" قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ "8" أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ "9.
قلوب الكفار يومئذ مضطربة من شدة الخوف, أبصار أصحابها ذليلة من هول ما ترى.
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ "10أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً "11" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "12.
يقول هؤلاء المكذبون بالبعث: أنُرَدُّ بعد موتنا إلى ما كنا عليه أحياء في الأرض؟ أنردُّ وقد صرنا عظامًا بالية؟ قالوا: رجعتنا تلك ستكون إذًا خائبة كاذبة.
" فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ "13" فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ "14.
فإنما هي نفخة واحدة، فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا في بطنها.
" هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى "15.
هل أتاك -أيها الرسول- خبر موسى؟
" إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى "16"اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى "17" فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى "18" وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى "19.
حين ناداه ربه بالوادي المطهَّر المبارك "طوى"، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه قد أفرط في العصيان، فقل له: أتودُّ أن تطهِّر نفسك من النقائص وتحليها بالإيمان, وأُرشدك إلى طاعة ربك، فتخشاه وتتقيه؟
 "فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى "20" فَكَذَّبَ وَعَصَى "21" ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى "22.
فأرى موسى فرعونَ العلامة العظمى: العصا واليد، فكذب فرعون نبيَّ الله موسى عليه السلام, وعصى ربه عزَّ وجلَّ، ثم ولَّى معرضًا عن الإيمان مجتهدًا في معارضة موسى.

" فَحَشَرَ فَنَادَى "23" فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى "24" فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى "25" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى "26.
فجمع أهل مملكته وناداهم، فقال: أنا ربكم الذي لا ربَّ فوقه، فانتقم الله منه بالعذاب في الدنيا والآخرة، وجعله عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين. إن في فرعون وما نزل به من العذاب لموعظةً لمن يتعظ وينزجر.
" أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا "27" رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا "28" وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "29" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا "30" أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "31" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا "32" مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ "33.
أبَعْثُكم أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ رفعها فوقكم كالبناء, وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها. والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجَّر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يُرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها. خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم. -إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير-.
" فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى "34" يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى "35" وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى "36.
فإذا جاءت القيامة الكبرى والشدة العظمى وهي النفخة الثانية, عندئذ يُعْرَض على الإنسان كل عمله من خير وشر، فيتذكره ويعترف به، وأُظهرت جهنم لكل مُبْصِر تُرى عِيانًا.
فَأَمَّا مَن طَغَى "37" وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا "38" فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى "39.
فأمَّا مَن تمرد على أمر الله, وفضل الحياة الدنيا على الآخرة, فإن مصيره إلى النار.
" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى "40" فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى "41.
وأمَّا مَنْ خاف القيام بين يدي الله للحساب، ونهى النفس عن الأهواء الفاسدة، فإن الجنة هي مسكنه.
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا "42" فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا "43إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا "44" إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا "45" كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا "46.
وأمَّا مَنْ خاف القيام بين يدي الله للحساب، ونهى النفس عن الأهواء الفاسدة، فإن الجنة هي مسكنه.
تمَّ تفسيرُ سورةِ النازعاتِ 
______ 
سورة عبس: من آية 1 إلى 42

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"عَبَسَ وَتَوَلَّى "1"أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى "2.
ظهر التغير والعبوس في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم, وأعرض لأجل أن الأعمى عبد الله بن أم مكتوم جاءه مسترشدا, وكان الرسول صلى الله عليه وسلم منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام.
" وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى "3" أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى "4.
وأيُّ شيء يجعلك عالمًا بحقيقة أمره؟ لعله بسؤاله تزكو نفسه وتطهر، أو يحصل له المزيد من الاعتبار والازدجار.
" أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى "5" فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى "6" وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى "7.
أما مَن استغنى عن هديك، فأنت تتعرض له وتصغي لكلامه، وأي شيء عليك ألا يتطهر من كفره؟
" وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى "8" وَهُوَ يَخْشَى "9" فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى "10" كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ "11" فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ "12" فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ "13" مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ "14" بِأَيْدِي سَفَرَةٍ "15" كِرَامٍ بَرَرَةٍ "16.
وأمَّا من كان حريصا على لقائك, وهو يخشى الله من التقصير في الاسترشاد, فأنت عنه تتشاغل. ليس الأمر كما فعلت أيها الرسول, إن هذه السورة موعظة لك ولكل من شاء الاتعاظ. فمن شاء ذكر الله وَأْتَمَّ بوحيه. هذا الوحي, وهو القرآن في صحف معظمة, موقرة, عالية القدر مطهرة من الدنس والزيادة والنقص, بأيدي ملائكة كتبة, سفراء بين الله وخلقه, كرام الخلق, أخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة.

" قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ "17" مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ "18" مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ "19"ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ "20"ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ "21" ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ "22" كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ "23.
لُعِنَ الإنسان الكافر وعُذِّب، ما أشدَّ كفره بربه!! ألم ير مِن أيِّ شيء خلقه الله أول مرة؟ خلقه الله من ماء قليل- وهو المَنِيُّ- فقدَّره أطوارا, ثم بين له طريق الخير والشر, ثم أماته فجعل له مكانًا يُقبر فيه, ثم إذا شاء سبحانه أحياه, وبعثه بعد موته للحساب والجزاء. ليس الأمر كما يقول الكافر ويفعل, فلم يُؤَدِّ ما أمره الله به من الإيمان والعمل بطاعته.
" فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ "24" أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا "25" ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا "26" فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا "27" وَعِنَبًا وَقَضْبًا "28" وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا "29" وَحَدَائِقَ غُلْبًا "30" وَفَاكِهَةً وَأَبًّا "31" مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ "32.
فليتدبر الإنسان: كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته؟ أنَّا صببنا الماء على الأرض صَبًّا، ثم شققناها بما أخرجنا منها من نبات شتى, فأنبتنا فيها حبًا، وعنبًا وعلفًا للدواب, وزيتونًا ونخلا وحدائق عظيمة الأشجار، وثمارًا وكلأ تَنْعَمون بها أنتم وأنعامكم.
" فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ "33" يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ "34" وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ "35" وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ "36" لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ "37.
فإذا جاءت صيحة يوم القيامة التي تصمُّ مِن هولها الأسماع، يوم يفرُّ المرء لهول ذلك اليوم من أخيه, وأمه وأبيه، وزوجه وبنيه. لكل واحد منهم يومئذٍ أمر يشغله ويمنعه من الانشغال بغيره.
 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ "38" ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ "39" وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ "40"تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ "41"أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ "42.
وجوه أهل النعيم في ذلك اليوم مستنيرة، مسرورة فرحة, ووجوه أهل الجحيم مظلمة مسودَّة, تغشاها ذلَّة. أولئك الموصوفون بهذا الوصف هم الذين كفروا بنعم الله وكذَّبوا بآياته, وتجرؤوا على محارمه بالفجور والطغيان.


تمَّ تفسيرُ سورةِ عبس
__________
سورة التكوير: من آية 1 إلى 29
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ "1" وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ "2" وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ "3" وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ "4" وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ "5" وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ "6" وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ "7" وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ "8" بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ "9" وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ "10" وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ "11" وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ "12" وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ "13" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ "14.
إذا الشمس لُفَّت وذهب ضَوْءُها، وإذا النجوم تناثرت, فذهب نورها, وإذا الجبال سيِّرت عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثًا, وإذا النوق الحوامل تُركت وأهملت، وإذا الحيوانات الوحشية جُمعت واختلطت؛ ليقتصَّ الله من بعضها لبعض, وإذا البحار أوقدت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقد, وإذا النفوس قُرنت بأمثالها ونظائرها، وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها : بأيِّ ذنب كان دفنها؟ وإذا صحف الأعمال عُرضت, وإذا السماء قُلعت وأزيلت من مكانها, وإذا النار أوقدت فأضرِمت, وإذا الجنة دار النعيم قُرِّبت من أهلها المتقين, إذا وقع ذلك, تيقنتْ ووجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمت من خير أو شر.
 فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ "15" الْجَوَارِ الْكُنَّسِ "16" وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ "17" وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ "18"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ "19" ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ "20" مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ "21.
أقسم الله تعالى بالنجوم المختفية أنوارها نهارًا، الجارية والمستترة في أبراجها, والليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا ظهر ضياؤه, إن القرآن لَتبليغ رسول كريم- هو جبريل عليه السلام-, ذِي قوة في تنفيذ ما يؤمر به، صاحبِ مكانة رفيعة عند الله، تطيعه الملائكة، مؤتمن على الوحي الذي ينزل به.
" وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ "22" وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ "23" وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ "24" وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ "25.
وما محمد الذي تعرفونه بمجنون, ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة في الأفق العظيم, وما هو ببخيل في تبليغ الوحي. وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم, مطرود من رحمة الله, ولكنه كلام الله ووحيه.

" فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ "26" إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ "27" لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ "28" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "29.
فأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بالقرآن بعد هذه الحجج القاطعة؟ ما هو إلا موعظة من الله لجميع الناس, لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان, وما تشاؤون الاستقامة" ولا تقدرون على ذلك" إلا بمشيئة الله رب الخلائق أجمعين.
تمَّ تفسيرُ سورةِ التكوير
_______ 
سورة الانفطار: من آية 1 إلى19

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ "1وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ "2" وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ "3" وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ "4" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ "5.
إذا السماء انشقت، واختلَّ نظامها، وإذا الكواكب تساقطت, وإذا البحار فجَّر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها, وإذا القبور قُلِبت ببعث مَن كان فيها، حينئذ تعلم كلُّ نفس جميع أعمالها، ما تقدَّم منها، وما تأخر، وجوزيت بها.
" يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ "6" الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ "7" فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ "8.
يا أيها الإنسان المنكر للبعث، ما الذي جعلك تغتَرُّ بربك الجواد كثير الخير الحقيق بالشكر والطاعة, أليس هو الذي خلقك فسوَّى خلقك فعَدَلك, وركَّبك لأداء وظائفك, في أيِّ صورة شاءها خلقك؟
" كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ "9"وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ"10" كِرَامًا كَاتِبِينَ "11" يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ "12. 
ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله مُحِقون، بل تكذِّبون بيوم الحساب والجزاء. وإن عليكم لملائكة رقباء كراما على الله كاتبين لما وُكِّلوا بإحصائه, لا يفوتهم من أعمالكم وأسراركم شيء, يعلمون ما تفعلون من خير أو شر.
" إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ "13.
إن الأتقياء القائمين بحقوق الله وحقوق عباده لفي نعيم.
" وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ "14" يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ "15. وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ "16.
وإن الفُجَّار الذين قَصَّروا في حقوق الله وحقوق عباده لفي جحيم، يصيبهم لهبها يوم الجزاء، وما هم عن عذاب جهنم بغائبين لا بخروج ولا بموت.
" وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ"17" ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ "18" يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا  وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ "19.
وما أدراك ما عظمة يوم الحساب, ثم ما أدراك ما عظمةُ يوم الحساب؟ يوم الحساب لا يقدر أحد على نفع أحد, والأمر في ذلك اليوم لله وحده الذي لا يغلبه غالب, ولا يقهره قاهر, ولا ينازعه أحد.
تمَّ تفسيرُ سورةِ الانفطار
__________
سورة المطففين: من آية 1 إلى 36

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ "1" الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ "2" وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ "3" أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ "4"لِيَوْمٍ عَظِيمٍ "5"يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ "6.
عذابٌ شديد للذين يبخسون المكيال والميزان, الذين إذا اشتروا من الناس مكيلا أو موزونًا يوفون لأنفسهم, وإذا باعوا الناس مكيلا أو موزونًا يُنْقصون في المكيال والميزان, فكيف بحال من يسرقهما ويختلسهما, ويبخس الناس أشياءهم؟ إنه أولى بالوعيد من مطففي المكيال والميزان. ألا يعتقد أولئك المطففون أن الله تعالى باعثهم ومحاسبهم على أعمالهم في يوم عظيم الهول؟ يوم يقوم الناس بين يدي الله, فيحاسبهم على القليل والكثير, وهم فيه خاضعون لله رب العالمين.
" كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ "7" وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ "8" كِتَابٌ مَّرْقُومٌ "9"
حقا إن مصير الفُجَّار ومأواهم لفي ضيق, وما أدراك ما هذا الضيق؟ إنه سجن مقيم وعذاب أليم، وهو ما كتب لهم المصير إليه، مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا يُنقص.
"وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ "10" الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ "11" وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ "12"إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ "13" كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "14" كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ "15" ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ "16" ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ "17.
عذاب شديد يومئذ للمكذبين، الذين يكذبون بوقوع يوم الجزاء, وما يكذِّب به إلا كل ظالم كثير الإثم, إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: هذه أباطيل الأولين. ليس الأمر كما زعموا, بل هو كلام الله ووحيه إلى نبيه, وإنما حجب قلوبهم عن التصديق به ما غشاها من كثرة ما يرتكبون من الذنوب. ليس الأمر كما زعم الكفار, بل إنهم يوم القيامة عن رؤية ربهم- جل وعلا- لمحجوبون، -وفي هذه الآية دلالة على رؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة - ثم إنهم لداخلو النار يقاسون حرها, ثم يقال لهم: هذا الجزاء الذي كنتم به تكذبون.

"كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ "18" وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ "19" كِتَابٌ مَّرْقُومٌ "20" يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ "21.
حقا إن كتاب الأبرار -وهم المتقون- لفي المراتب العالية في الجنة. وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه المراتب العالية؟ كتاب الأبرار مكتوب مفروغ منه, لا يزاد فيه ولا يُنقص، يَطَّلِع عليه المقربون من ملائكة كل سماء.
" إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ "22" عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ "23" تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ "24" يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ "25" خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ "26" وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ "27" عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ "28.
إن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون, على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم, وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم, يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها, آخره رائحة مسك, وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون. وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت ؛ ليشرب منها المقربون, ويتلذذوا بها.
" إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ "29" وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ "30" وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ "31" وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ "32" وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ "33"فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ "34.
إن الذين أجرموا كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين, وإذا مروا بهم يتغامزون سخرية بهم, وإذا رجع الذين أجرموا إلى أهلهم وذويهم تفكهوا معهم بالسخرية من المؤمنين. وإذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, وقد اتبعوا الهدى قالوا: إن هؤلاء لتائهون في اتباعهم محمدًا صلى الله عليه وسلم, وما بُعث هؤلاء المجرمون رقباء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فيوم القيامة يسخر الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه من الكفار, كما سخر الكافرون منهم في الدنيا.
"عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ "35" هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ "36.
على المجالس الفاخرة ينظر المؤمنون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم في الجنة, ومن أعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم. هل جوزي الكفار - إذ فُعل بهم ذلك- جزاءً وفاق ما كانوا يفعلونه في الدنيا من الشرور والآثام؟

تمَّ تفسيرُ سورةِ المطففينَ
سورة الانشقاق: من آية 1 إلى 25
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ "1" وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ "2" وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ "3" وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ "4" وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ "5.
إذا السماء تصدَّعت، وتفطَّرت بالغمام يوم القيامة, وأطاعت أمر ربها فيما أمرها به من الانشقاق، وحُقَّ لها أن تنقاد لأمره. وإذا الأرض بُسطت وَوُسِّعت، ودكت جبالها في ذلك اليوم، وقذفت ما في بطنها من الأموات، وتخلَّتْ عنهم، وانقادت لربها فيما أمرها به، وحُقَّ لها أن تنقاد لأمره.
 يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ "6.
يا أيها الإنسان إنك ساعٍ إلى الله, وعامل أعمالا من خير أو شر, ثم تلاقي الله يوم القيامة، فيجازيك بعملك بفضله أو عدله.
" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ "7" فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "8" وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا "9.
فأما من أعطي صحيفة أعماله بيمينه، وهو مؤمن بربه، فسوف يحاسب حسابًا سهلا ويرجع إلى أهله في الجنة مسرورًا.
" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ "10" فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا "11" وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا "12 إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا "13" إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ "14" بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا "15.
وأمَّا مَن أُعطي صحيفة أعماله من وراء ظهره، وهو الكافر بالله, فسوف يدعو بالهلاك والثبور, ويدخل النار مقاسيًا حرها. إنه كان في أهله في الدنيا مسرورًا مغرورًا، لا يفكر في العواقب, إنه ظنَّ أن لن يرجع إلى خالقه حيا للحساب. بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله, إن ربه كان به بصيرًا عليمًا بحاله من يوم خلقه إلى أن بعثه.
 فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ "16" وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ 17" وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ "18" لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ "19.
أقسم الله تعالى باحمرار الأفق عند الغروب، وبالليل وما جمع من الدواب والحشرات والهوام وغير ذلك، وبالقمر إذا تكامل نوره، لتركبُنَّ- أيها الناس- أطوارا متعددة وأحوالا متباينة: من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى نفخ الروح إلى الموت إلى البعث والنشور. ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير الله, ولو فعل ذلك لأشرك.
" فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "20" وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۩ "21" بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ "22" وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ "23" فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ "24" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ "25.
فأيُّ شيء يمنعهم من الإيمان بالله واليوم الآخر بعد ما وُضِّحت لهم الآيات؟ وما لهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله, ولا يسلِّمُون بما جاء فيه؟ إنما سجية الذين كفروا التكذيب ومخالفة الحق. والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء به القرآن حق, فبشرهم -أيها الرسول- بأن الله- عز وجل- قد أعدَّ لهم عذابًا موجعًا، لكن الذين آمنوا بالله ورسوله وأدُّوا ما فرضه الله عليهم, لهم أجر في الآخرة غير مقطوع ولا منقوص.

تم تفسيرُ سورة الانشقاق
____________
سورة البروج: من آية 1 إلى 22
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ "1" وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ "2" وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ "3" قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ "4" النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ "5إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ "6" وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ "7" وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ "8" الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "9.
أقسم الله تعالى بالسماء ذات المنازل التي تمر بها الشمس والقمر, وبيوم القيامة الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه, وشاهد يشهد، ومشهود يشهد عليه. ويقسم الله- سبحانه- بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير الله, فإن القسم بغير الله شرك. لُعن الذين شَقُّوا في الأرض شقًا عظيمًا؛ لتعذيب المؤمنين، وأوقدوا النار الشديدة ذات الوَقود, إذ هم قعود على الأخدود ملازمون له، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من تنكيل وتعذيب حضورٌ. وما أخذوهم بمثل هذا العقاب الشديد إلا أن كانوا مؤمنين بالله العزيز الذي لا يغالَب، الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه، الذي له ملك السموات والأرض، وهو- سبحانه- على كل شيء شهيد, لا يخفى عليه شيء.
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ "10.
إن الذين حرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار؛ ليصرفوهم عن دين الله, ثم لم يتوبوا, فلهم في الآخرة عذاب جهنم, ولهم العذاب الشديد المحرق.
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ  ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ "11.
إن الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحات،لهم جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، ذلك الفوز العظيم.
" إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ "12" إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ "13" وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ "14" ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ "15فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ "16.
إن انتقام ربك من أعدائه وعذابه لهم لَعظيم شديد، إنه هو يُبدئ الخلق ثم يعيده, وهو الغفور لمن تاب، كثير المودة والمحبة لأوليائه، صاحب العرشِ المجيدُ الذي بلغ المنتهى في الفضل والكرم, فَعَّال لما يريد، لا يمتنع عليه شيء يريده.
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ "17فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ "18" بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ "19وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ "20" بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ "21" فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ "22.
هل بلغك -أيها الرسول- خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائها، فرعون وثمود، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال، لم يعتبر القوم بذلك، بل الذين كفروا في تكذيب متواصل كدأب مَن قبلهم، والله قد أحاط بهم علما وقدرة، لا يخفى عليه منهم ومن أعمالهم شيء. وليس القرآن كما زعم المكذبون المشركون بأنه شعر وسحر، فكذَّبوا به، بل هو قرآن عظيم كريم، في لوح محفوظ، لا يناله تبديل ولا تحريف.
تم تفسيرُ سورة البروج
___________
سورة الطارق: من آية 1 إلى 17

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ "1" وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ "2" النَّجْمُ الثَّاقِبُ "3" إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ "4.
أقسم الله سبحانه بالسماء والنجم الذي يطرق ليلا وما أدراك ما عِظَمُ هذا النجم؟ هو النجم المضيء المتوهِّج. ما كل نفس إلا أوكل بها مَلَك رقيب يحفظ عليها أعمالها لتحاسب عليها يوم القيامة.
" فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ "5" خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ "6" يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ "7" إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ "8.
فلينظر الإنسان المنكر للبعث مِمَّ خُلِقَ؟ ليعلم أن إعادة خلق الإنسان ليست أصعب من خلقه أوّلا خلق من منيٍّ منصبٍّ بسرعة في الرحم, يخرج من بين صلب الرجل وصدر المرأة. إن الذي خلق الإنسان من هذا الماء لَقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت.
" يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ "9" فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ "10.
يوم تُخْتَبر السرائر فيما أخفته، ويُمَيَّز الصالح منها من الفاسد، فما للإنسان من قوة يدفع بها عن نفسه، وما له من ناصر يدفع عنه عذاب الله.
" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ "11" وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ "12" إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ "13" وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ "14.
والسماء ذات المطر المتكرر، والأرض ذات التشقق بما يتخللها من نبات، إن القرآن لقول فصل بَيْنَ الحق والباطل، وما هو بالهزل. ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير الله، وإلا فقد أشرك.
" إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا "15" وَأَكِيدُ كَيْدًا "16" فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا"17.
إن المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم, وللقرآن، يكيدون ويدبرون؛ ليدفعوا بكيدهم الحق ويؤيدوا الباطل، وأكيد كيدًا لإظهار الحق، ولو كره الكافرون، فلا تستعجل لهم -أيها الرسول- بطلب إنزال العقاب بهم، بل أمهلهم وأنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم، وسترى ما يحلُّ بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك.

تم تفسيرُ سورة الطارق