‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرح أُُصُولُ السُّنَّةِ لِلإمَامِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرح أُُصُولُ السُّنَّةِ لِلإمَامِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 أكتوبر 2019

06-شرح أُُصُولُ السُّنَّةِ لِلإمَامِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ

الإيمانُ بما جاءَ في الأحاديثِ الشريفةِ
*المتن:ومَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيْرَ الحَدِيثِ ويَبلُغْهُ عَقْلُهُ؛ فَقَد كُفِيَ ذَلِكَ وأُحْكِمَ لَهُ،فَعَلَيْهِ الإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ.
الشرح: أي من لم يعرف تفسير شيء من هذه الأحاديث ، فقد كفاه الله ذلك بأن لا يبحث عنها- فليس مطلوب منه البحث والتنقيب عن ما قصر عليه عقله ؛ وإنما يجب عليه أن يؤمن وأن يسلم بها ، فلا يجوز للعقل الإنساني أن يتعمق فيها بالبحث لأنه لا يستطيع استيعابها .

*المتن :ومِثلَ مَا كَانَ مِثْلَه في القَدَرِ،وَمِثْلَ أحاديث الرُّؤيةِ كُلِّهَا وإن نَبَتْ عَنِ الأسْمِاعِ واسْتَوحَشَ مِنْهَا المُستَمِعُ،فإنَّمَا عَلَيهِ الإيمَانُ بِهَا ،وَأَنْ لا يَرُدَّ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وغَيرهَا مِنَ الأَحَادِيثِ المَأْثُورَاتِ عن الثِّقَاتِ.
الشرح:

على المسلم أن يُسَلِّم بالأحاديث ويؤمن بها ؛ولا يعترض ولا يسأل عن الأفعال" بلِمَ ، ولَا" وعن الصفات بكيف - مثلما صَدَّقَ بالقَدَرِ ، مثل حديث الصادق المصدوق في القدر هذا؛ يُسَلِّم بأن هذا قَدَره، إن الله تعالى كتب الرزق والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة، فلا تسأل ، فالله حكيم الله عليم بالذوات التي تصلح لغرس الكرامة، فلا تسأل لماذا قدر على هذا الشقاوة، ولماذا قدر على هذا السعادة، ولماذا قدر الفقر على هذا، ولماذا قدر الغنى على هذا، ولماذا كان رزقُهُ هكذا، هذا عامل، وهذا بَنَّاء وهذا تاجر وهذا مُزَارع، ربك حكيم عليم، فلا تعترض على الله بل عليك الإيمان والتسليم.
"ومِثلَ مَا كَانَ مِثْلَه في القَدَرِ" يعني كذلك كل ما كان في القدر فلا تسأل، سلِّم لله؛ ولهذا قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته: فمن سأل لِمَ فَعَلَ فقد رد حكم الكتاب،قال: القدر سر الله في خلقه، لا يُسأل عما يفعل فمن سأل لِمَ فَعَلَ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
"وَمِثْلَ أحاديث الرُّؤيةِ كُلِّهَا وإن نَبَتْ عَنِ الأسْمِاعِ واسْتَوحَشَ مِنْهَا المُستَمِعُ ،فإنَّمَا عَلَيهِ الإيمَانُ بِهَا ،وَأَنْ لا يَرُدَّ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وغَيرِهَا مِنَ الأَحَادِيثِ المَأْثُورَاتِ عن الثِّقَاتِ "
يعني على الإنسان المسلم أن يسلِّم بأحاديث الرؤية؛ والمراد بأحاديث الرؤية يعني
يؤمن بما ورد في أحاديث رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ؛ عرفنا أن من لم يؤمن بالقدر كافر، كذلك من لم يؤمن برؤية الله يوم القيامة فهو كافر؛ كفَّرَه الأئمةُ؛ الإمام أحمد وغيره، قالوا: ومن لم يؤمن بأن اللهَ يُرَى في الآخرةِ فهو كافر.
والمراد الكفر على العموم هذا الحكم على العموم -دون تعيين المعين-. أما فلان بن فلان الذي أنكر الرؤية لا يُكَفَّر إلا إذا قامت عليه الحُجة؛ فالشخص المعين لا يُكَفَّر إلا إذا قامت عليه الحُجَّة؛يعني بَلَغَهُ الدليل - واستتاب من قبل أولي الأمر- ثم عاند يكفر في هذه الحالة.فلابد لتكفير المعين من توافر شروط ، وانتفاء الموانع.
فالمعتقدُ الصحيحُ ما أجمعَ عليه أهلُ الحقِّ واتفقَ عليه أهلُ التوحيد والصِّدْقِ أنّ اللهَ تعالى يراه المؤمنون بأبصارهم كما يرون القمرَ ليلةَ البَدْرِ.
فنصوص الرؤية وردت في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة. ففي الكتاب العزيز: قال الله تعالى"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " سورة القيامة آية رقم:22 - 23 .
"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
"
سورة القيامة ؛ آية رقم:22.أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح.
"
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" أي: تنظر إلى ربها ....فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالًا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم.تفسير الشيخ السعدي رحمه الله .
قال سبحانه"لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ "سورة يونس ؛ آية رقم:26. جاء في صحيح مسلم في حديث صهيب تفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجهه الكريم.
"في قولِه تعالى " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " قالَ : إذا دخلَ أَهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ نادى مُنادٍ : إنَّ لَكُم عندَ اللَّهِ موعِدًا يريدُ أن يُنْجِزَكموهُ ، قالوا : ألَم يبيِّض وُجوهَنا ويُنْجِنا منَ النَّارِ ويدخِلَنا الجنَّةَ ؟ قالَ : فيُكْشفُ الحجابُ قالَ : فواللَّهِ ما أعطاهمُ شيئًا أحبَّ إليهم منَ النَّظرِ إليهِ ." الراوي : صهيب بن سنان - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي- الصفحة أو الرقم: 3105 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر-
وقال سبحانه"كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ سورة المطففين ؛ آية رقم:15. استدل الإمام الشافعي -رحمه الله- بهذه الآية على وجوب رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة- بمفهوم المخالفة ، قال: لما أن حجب هؤلاء في حال السُّخْط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، ولو كان المؤمنون لا يرون ربَّهم لاستووا هم والكفار في الحجب، فلما حجب هؤلاء عن الرؤيا دل على أن المؤمنين يرونه. بمفهوم المخالفة- وأما في الأحاديث الصحيحة: فهي متواترة، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الروح: متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ثلاثين صحابيًا كلها تُثْبِت رؤية المؤمنينَ لربِّهم عز وجل ، منها: حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي «كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: أما إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضَامُّونَ - أوْ لا تُضَاهُونَ - في رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا علَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا ثُمَّ قَالَ" وسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا » طه: 130.الراوي : جرير بن عبدالله - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 573 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر-
شرح الحديث: حَثَّ الشرعُ على شُهودِ الصلواتِ عامَّةً في الجَماعةِ - للرجال، وعلى شُهودِ صَلاةِ العَصرِ والفَجْرِ خاصَّةً؛ وإنَّما خصَّ هاتَينِ الصَّلاتينِ لاجتِماعِ الملائِكةِ فيهِما ولرَفْعِهِم أعمالَ العِبادِ.
وفي هذا الحديثِ يقولُ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ: كنَّا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فنَظرَ إلى القَمرِ ليلةً- يعني البدْرَ- هي ليلةُ الرَّابعَ عَشرَ مِن الشَّهرِ، فقالَ: إنَّكُمْ- أيُّها المؤمِنونَ- ستَرَونَ، يعني ستُبْصِرونَ ربَّكُمْ، كما ترونَ هذا القَمَرَ؛ يعني كما تَرونَ هذا القَمرَ رُؤيةً لا شكَّ فيها ولا تَضامُّون- بفَتْحِ التاءِ والميمِ المُشدَّدة- ومعناه: لا ينضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ في وقتِ النظرِ كما تَفعلونَ في وقتِ النَّظرِ إلى الهلالِ، ويُروَى تُضامُونَ- بضمِّ التَّاء وتخفيفِ الميمِ- في رُؤْيتِهِ، أي: لا يُصيبُكمْ ظُلمٌ في رُؤيتِهِ ولا تَعَبٌ، فلا يَراهُ بعضُكُمْ دُونَ بعْضٍ، بلْ كلُّكُمْ تشتَرِكونَ في الرُّؤيةِ. قال" فإنِ استطعْتُمْ ألَّا تُغلَبوا" بأنْ يكونَ لكُم استِعدادٌ لتَلافِي أسبابِ الغَلَبةِ التي تُنافي الاستطاعةَ من نومٍ أو الاشتِغالِ بالأشْياءِ التي تَمنعُ عنِ الصَّلاةِ، فلا تغْفُلُوا عن صلاةِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وهِيَ الفَجرُ، وقبلَ غُروبِها وهيَ العصر، فافْعلُوا؛ يعني: أن تُصَلُّوا هاتينِ الصَّلاتينِ في هذَيْنِ الوَقْتَينِ، ثمَّ قرأَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم"وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ"ق: 39. الدرر-

قال ابن حجر في فتح الباري:فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم ، والشغل ، ومقاومة ذلك بالاستعداد له .
وقوله "
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِهَا" قال في عون المعبود: يعني الفجر والعصر ، وخص بالمحافظة على هاتين الصلاتين الصبح والعصر لتعاقب* الملائكة في وقتهما ، ولأن صلاة الصبح وقت النوم ، وصلاة العصر وقت الفراغ من الصناعات ، وإتمام الوظائف ، فالقيام فيهما أشق على النفس.
والله أعلم. هنا =
*"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ،....
-وهذا يدل على أن المحافظة على هاتين الصلاتين الفجر والعصر لها مدخل في رؤية الله يوم القيامة.
والمحافظة عليهما من دلائل قوة الإيمان وكمال الإيمان مع بقية الصلوات ، والأعمال الصالحة.
"لَا يَلِجُ النَّارَ مَن صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا"الراوي : عمارة بن رؤيبة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 634 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -
"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وهو أعْلَمُ بهِمْ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 555 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -

*ومن ذلك حديث صهيب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: تُرِيدُونَ شيئًا أزِيدُكُمْ؟ فيَقولونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ، فَما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إليهِم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ. وفي رواية: وزادَ ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ"لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ"يونس: 26.الراوي : صهيب بن سنان - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 181 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر-
فالحُسنى: هي الجَنَّةُ التي أدخلهم الله إيَّاها، والزِّيادة: هي النَّظرُ إلى ربِّهم.
وفي الحديث: بيانُ فَضْلِ الله على المؤمنِينَ بإدخالِهم الجَنَّةَ.
وفيه: إثباتُ نَظرِ المؤمنين إلى اللهِ يومَ القِيامةِ في الجَنَّة. الدرر -
ومن ذلك حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إنَّ في الجَنَّةِ خَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُها سِتُّونَ مِيلًا، في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنْها أهْلٌ ما يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عليهمُ المُؤْمِنُونَ، وجَنَّتانِ مِن فِضَّةٍ، آنِيَتُهُما وما فِيهِما، وجَنَّتانِ مِن كَذا، آنِيَتُهُما وما فِيهِما، وما بيْنَ القَوْمِ وبيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلَّا رِداءُ الكِبْرِ علَى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ.» الراوي : أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 4879 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -
"قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ : الكبرياءُ ردائي ، والعظمةُ إزاري ، فمَن نازعَني واحدًا منهُما ، قذفتُهُ في النَّارِ"الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 4090 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر - الشرح: من صفات الله تعالى: العز والعظمة والكبرياء.
وأما الإزار والرداء : فليسا صفتين، وإنما المراد بذلك : أن الله جل جلاله متصف بالعظمة والكبرياء ، لا ينازعه أحد منهما، كما أن الإزار والرداء يختصان بلابسهما، لا ينازعه فيهما أحد.
وأيضًا فالكبرياء حجاب يمنع من رؤية الله تعالى، كما أن الرداء يمنع من رؤية ما سُتر به.
*سؤال: جاء في الحديث القدسي"العظمة إزاري والكبرياء ردائي" هل يستدل بهذا على إثبات صفة الإزار والرداء؟
الجواب: لا، هذا لا يثبت منه صفه الإزار ولا الرداء - لله، وإنما هذا فيه بيان اختصاص الله عز وجل واتصافه بهما، يعني: مثلما أن الإنسان يستعمل الإزار والرداء - أي:
كما لا يشرك الإنسانَ في ردائه وإزاره أحدٌ ؛ فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق . والله أعلم" انتهى من "معالم السنن" 4/ 196- هنا .
فالله عز وجل موصوف بالكبرياء والعظمة وهما إزاره ورداؤه، لكن لا يقال: إن من صفات الله الإزار أو الرداء، وإنما يقال: العظمة والكبرياء إزاره ورداؤه، وهذا من جنس قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الأنصار
"
الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ" الراوي : عبدالله بن زيد - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4330 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -
معناه: قربهم منه، والتصاقهم به كالتصاق الشعار بالإنسان، والناس الذين وراءهم مثل الثوب، فالمقصود من ذلك التشبيه، وليس المقصود من ذلك أن الله عز وجل له إزار ورداء، وأن من صفاته الإزار والرداء، وإنما اختص الله عز وجل بالعظمة والكبرياء، وأنه اتصف بهما، وأنه لا يشاركه فيهما أحدٌ، فهذا هو الذي يوصف الله تعالى به، ولكن لا يجوز أن يقال: إن الله عز وجل من صفاته الإزار، ومن صفاته الرداء، ويوضح ذلك حديث "الأنصار شعار، والناس دثار" ومعلوم أن الأنصار ليسوا شعارًا، وإنما هذا تشبيه لقربهم منه، والتصاقهم به، كما يحصل من الشعار الملاصق بالجسد، فالأنصار مثل الشعار، وغيرهم كالدثار، وهو الذي وراء الشعار
.فضيلة الشيخ عبد المحسن العبّاد حفظه الله.
وأقوال أهل العلم في وجوب الإيمان والتصديق لرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة أكثر من أن تحصى، ولهذا قال المؤلف رحمه الله"ومِثلَ مَا كَانَ مِثْلَه في القَدَرِ،وَمِثْلَ أحاديث الرُّؤيةِ كُلِّهَا وإن نَبَتْ عَنِ الأسْمِاعِ واسْتَوحَشَ مِنْهَا المُستَمِعُ،فإنَّمَا عَلَيهِ الإيمَانُ بِهَا "
نَبَتْ: أي : نَفَرَتْ .اسْتَوحَشَ : أي لم يستأنس بها .
فيجب علينا أن نؤمن بالأحاديث وإن لم تقبلها أسماع الناس وإن استنكرها واستغربها المستمع . آمِن بالنصوص من الكتاب والسنة لا ترد حرفًا، مَن رَد حرفًا من القرآن كفر، وكذلك السنة.
يعني كل الأحاديث التي أُثرت ورويت عن الثقات الأثبات يجب الإيمان بها.

من الذي يستوحش منها؟ أهل البدع. "وإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفًا واحدًا"

يقول الإمام أحمد:
وَأَنْ لا يَرُدَّ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وغَيرِهَا مِنَ الأَحَادِيثِ المَأْثُورَاتِ عن الثِّقَاتِ.
آمِن بالنصوصِ مِنَ الكتابِ والسنةِ لا ترد حرفًا، مَن رَد حرفًا من القرآن كفر، وكذلك السنة.

يعني كل الأحاديث التي أُثرت ورويت عن الثقات الأثبات يجب الإيمان بها.
والذي يستوحشها أهل البدع: من الجهمية والمعتزلة ،أنكروا رؤية الله يوم القيامة مع أن الآيات صريحة والنصوص واضحة، وأولوها وقالوا: المراد بالرؤية العلم؛ يقول المعتزلة "
إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا" إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون هذا القمر أنه قمر، لا تشكون في العلم به، تعلمون ربكم كما تعلمون أن هذا القمر قمر، كيف يفسر بهذا؟!! X

فالرؤية عندهم معناها العلم، مثل" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ " يعني ألم تعلم.
والحق أن العلمَ زائلٌ عن جميعِ الناسِ يومَ القيامةِ، حتى الكفرة الذين ينكرون وجود الله يؤمنون يوم القيامة، ولكن بعد فوات الأوان .
فالأحاديث صريحة «
إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ »
هذا عِلْم ولا رُؤية بصر؟
رؤية بصر،ومع ذلك أنكرها المعتزلة أنكروا رؤية الله وأنكروا علوه، أنكروا كونه فوق السماوات وفوق العرش، وأهل السنة آمنوا بعلو الله وأن الله فوق العرش، وآمنوا برؤية الله يوم القيامة.
والأشاعرة مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. الأشاعرة أرادوا الجمع بين رؤية الله وبين نفي الصفات عن الله فوقعوا في تناقضٍ ظاهرٍ .
قال شيخ الإسلام: حتى إن أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين؛ كأبي حامد الغَزَالِي، وابن الخطيب ؛وغيرهما لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم ،وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع المعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به .بيان تلبيس الجهمية :2|435.
ملتقى أهل الحديث.

دائمًا الأشاعرة تجدهم وسط بين المعتزلة وبين أهل السنة؛ هم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة، أرادوا أن يكونوا مع أهل السنة في الرؤية، ومع المعتزلة في إنكار العلو، فصاروا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فأثبتوا رؤية الله يوم القيامة؛ أثبتها الأشاعرة كما أثبتها أهل السنة، لكن أنكروا علو الله، أنكروا أن يكون الله فوق العرش، أين يُرى ربنا ؟ قالوا: يُرى لا في جهة، أين يرى من فوق؟ قالوا: لا. من تحت؟ لا. أمام؟ لا. خلف؟ لا، يمين؟ لا، شمال؟ لا. أين يُرى؟ يقولون: يرى لا في جهة، فأنكر عليهم أهل السنة وبدَّعوهم لقول الأشاعرة: إن الرؤية تكون بلا مقابلة، قالوا: ما يمكن أن تكون الرؤية إلا بمقابلة من المرئي، فالمرئي لا بد أن يكون مقابلًا للرائي مواجهًا له مباينًا له، أما رؤية بدون جهة، بدون مقابلة، ما يمكن؛فنفوا الجهة وهذا يلزم نفي الرؤية بزعمهم .
مع ملاحظة الآتي:
لفظ " الجهة " من الألفاظ المجملة ، فمن قصد بها إثبات جهة العلو لله تعالى ، فهو إطلاق صحيح ، ومن قصد بها حصر الله تعالى في جهة ، بحيث إنه يحيط به شيء من مخلوقاته : فإطلاقه الجهة على الله بهذا المعنى باطل ..موقع الإسلام سؤال وجواب .
قال الشيخ الفوزان في تعليقه على الطّحاوية "وأهل السنة يقولون: يُرى سبحانه وتعالى وهو في جهة العلو من فوقهم، فالجهة إن أريد بها الجهة المخلوقة فالله ليس في جهة؛ لأنه ليس بحال في خلقه سبحانه وتعالى.
وإن أريد بها العلو فوق المخلوقات فهذا ثابت لله عز وجل، فالله في العلو فوق السماوات، فالجهة لم يرد إثباتها أو نفيها في كتاب الله، ولكن يقال فيها على التفصيل السابق.ملتقى أهل الحديث -

ولهذا سمى بعض أهل العلم
- منكري العلو - خناثى كالخنثى لا أنثى ولا ذكر ليسوا من أهل السنة، وليسوا من المعتزلة، أرادوا أن يكونوا مع المعتزلة في إنكار العلو، وأرادوا أن يكونوا مع أهل السنة في الرؤية فعجزوا عن ذلك، فلجئوا إلى حجج سوفسطائية وهي التي مموهة وهي التي تشبه الحجة وليست حجة.

*وخلاصة القول: في هذه المسألة أن رؤية الله تعالى تعتبر عند السلف أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة لا يماري فيها أحد منهم-موسوعة الفرق-
فائدة:
أبو الحسن الأشعري كان له مراحل ثلاث في العقيدة:
المرحلة الأولى: مرحلة الاعتزال: اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عامًا يقرره ويناظر عليه، ثم رجع عنه وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم
"مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيميه ص72 جـ4..
المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسنة المحضة سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاب"مجموع الفتاوى" ص556 جـ5.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه ص471 من المجلد السادس عشر من مجموع الفتاوى، لابن قاسم :
"والأشعري وأمثاله
برزخ بين السلف والجهمية أخذوا من هؤلاء كلامًا صحيحًا ومن هؤلاء أصولًا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة". أهـ.
المرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث مقتديًا بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كما قرره في كتابه: "الإبانة عن أصول الديانة" وهو من أواخر كتبه أو آخرها.
قال في مقدمته"جاءنا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، جمع فيه علم الأولين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبله المتين، من تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى وفي الجهل تردى، وحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال عز وجل"وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا"الحشر: 7.. إلى أن قال: فأمَرَهُم بطاعة رسوله كما أمَرَهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما
أمَرَهم بالعمل بكتابه، فنبذ كثير ممن غلبت شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان، سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، وعدلوا إلى أسلاف لهم قلدوهم بدينهم ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضوها وأنكروها وجحدوها افتراءً منهم على الله "قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ "الأنعام: 140.
ثم ذكر - رحمه الله - أصولًا من أصول المبتدِعَة، وأشار إلى بطلانِها ثم قال "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والجهمية، والحرورية، والرافضة والمرجئة فعرفونا قولَكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟
قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا - عز وجل - وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل قائلون، ولمن خالف قولَه مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل" ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يده من الحق وذِكر ثبوت الصفات، ومسائل في القدر، والشفاعة، وبعض السمعيات، وقرر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية.
والمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له إرادة وكذاك السمع والبصر
على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها
.
ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه ما قيل في شأن الأشعرية ص359 من المجلد السادس من مجموع الفتاوى لابن قاسم
قال:
"ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب"الإبانة" الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة.
وقال قبل ذلك في ص310: وأما الأشعرية فعكس هؤلاء وقولهم يستلزم التعطيل، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وكلامه معنى واحد، ومعنى آية الكرسي وآية الدين، والتوراة، والإنجيل واحد، وهذا معلوم الفساد بالضرورة". ا.هـ.
القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ العثيمين رحمه الله.

04-شرح أُُصُولُ السُّنَّةِ لِلإمَامِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ

"وَالْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ اَلأهْوَاءِ"
يقصد:و
تَرْك الْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ اَلأهْوَاءِ
اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع" ،خلاف مقصود الشرع ؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه ؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا". المعاصي، والبدع، كلها منشأها من تقديم الهوى على الشرع . قال تعالى"فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى"النازعات: 37ـ 39 .
"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"
النازعات: 4039 . إن فساد الدين يقع بالاعتقاد بالباطل، أو بالعمل بخلاف الحق "فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصى الرب، ودُخلت النار، وحلت العقوبات" ولذلك ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا على سبيل الذم ، وأمر بمخالفته، وبين أن العبد إن لم يتبع الحق والهدى، اتبع هواه.هنا =
اَلأهْوَاءِ :جمع هوى ومراد الأئمة بهذا : مخالفة مدلول النصوص ،فمن ترك دلالة النص جعلوه من أهل الأهواء.
جاءت النصوص بالنهي عن اتباع الهوى قال تعالى" وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" ص: 26. والنَّاس في هذا على نوعين :
النوع الأول : متبع هواه وهذا على ضلالة وخطأ.
النوع الثاني: من اتخذ إلهه هواه فهذا ليس كمثل الأول لأن الأول اتبع الهوى في مسألة ونحوها بينما هذا جعل الهوى إلها يطيعه ويمتثل أمره ويقدمه على أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً
فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "الجاثية :23.
.هنا=

وترك
الْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ اَلأهْوَاءِ »من عقيدة أهل السنة والجماعة« لأن مجالسة أصحاب الأهواء تؤدي إلى الزيغ في الغالب.
وكثير من الناس يغترون بما عندهم من معرفة، وبما عندهم من الذكاء، فيخالطون أهل البدع ويعاشرونهم فيكلهم الله إلى أنفسهم، فيقعون في الضلال، هذا شيء ملموس، وأشار إلى هذا الإمام ابن بطة رحمه الله، قال:
عرفنا أناسًا كانوا يسبون ويلعنون أهل البدع، فجالسوهم وعاشروهم فأصبحوا منهم.
وهذا ملموس في كل زمان ومكان، وقد اغتر بعض الناس بأنفسهم من كبار الناس فوقعوا في هوة البدع مع الأسف الشديد، ولا نريد أن نسمي؛ هم معروفون عند طلاب العلم.
شرح أصول السنة للإمام أحمد رحمه الله.
قال تعالى "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
"28 : الكهف .
*قال الإمام أحمد :
وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اَللَّهِ ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ اَلْقُرْآنَ، وَهِيَ دَلائِلُ اَلْقُرْآنِ،وَلَيْسَ فِي اَلسُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا اَلْأَمْثَالُ، وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلا اَلأهْوَاءِ، إِنَّمَا هُوَ اَلاتِّبَاعُ وَتَرْكُ اَلْهَوَى.
الشرح:
يقول المؤلف -رحمه الله- وهو الإمام أحمد:وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم. والآثَارُ: هي أقواله وأفعاله وتقريراته، ما أثر عنه عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير، هذه هي السنة - الصحيحة .
أولًا: السنة القولية: هي الأحاديث التي نطق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع المناسبات والأغراض، وقد سمعها الصحابة رضوان الله عليهم، ونقلوها عنه، وهي تشكل السواد الأعظم من السنة، مثل حديث "إنما الأعمال بالنيات"رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وحديث "
سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ" رواه البخاري ومسلم.
ثانيًا: السنة الفعلية: وهي الأفعال والتصرفات التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم بها في دائرة العمل والتشريع، ونقلها الصحابة رضوان الله عليهم لنا بالوصف الدقيق في مختلف شؤون حياته، سواء أكان الوصف والنقل بطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" .
الراوي : مالك بن الحويرث - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الأدب المفرد-الصفحة أو الرقم: 156 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -


وقوله "خُذُوا عني مناسكَكُم" الراوي : جابر بن عبدالله - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 1297 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر - أم بدون طلبه كوصف الصحابة له بما كان يفعله في الحرب، والقضاء بشاهد ويمين، والشراء والبيع، وغير ذلك، ويعبرون عنه بقولهم: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل كذا، أو يعمل كذا، أو فعل كذا، وعمل كذا" المستصفى: 1 ص 131..بتصرف يسير.
"كان صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا صلى طأطأَ رأسَه ، ورمى ببصرِه نحو الأرضِ"المحدث : الألباني - المصدر : صفة الصلاة-الصفحة أو الرقم: 89 - خلاصة حكم المحدث : صحيح وله شواهد= الدرر=
"قَضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بالدِّيةِ على العاقِلَةِ"الراوي : المغيرة بن شعبة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه- الصفحة أو الرقم: 2146 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر-
"الدِّيةِ"، وهي ما يُدْفَعُ من مالٍ لأهلِ مَن قُتِلَ خطأً أو شبه عمد، "على العاقلةِ، والعاقلةُ: هم أقارِبُ الإنسانِ وأهلُه وعصَبتُه من جِهَةِ الأبِ، وتكون الدِّيةُ على العاقلةِ في القتْلِ الخطأِ وشِبْهِ العمْدِ فقط، أمَّا دِيةُ العمْدِ فإنَّها تجِبُ في مالِ القاتلِ، ولا تتحمَّلُها العاقِلةُ.الدرر - *عن عمرو بن دينار عن ابن عباس " أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَضَى بيَمِينٍ وَشَاهِدٍ." الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 1712 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر -
أي: أنَّه قضَى لِلمدَّعي بِيمينِه معَ شاهِدٍ واحدٍ، كأنَّه أقامَ الْيمينَ مَقامَ شَاهِدٍ آخَرَ فَصارَ كَالشَّاهدَيْنِ، والأصلُ أنْ يُقْضَى لِلمدِّعي بِشهادةِ شاهدَيْنِ رَجُلينِ أو رجلٍ وامرأتينِ؛ لِقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ"البقرة: 282؛ . -الدرر -
ثالثًا: السنة التقريرية: هي ما أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما صدر عن الصحابة من أقوال وأفعال، بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه ورضاه، فيكون إقراره وموافقته على القول أو الفعل كأنه صادر عنه، مثل إقراره لمن تيمم من الصحابة للصلاة لعدم وجود الماء ثم وجده بعد الصلاة، ولم يعد صلاته، وإقراره لعليٍّ في بعض أقضيته، وإقراره لمن أكل لحم حمار الوحش والضَّب، واستحسانه لقول معاذ في كيفية القضاء. كتاب الوجيز في أصول الفقه الإسلامي
"احتَلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوةِ ذاتِ السُّلاسلِ فأشفَقتُ إنِ اغتَسَلتُ أن أَهْلِكَ فتيمَّمتُ، ثمَّ صلَّيتُ بأصحابي الصُّبحَ فذَكَروا ذلِكَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا عَمرو صلَّيتَ بأصحابِكَ وأنتَ جنُبٌ ؟ فأخبرتُهُ بالَّذي مَنعَني منَ الاغتِسالِ وقُلتُ إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يقولُ" وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ولم يَقُلْ شيئًا" الراوي : عمرو بن العاص - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 334 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

"عزمتُ عليكُم أن لا تصلُّوا العصرَ حتَّى تأتوا بَني قُرَيْظة فغربتِ الشَّمسُ قبلَ أن يأتوهُم فقالَت طائفةٌ منَ المسلمينَ : إنَّ رسولَ اللَّهِ ، لم يُرِدْ أن تدَعوا الصَّلاةَ فصلُّوا ،وقالَت طائفةٌ : واللَّهِ إنَّا لَفي عَزيمةِ رسولِ اللَّهِ وما علَينا مِن إثمْ، فصلَّت طائفةٌ إيمانًا واحتِسابًا ،وترَكَت طائفةٌ إيمانًا واحتسابًا ولم يعنِّفِ رسولُ اللَّهِ واحدًا منَ الفَريقينِ ."الراوي : عبيدالله بن كعب و عائشة - المحدث : الألباني - المصدر : فقه السيرة -الصفحة أو الرقم: 310 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

قال الإمام أحمد :وَالسُّنَّةُ-يقول- عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم.وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ اَلْقُرْآنَ، وَهِيَ دَلائِلُ اَلْقُرْآنِ:
السُّنَّةُ تُفَسِّرُ اَلْقُرْآنَ وتوضحه، فإذا كان الدليل من القرآن مجمل فالسنة تفصل هذا المجمل، وإذا كان مبهم فالسنة توضحه، وإذا كان عام فالسنة تخصصه؛ فالسنة لها مع القرآن ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تأتي السنة بأحكام تماثل الأحكام التي جاءت في القرآن. فهذا من باب تناصر الأدلة وتضافرها.
فمثلًا: أوجب الله في القرآن الصلاة ،جاء في القرآن وجوب الصلاة، وجاء في السنة وجوب الصلاة. جاء في القرآن وجوب الزكاة، وجاء في السنة وجوب الزكاة، جاء في القرآن وجوب الصيام؛ صيام رمضان، وجاء في السنة وجوب صيام رمضان، جاء في القرآن وجوب الحج، وجاء في السنة وجوب الحج:
في
الكتاب: قال عز وجل "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ" البقرة:43.
السنة: قال -صلى الله عليه وسلم «
بنيَ الإسلامُ علَى خمسٍ شهادةِ أن لا إلَه إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ»الراوي : عبدالله بن عمر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 2609 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -
جاء في الكتاب بر الوالدين، وجاء في السنة بر الوالدين،
قال تعالى"
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا" الأحقاف : 15.
"أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ الصلاةُ لوقتِها ، ثم بِرُّ الوالدَينِ ، ثم الجهادُ في سبيل اللهِ "الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم: 164 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

جاء في الكتاب صلة الأرحام، وجاء في السنة صلة الأرحام:
قال تعالى "
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى " النساء :36.
قال صلى الله عليه وسلم" أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ ، و أطْعِمُوا الطَّعامَ ، وصِلُوا الأرحامَ ، و صلُّوا باللَّيلِ و النَّاسُ نيامٌ ، تدخُلوا الجنَّةَ بسَلامٍ "الراوي : عبدالله بن سلام - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب-الصفحة أو الرقم: 616 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -
هذا من باب تضافر الأدلة وتناصرها، فأتت السنة بأحكام مثل الأحكام التي أتت في القرآن.

الحالة الثانية: أن يأتي القرآن بأحكام مجملة، أو أحكام مطلقة، أو أحكام عامة فتأتي السنة بأحكام تبين المجمل، وبأحكام تقيد المطلق، وبأحكام تخصص العام، فتكون السنة مخصصة للعمومات التي جاءت في القرآن ، أو يأتي الحكم في القرآن مجمل فتأتي السنة وتبينه، أو يأتي الحكم في القرآن مطلق، فتأتي السنة فتقيده. قال تعالى "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا"المائدة من الآية:38.، فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد، فبينتِ السنة القولية الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله صلى الله عليه وسلم «لا تُقطعُ اليدُ إلَّا في ربعِ دينارٍ فصاعدًا»الراوي : عائشة أم المؤمنين - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه- الصفحة أو الرقم: 2114 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر - -كما بينتِ الآخَرَ بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف في كتب الحديث.
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : قال الشافِعِيُّ وأبو حنيفة ومالك والجماهير " تُقْطَعُ اليد من الرسغ ، وهو المِفْصَلُ بين الكَفِّ والذِّرَاع ، قال القرطبي : قال الكَافَّة " تقطع اليد من الرُسْغِ. هنا -
وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: "فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
"النساء من الآية:43، المائدة من الآية:6. بأنها الكف أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم "
سأَلتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ عن التَّيمُّمِ ؟ فأمرَني ضَربةً واحدةً ، للوَجهِ والكفَّيْنِ"الراوي : عمار بن ياسر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 327 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -
= هنا بتصرف =
قوله تعالى" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ "المائدة: 3.
وضحَّت السُّنة وبيَّنت أنَّ ثمَّة ميتة حلالًا؛ كميتة الجراد والحوت، ودمًا حلالًا؛ كالكبد والطحال، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم"أُحِلَّتْ لنا مَيْتتانِ ودمانِ الميْتتانِ : الحوتُ والجرادُ، والدمانِ : الكبدُ والطِّحالُ ."الراوي : عبدالله بن عمر - المحدث : الألباني- المصدر : تخريج مشكاة -المصابيح -الصفحة أو الرقم: 4061 - خلاصة حكم المحدث : جيد - الدرر -

النوع الثالث: أن تأتي السنة بأحكام جديدة ليست في القرآن فيجب العمل بها، مثل: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، هذا حكم ليس في القرآن، لا يجوز للرجل أن يتزوج المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم«لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا » البخاري : النكاح :5109 , ومسلم : النكاح :1408 .الدرر السنية -
جاء في السنة تحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، هذا ليس في القرآن فيجب العمل به.

أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ نَهَى عن كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ." الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم: 1934 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر السنية -


جاء في السنة العقل الديات: قَضى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بالدِّيةِ على العاقِلَةِ" الراوي : المغيرة بن شعبة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه -الصفحة أو الرقم: 2146 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -
«ولا يُقْتَل مسلمٌ بكافرٍ » البخاري : العلم :111. وهكذا؛ ولهذا قال الإمام -رحمه الله- والسنة تفسر القرآن وَهِيَ دَلائِلُ اَلْقُرْآنِ؛ يعني تدل عليه. "وَلَيْسَ فِي اَلسُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا اَلْأَمْثَالُ، وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلا اَلأهْوَاءِ، إِنَّمَا هُوَ اَلاتِّبَاعُ وَتَرْكُ اَلْهَوَى. "
ليس في السنة قياس تقيس شيء على شيء. أما القياس الشرعي القياس الذي مستند إلى النصوص فهذا ليس من الأقيسة العقلية، المراد هنا ما يسمى بالقياس العقلي، أما القياس الشرعي كأن تقيس مثلًا: جاء الشرع بتحريم الربا مثلًا في البُّر، فيأتي الفقيه ويقيس عليه الأرز، فيقول الأرز كالبُّرِ في جوانب الربا في كل منهما بجامع الطعم، أو بجامع الادخار أو بجامع الكيل والوزن، هذا قياس شرعي، لكن "
وَلَيْسَ فِي اَلسُّنَّةِ قِيَاسٌ" يعني قياس عقلي، السنة ليس فيها قياس، لا يقاس فيها بالعقول.
"وَلَا تُضْرَبُ لَهَا اَلْأَمْثَالُ"
قال أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، إمام أهل السنة والجماعة في عصره قال: واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، بل هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال: لِمَ ولَا كَيْف"ا.هـ.
لا تضرب لها الأمثال كردٍّ عليها أو انتقاد لما ثبت بالسُّنَّة.
أي: لا تُعَارِضْ أحاديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأمثالِ العقلية الفاسدة المُعارَضةِ المَدْفوعةِ بالنَّظرِ.
- أنَّ أبا هُرَيْرةَ ، قالَ لِرَجلٍ: يا ابنَ أخي ، إذا حدَّثتُكَ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حديثًا ، فلا تَضرِبْ لَهُ الأمثالَ"الراوي : عبدالرحمن بن عوف - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه-الصفحة أو الرقم: 20 - خلاصة حكم المحدث : حسن=الدرر=
الشرح: المُسلِمُ الحقُّ يُقْبِلُ على أوامِرِ اللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويتعامَلُ معها بالقَبولِ والرِّضا وعدَمِ الاعتراضِ، مع التَّسليمِ والانقيادِ للهِ ورسولِه، وفي هذا الأثَرِ يُخْبِرُ التَّابعيُّ أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ أبا هُريرةَ قال لرجُلٍ "يا ابْنَ أخي، إذا حدَّثْتُك عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حديثًا، فلا تضْرِبْ له الأمثالَ". وفي روايةٍ أخرى: أنَّ أبا هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "توضَّؤوا ممَّا غيَّرَتِ النَّارُ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: أتوضَّأُ مِن الحميمِ؟! فقال له: يا ابنَ أخي، إذا سمِعْتَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حديثًا، فلا تضرِبْ له الأمثالَ"! أي: توضَّؤوا للصَّلاةِ ونحوِها؛ لأجْلِ أكْلِ طعامٍ غيَّرَتْه النَّارُ، وإلَّا فلا وُضوءَ عند أكْلِه، فقال ابنُ عبَّاسٍ: "أتوضَّأُ مِن الحَميمِ؟"، أي: الماءِ الحارِّ، أي: ينْبَغي على مُقْتَضى هذا الحديثِ: أنَّ الإنسانَ إذا توضَّأَ بالماءِ الحارِّ يتوضَّأُ ثانيًا بالماءِ البارِدِ؛ فرَدَّ عليه أبو هُريرةَ بأنَّ الحديثَ لا يُعَارَضُ بمثْلِ هذه المُعارَضةِ المَدْفوعةِ بالنَّظرِ فيما أُرِيدَ بالحديثِ؛ فإنَّ المُرادَ: أنَّ أكْلَ ما غيَّرَتِ النَّارُ يُوجِبُ الوُضوءَ، لا ممَّن مسَّتْه الأعضاءُ.
وإنَّما قال أبو هُريرةَ له "يا ابْنَ أخي"؛ لأنَّه صغيرٌ في السِّنِّ بالنِّسبةِ له، "إذا حدَّثْتُك عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حديثًا، فلا تضْرِبْ له الأمثالَ"، أي: لا تُعَارِضْ أحاديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأمثالِ، وأنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ التَّعامُلُ مع أخبارِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بأدَبٍ ولُطْفٍ، ولو كانتْ مَنْسوخةً؛ فيُرْوَى النَّاسِخُ والمَنسوخُ، مع الاتِّباعِ الحَسَنِ للهْدِي النَّبويِّ، وتفنيدِ الأدلَّةِ، ومعرفةِ أحكامِها وتاريخِها، وغيرِ ذلك، وإنَّما يُعَارَضُ حديثُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إمَّا بالقُرآنِ، أو بأحاديثَ ناسِخةٍ، وهو ما أراد إظهارَه ابنُ عبَّاسٍ لأبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنهم، وليس اعتراضُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما اعتراضًا بالرأي المجرَّدِ؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ لعلَّ عِندَه حديثَ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما، قال «كان آخِرَ الأمرينِ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ترْكُ الوُضوءِ ممَّا غيَّرَتِ النَّارُ». =الدرر=
فالأمر بالوضوء مما مست النار ينزل منزلة الاستحباب، لورود الأدلة على جواز ترك الوضوء مما مست الناركما سبق بيانه، وهذا القول رواية في مذهب الإمام أحمد واختاره الخطابي .انظر: فتح الباري" 1/ 407، ومال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني .انظر: نيل الأوطار ، والشيخ ابن باز في تعليقه على بلوغ المرام ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية " وكذلك الوضوء مما مست النار مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه. الألوكة =
وقد قال تعالى" فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". النحل : 74 .
وهو رد على المشركين الذين يقيسون الرب -تعالى- بآلهتهم كما في قولهم "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" الزمر : 3. وقولهم "هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ" يونس : 18 .
فهكذا لا تُضرب الأمثال لسُنَّة النبي-صلى الله عليه وسلم.
وكقول المشركين" أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا" ص: 8 .
أي: ما الذي فضله علينا، حتى ينزل الذكر عليه من دوننا، ويخصه اللّه به؟ وهذه أيضا شبهة، أين البرهان فيها على رد ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلا بهذا الوصف، يَمُنُّ اللّه عليهم برسالته، ويأمرهم بدعوة الخلق إلى اللّه، ولهذا، لما كانت هذه الأقوال الصادرة منهم لا يصلح شيء منها لرد ما جاء به الرسول، أخبر تعالى من أين صدرت، وأنهم " فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي " ليس عندهم علم ولا بينة.تفسير السعدي .
وكقوله" لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" الزخرف : 31 .
قالوا معترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس ،هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين ؟ يعنون مكة والطائف .تفسير ابن كثير .
فعلينا أن نصدق هذا النبي ونعمل بالسُّنّة التي ثبتت عنه ولا نردها ولا نسلط عليها التأويلات والتقديرات.
و كحديث النزول: "إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أوْ ثُلُثاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فيَقولُ: هلْ مِن سائِلٍ يُعْطَى؟ هلْ مِن داعٍ يُسْتَجابُ له؟ هلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ له؟ حتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ."الراوي : أبو هريرة - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 758 - خلاصة حكم المحدث : صحيح. كحديث النزول كالذين قالوا: إما أن يخلو منه العرش وإما أن لا يخلو، وأحاديث الرؤية بأن يقال: إن الرؤية تستلزم كذا وكذا ونحو ذلك.
وأما كونها لا تُدرك بالعقول والأهواء، فالمراد أن عقول البشر قاصرة عن إدراك كيفية الأمور الغيبية، وكذا معرفة الحِكَم والمصالح التي شُرعت لأجلها الأحكام، فإن هناك من اعترض على بعض الفرائض والمحرمات وأوردوا شبهات في التشكيك في شرعيتها كالحكمة في الطواف بالبيت وتقبيل الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجِمار، والحكمة في تحريم الربا وهي تحصل مع التراضي، وكذا الزنا برضى الطرفين، وشرب الخمر الذي هو لذيذ تطرب له النفس ونحو ذلك.
ولقد تكلم العلماء -رحمهم الله تعالى- بما فتح الله عليهم فبيَّنوا الحِكم والمصالح في أمور الشريعة، وإن كانوا قد توقفوا في بعضها مع اعتقادهم أنها عين المصلحة، وقالوا: لا قدرة لنا على إدراك الأمور الغيبية كعذاب القبر ونعيمه وصفة الروح واتصالها بصاحبها في الدنيا وفي البرزخ، وكذا كيفية البعث والحشر وما بعده، فليس علينا سوى القبول والاتّباع وترك الهوى وترك الاعتراض عليها بمجرد الظن والنظر وذلك غاية الرضى والتسليم، والله أعلم= هنا -.
"وَلَا تُضْرَبُ لَهَا اَلْأَمْثَالُ، وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلا اَلأهْوَاءِ، إِنَّمَا هُوَ اَلاتِّبَاعُ وَتَرْكُ اَلْهَوَى. ". جاء عن الأوزاعي -رحمه الله- أنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك بالقول" هذا رواه الآجري في الشريعة بإسناد صحيح كما قال المحقق..
لا يقال: لم ولا كيف؛ فالكلام والخصومات والجدال والمراء في الدين محدث؛ لأنه يقدح الشك في القلب؛ لأنه يقدح في القلب؛ فلهذا ينبغي ترك الخصومات والجدال؛ فالسنة ليس فيها قياس عقلي، وليس فيها جدال، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هو الاتباع -اتباع الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة - وترك الهوى -ما يهواه الإنسان ويميل إليه وما يوافق عقله وهواه ومما يبتدع في دين الله.
.هنا =