تفسيرُ سورةِ عَبَسَ
سُورةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ، ونَقَل الإجماعَ على ذلكَ غيرُ واحدٍ مِنَ المفَسِّرينَ.
مِن أهمِّ الموضوعاتِ الَّتي اشتَمَلَتْ عليها السُّورةُ:
عِتابُ اللهِ تعالى لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عتابًا رقيقًا، على ما حَدَث منه مع ابنِ أمِّ مَكتومٍ الأَعمى.
الثَّناءُ على القُرآنِ، وأنَّه ذِكْرى ومَوعِظةٌ لِمَن عَقَل وتدبَّرَ.
إقامةُ الأدِلَّةِ على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، بذِكرِ أصلِ نَشأةِ الإنسانِ، ونِعَمِ اللهِ عليه، وتَيسيرِ أسبابِ حَياتِه.
التَّذكيرُ بأهوالِ يومِ القيامةِ، وأحوالِ النَّاسِ فيه.
اُفتِتَحَتِ السورةُ بإرشادِ النبيَّ صلَى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى ما يجبُ عليهِ نحوَ ضعفاءِ المسلمينَ، وبإرساءِ القاعدةِ التي يجبُ علَى المسلمينَ أن يَتَّبِعُوهَا عندَ معاملتِهم للناسِ، والثناءُ على المؤمنينَ الصادقينَ مهمَا كانَ عجزُهُم وضَعفُهُمْ والتحذيرُ مِنْ إهمالِ شَأنِهِم.
"عَبَسَ وَتَوَلَّى"1."أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى "2..
أي: قَطَّبَ وَجْهَه، وقَبَضَ ما بيْنَ عينَيه، والعُبُوسُ: تَقطُّبُ الوَجهِ عندَ كراهيةِ أمرٍ.
افتَتَح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بمُعاتَبةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِتابًا رقيقًا، فقال: قَطَّبَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَجْهَه ، وقَبَضَ ما بيْنَ عينَيه، والعُبُوسُ: تَقطُّبُ الوَجهِ عندَ كراهيةِ أمرٍ، وأعرَضَ؛ بسَبَبِ مَجيءِ الرَّجُلِ الأعمى إليه، وهو مَشغولٌ بدَعوةِ رَجُلٍ مِن أشرافِ قُرَيشٍ.جاءَ الخطابُ على صيغةِ الغيبةِ تلطّفًا في عِتابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ.والتَّولِّي إذا وُصِلَ بـ عن لفظًا، أو تقديرًا -كما هنا- اقتضَى معنَى الإعراضِ، وتَركِ القُربِ.
"جاءَ ابنُ أمِّ مَكْتومٍ وَهوَ يُكَلِّمُ أبيَّ بنَ خلَفٍ فأعرضَ عنهُ فأنزلَ اللَّهُ "عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى" فَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بعدَ ذلِكَ يُكْرمُهُ ".الراوي أنس بن مالك-المحدِّث الوادعي-المصدر صحيح أسباب النزول-الجزء/الصفحة267.
قال الآلوسى: وعبدُ اللهِ بن أم مكتوم، هو ابنُ خال السيدة خديجة، واسمُهُ عمرو بن قيس. وأمُّ مكتوم كُنية أمهِ، واسمُهَا عاتكة بنت عبد الله المخزومية، واستخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة أكثر من مرة ... وهو من المهاجرين الأولين. قيل: مات بالقادسية شهيدًا يوم فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب- رضى الله عنه .ا.هـ.
قوله- تعالى-: الْأَعْمَى للعهدِ. والمقصودُ بهذا الوصفِ: التعريفُ وليسَ التنقيص منْ قَدْرِ عبدِ اللهِ بن أم مكتوم- رضىَ اللهُ عنهُ- وكذلكَ في هذا الوصفِ إيماء إلى أنَّ لَهُ عذرًا فِي مقاطعةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ عندَ حديثهِ معَ زعماءِ قريشٍ، فهوَ لمْ يَكُنْ يرَاهُ وهوَ يحادثُهُم ويدعُوهُم إلى الإسلامِ.
"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى "3" أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى "4.
أي: وما يُدْرِيك -يا مُحمَّدُ- لعَلَّ هذا الأعمى -الَّذي عَبَسْتَ وأعرَضْتَ عنه- يتَزكَّى أي يتطهرُ مِنَ الذنوبِ بالعملِ الصالحِ بما يتعَلَّمُه مِنَ القُرآنِ مِنْكَ؛ فيَتطَهَّرَ مِن ذُنوبِه.
أو لعَلَّه يَتذَكَّرُ ما غَفَل عنه؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما يَسمَعُ مِنَ القُرآنِ - وَلَوْ بعدَ حينٍ .
"أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى "5"وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى "7" وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى "8" وَهُوَ يَخْشَى "9" فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى "10.
أي: أمَّا الَّذي استَغْنَى عنِ الإيمانِ والقُرآنِ بِمَا لَهُ مِنَ المالِ والجاهِ.
وهذه فائدةٌ كبيرةٌ، هي المقصودةُ مِنْ بَعثةِ الرسلِ، ووعظِ الوعاظِ، وتذكيرِ المُذَكِّرِينَ، فإقبالك على مَنْ جاءَ بنفسهِ مفتقرًا لذلِكَ مِنكَ ، هو الأليق الواجب، وأما تصديكَ وتعرضك للغنِّي المستغنِي الذي لا يَسأل ولا يستفتِي لعدمِ رغبتهِ في الخيرِ، مع تَركِكَ مَنْ هو أهم مِنهُ، فإنه لا ينبغِي لكَ، فإنَّهُ ليسَ عليكَ أنْ لا يزَّكَّى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر.
فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة " وأنه ينبغي الإقبال على طالبِ العلمِ، المفتقرِ إليهِ، الحريصِ عليهِ أكثر من غيرِهِ.
"كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ "11.فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ "12" فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ "13" مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ "14"بِأَيْدِي سَفَرَةٍ "15" كِرَامٍ بَرَرَةٍ ".16
أي هذه السورة أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم موعظة وتذكِرة لمن أرادَ أن يتذكرَ.
وقال قتادة والسدي"كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ" يعني القرآن.فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ:أي: فمَن شاء مِن النَّاسِ ذَكَر هذا القُرآنَ، فاتَّعَظَ واعتَبَرَ وعَمِلَ بما فيه.
ثمَّ ذكرَ محلَّ هذه التذكرةِ وعظمِها ورفع قدرها، فقالَ:
فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ: وهذا القُرآنُ الكريمُ مَكتوبٌ في صُحُفٍ مُكَرَّمةٍ عِندَ اللهِ تعالى،فهي صُحُفٌ عاليةٌ، رفيعةُ المكانةِ والقَدْرِ، مُطَهَّرةٌ مِن كُلِّ دَنَسٍ وعَيبٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ : أي: وهذه الصُّحُفُ المكتوبُ فيها القُرآنُ هي بأيدِي طائِفةٍ مِنَ الملائِكةِ - وهمُ الملائكةُ الكرامُ الكاتبونَ- الذينَ هُمُ السفراءُ بينَ اللهِ وبينَ عبادِهِ.
قال ابنُ عَبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، والضَّحَّاكُ، وابنُ زَيدٍ: هي المَلائِكةُ... وقال ابنُ جريرٍ: الصَّحيحُ أنَّ السَّفَرةَ المَلائِكةُ، والسَّفَرةُ يعني بين اللهِ وبين خَلْقِه... وقال البخاريُّ: سَفَرة: المَلائِكةُ...
وقَولُه: كِرَامٍ بَرَرَةٍ أي:كثيرِي الخيرِ والبركةِ والطَّاعةِ والإحسانِ؛ مُكَرَّمِينَ ومُعَظَّمِينَ عِنْدَهُ .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبي: السَّفَرةُ: جمعُ سافرٍ، وهم مَلائِكةُ الوَحيِ، سُمُّوا بذلك لأنهم يَسفِرون بين اللهِ وبين خَلْقِه. وقيل: هم الكَتَبةُ، والكاتِبُ يُسَمَّى سافِرًا، ومنه أسفارُ الكِتابِ. وعلى هذا فيكونُ وَجهُ كَونِهم مع المَلائِكةِ أنَّ حَملةَ القُرآنِ يُبَلِّغون كلامَ اللهِ إلى خَلْقِه، فهم سُفَراءُ بين رُسُلِ اللهِ وبين خَلْقِه، فهم معهم، أي: في مرتبتِهم في هذه العبادةِ.الموسوعة العقدية بالدرر السنية.بتصرف.
لَمَّا نَبَّه اللهُ تعالَى على عُلُوِّ القُرآنِ المكتوبِ، وجَلالةِ مِقدارِه، وعَظَمةِ آثارِه، وظُهورِ ذلك لِمَن تدَبَّرَه وتأمَّلَه حَقَّ تأمُّلِه؛ عَقَّبَه بقَولِه ناعيًا على مَن لم يُقبِلْ بكُلِّيَّتِه عليه، داعيًا بأعظَمِ شدائدِ الدُّنيا -الَّتي هي القَتلُ- في صيغةِ الخَبَرِ؛ لأنَّه أبلَغُ. فقال:
"قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ"17.
قُتِلَ: أي لُعِنَ . وقِيل : عُذِّبَ مَن أنكرَ البعث والنشور من بني آدم
وفي قوله "أكْفَرَهُ " تعجبٌ من إفراطِهِ في كفرانِ نعمةِ اللهِ،وإحسانِ اللهِ إليهِ.
"مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ"18."مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ "19.
أي مِنْ أيِّ شيء خَلَقَ اللهُ هذا الكافر حتي يتكبر ويتعظم عنْ طاعةِ ربِّهِ، والإقرارِ بتوحيدِهِ.؟! أي اعجبوا لخلقه .
خَلَق اللهُ الإنسانَ مِن ماءٍ قَليلٍ مَهِينٍ -وهو المَنيُّ- فقدَّره في بَطْنِ أُمِّه أحوالًا وأطوارًا في الخَلْقِ؛ نُطفةً، ثمَّ عَلَقةً، ثمَّ مُضْغةً، إلى أنْ تَمَّ خَلْقُه، وهَيَّأه لِما يَصلُحُ له، ويَليقُ به مِنَ الأعضاءِ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ والأشكالِ.
قالَ سبحانَهُ وتعالَى" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" المؤمنون: 12 - 14.
عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: حَدَّثَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ، قال"إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطْنِ أُمِّه أربعينَ يَومًا، ثمَّ يكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضغةً مِثْلَ ذلك، ثمَّ يَبعَثُ اللهُ مَلَكًا، فيُؤمَرُ بأَربَعِ كَلِماتٍ، ويُقالُ له: اكتُبْ عَمَلَه، ورِزْقَه، وأجَلَه، وشَقِيٌّ أو سَعيدٌ، ثمَّ يُنفَخُ فيه الرُّوحُ." صحيح البخاري.
" ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ "20.
أي: ثمَّ سهَّل اللهُ للإنسانِ طَريقَ الخُروجِ مِن بَطْنِ أُمِّه، وطريقَ الخَيرِ والشَّرِّ .فبعدَ أنْ خلقَهُ في أحسنِ تقويمٍ، ومنحَهُ العقلَ الذي يتمكن معه مِنَ التفكيرِ السليمِ؛ يَسرَ- سبحانَهُ- لَهُ طريقَ النظرِ القويمِ، الذي يُمَيِّزُ بِهِ بينَ الحقِّ والباطلِ، والخيرِ والشرِّ، والهدَى والضلالِ.وقالَ مجاهدُ: هذه الآية كقولِهِ: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا .
"ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ "21.
أي: ثمَّ قَبَض اللهُ رُوحَ الإنسانِ عِندَ انقِضاءِ أجَلِه، وجَعَل له قَبْرًا يُوارَى فيه بَدَنُه؛ إكرامًا له،ولم يتركْهُ مطروحًا على وجهِ الأرضِ، بحيثُ يَستقذرُهُ الناسُ، ويكونُ عرضةً لاعتداءِ الطيورِ والحيواناتِ عليهِ.
"ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ "22.
ثُمَّ بعدَ أنْ خلقَ اللهُ هذَا الخلقَ البديعَ، وهداهُ النجدَيْنِ، وأمرَ بسترِ جسدِهِ في القبرِ بعدَ موتِهِ ، بعدَ كلِّ ذلكَ إذَا شاءَ اللهُ بَعَثَ الإنسانَ بعْدَ مَوتِهِ، وأحيَاهُ يومَ القيامةِ؛ لِيُجازِيَهُ على أعمَالِهِ.. يقال: أنْشرَ اللهُ- تعالى- الموتَى ونشرَهُم، إذا بعثَهُم مِنْ قبورِهِم.
وقالَ- سبحانَهُ- إِذَا شَاءَ للإشعارِ بأنَّ هذَا البعثَ إنما هوُ بإرادتِهِ ومشيئتِهِ، وفِي الوقتِ الذِي يختارُهُ ويُريدُهُ سبحانَهُ، مهمَا تَعَجَّلَهُ المُتَعَجِّلُونَ.
"كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ "23.
"كَلَّا " ردٌع للإنسانِ عنْ تَكَبرِهِ وترفعِهِ، أو عنْ كُفرِهِ وإصرارِهِ علَى إنكارِ التوحيدِ، وعلى إنكارِهِ البعثِ والحشرِ والنشرِ
أي: كَلَّا إنَّ هذَا الإنسانَ الجاحدَ المغرورَ لم يقضِ ولم يؤدِّ ما أمرَهُ اللهُ- تعالَى- بِهِ مِنْ تكاليفٍ ومِنْ شُكرٍ لخالقِهِ، ومِنْ تأملٍ في آياتِهِ، ومِنْ طاعةٍ لرسلِهِ ... بلِ استمرَّ في طغيانِهِ وعنادِهِ.
ثم ساقتِ الآياتُ بعدَ ذلكَ ألوانًا مِنْ نِعَمِهِ- تعالى- على خلقِهِ فقالَ:
" فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ "24" أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا "25" ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا "26" فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا "27" وَعِنَبًا وَقَضْبًا "28" وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا "29" وَحَدَائِقَ غُلْبًا "30" وَفَاكِهَةً وَأَبًّا "31" مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ "32.
" فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ "أي: فلْيَنظُرِ الإنسانُ إلى طَعامِه مُتَفَكِّرًا في كيفيَّةِ خَلْقِه، وتيسيرِ أسبابِ حُصولِه .
كما قال تعالى"أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ "الواقعة: 63 - 67.
"أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا " أي: أنَّا أنزَلْنا ماءَ المطَرِ مِنَ السَّحابِ إنزالًا كَثيرًا ؛لحاجتِكُم الشديدةِ إليه فِي حياتِكُم.
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا :
ثُمَّ شققنَا الأرضَ بالنباتِ شقًا بديعًا حكيمًا، بحيثُ تخرجُ النباتاتُ مِنْ باطنِهَا خروجًا يبهجُ النفوسَ، وتقرُّ بهِ العيونُ.
فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا :فأنبَتْنا في الأرضِ حبًا كثيرًا؛ تقتاتونَ مِنْهُ، وتدخرونَهُ لحينَ حاجتكم إليه، والحبُّ: كالقَمحِ، والشَّعيرِ، والذُّرَةِ، والأَرُزِّ، وغَيرِ ذلك.
وَعِنَبًا وَقَضْبًا:أي: وأنبَتْنا فيها العِنَبَ، وأنبَتْنا فيها قَضْبًا وهو كلُّ مَا يُؤكَل مِنَ النباتِ رَطبًا، كالقثاءِ والخيارِ ونحوِهِمَا، وقِيلَ: هو العلفُ الرطبُ الذِي تأكلُهُ الدَّوَابُّ، وَسُميَ قَضْبا، لأنَّهُ يُقضبُ- أي يُقْطَعُ- بعدَ ظهورِهِ مرة بعدَ أخرَى.
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا : أي: وأنبَتْنا في الأرضِ الزَّيتونَ، وأشجارَ النَّخيلِ، وهما شجرتانِ معروفتانِ بمنافعِهُمَا الجمَّةِ، وبثمارِهِمَا المُفِيدَةِ.
وَحَدَائِقَ غُلْبًا : أي: وأنبَتْنا في الأرضِ بَساتينَ ذاتَ أشجارٍ غَليظةٍ عَظيمةٍ. والحدائقُ جمعُ حديقةٍ وهي البستانُ المليءُ بالزروعِ والثمارِ.
وغُلْبًا ؛جمعُ غلباء:بمعنى عِظامًا يُقَالُ شجرةٌ غُلْبَاءُ، وهَضَبَةٌ غُلْبَاءُ. أي: عظيمة مرتفعة. ويُقالُ: حديقةٌ غلباءُ، إذا كانت عظيمةَ الشجرِ.
أي: وأنبتنا في الأرضِ حدائقَ عَظِيمةً، ذاتَ أشجارٍ ضخمةٍ، قدِ التفَّ بعضُهَا على بعضٍ لكثرتِهَا وقوتِهَا.
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا:أي: وأنبَتْنا في الأرضِ أنواعَ الفَواكِهِ الَّتي يأكُلُها النَّاسُ؛ مِن ثِمارِ الأشجارِ، وأنبَتْنا فيها العُشْبَ والكَلَأَ مِمَّا تأكُلُه الأنعامُ.قالَ ابنُ عباس والحسن : الأَبّ : كلُّ ما أنبتتِ الأرضُ ، مما لا يأكله الناسُ .
ما يأكله الآدميونَ هوَ الحصيدُ.
مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ : والمتاعُ: ما يُنتفَعُ به زمنًا ثمَّ يَنقطِعُ.أي: أنبَتَ اللهُ ذلكَ كُلَّه؛ مَنفَعةً لكمْ -أيُّها النَّاسُ- ولأنعامِكم مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، تتمَتَّعونَ بها في الحياةِ الدُّنيا .كما قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ"البقرة: 36.
فمنْ نظرَ في هذه النِّعَمِ أَوجبَ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَ ربِّهِ، وبَذْلَ الجهدَ في الإنابةِ إليهِ، والإقبالِ على طاعتِهِ، والتصديقِ بأخبارِهِ.
"فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ "33.
الصَّاخَّةُ:الصَّيحةُ الشَّديدةُ الَّتي تَصُخُّ الآذانَ، أي: تُصِمُّها مِن شِدَّتِها، وأصلُ الصخِّ: الطعنُ والصكُّ، فالصاخَّةُ: الصاكَّةُ لشِدَّةِ صوتِها للآذانِ، والمرادُ بها هنا: النَّفخةُ الثَّانيةُ، وهي اسمٌ مِن أسماءِ القيامةِ.يختمُ اللهُ تعالَى هذه السُّورةَ الكريمةَ بالحديثِ عن أحوالِ النَّاسِ يومَ القيامةِ، فيقولُ: فإذا جاءتِ القيامةُ بصَيْحَتِها العَظيمةِ الَّتي تُصِمُّ الآذانَ؛ مِن شِدَّةِ صَوتِها.والفاء في قوله- سبحانه- فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ للدَِّلَالةِ على ترتيبِ ما بعدَها على ما قَبْلَهَا.
""يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ "34" وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ "35" وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ "36" لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ "37.
وما سبقَ واقِعٌ يومَ يَهرُبُ كُلُّ إنسانٍ مِن أخيه، وأُمِّه وأبيه، وزَوجتِه وأبنائِه؛ أ لكُلِّ واحدٍ مِن أولئك الأقرِباءِ يومَ القيامةِ أَمْرٌ عظيمٌ يُهِمُّه ويَكفيه، فيَشغَلُه عن النَّظَرِ في أمْرِ غَيْرِه. لَمَّا ذَكَر حالَ يومِ القيامةِ في الهَولِ، بَيَّن أنَّ المكَلَّفينَ فيه على قِسمَينِ: منهم السُّعَداءُ، ومنهم الأشقياءُ؛ فوَصَف السُّعَداءَ بقَولِه تعالى:
"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ "38" ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ "39.
أي: وُجوهُ المُؤمِنينَ في ذلك اليَومِ مُضِيئةٌ مُشرِقةٌ ، وهم الذين قد رضى الله عنهم، يقال: أسفر وجه فلان: إذا حَسُن، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، وكلّ مضيء فهو مُسفر، أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، من ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم،تَضحَكُ سُرورًا، وتَفرَحُ مُستَبشِرةً .كما قال تعالى"فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا "الإنسان: 11.
وجوهٌ ضاحكةٌ مِنَ السرورِ متهللةٌ فرحًا وعليها أثر النعيم بما أعطاها اللهُ مِنَ النعيمِ والكرامةِ "مُسْتَبْشِرَةٌ" لما ترجو من الزيادة .