الاثنين، 31 مايو 2021

09- فهرس شرح القواعد الفقهية

 

01-شرح القواعد الفقهية 

 

02- شرح القواعد الفقهية 

 

03-شرح القواعد الفقهية 

 

04- شرح القواعد الفقهية 

 

05- شرح القواعد الفقهية 

 

06- شرح القواعد الفقهية 

 

07- شرح القواعد الفقهية 

 

08- شرح القواعد الفقهية 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

08- شرح القواعد الفقهية

 


44 ـ وَمَنْ يُؤَدِّ عَنْ أَخِيهِ وَاجِبًا ** لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ نَوَى يُطالِبَا

المقصود من كلام الناظم ـ رحمه الله ـ : أن المؤدِّي لواجب مالي في ذمة مكَلَّف ـ وبرأت بهذا الأداء ذمة المكلَّف ـ ، يجوز له ـ أي المؤدِّي ـ أن يرجع إلى الشخص المؤَدَّى عنه ، ليأخذ المال الذي أدَّى به عنه ، ولذلك شرط ؛ وهو نيته أن يطالبه بذلك عند الأداء عنه ، أما إذا نوى عدم المطالبة واتُّفِقَ على ذلك ؛ فلا يجوز له مطالبته ، وأجره على الله .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 120 .


هذه القاعدة معقودة لمن يؤدي عن غيره واجبًا من الواجبات مما تصح النيابة فيه ، أما الذي لا تصح النيابة فيه كالصلاة مثلاً ،فهذه لا تدخل في هذه القاعدة أصلاً وأما ما تصح النيابة فيه فهذا لا يخلوا من أمرين :
الأول : ما يشترط له النية: أي يشترط مع النيابة نية صاحب الواجب الأصلي .ـ لإبراء الذمة ـ ، كالزكاوات والكفارات ونحوها فهذه ليس له أن يؤدي عن غيره إلا بإذنه ، لأن هذا الأداء لا يبرئ عنه لاحتياجه لنيته ولو أداها عنه بلا إذنه فإنه لا يحق له الرجوع إليه .

- ومما يدخل في هذا القسم : الحج عن الغير ، فإذا كان الإنسان عاجزًا عن الحج ، فلا يجوز أن تحج عنه إذا لم يأذن لك طالما عقله معه .شرح منظومة ... / سعد بن ناصر الشثري -
الثاني : ما لا يشترط له النية ـ لإبراء الذمة ـ مثل ديون الآدميين من القرض ، وأثمان السلع ، والنفقات ، ... . منظومة القواعد ... / شرح : خالد بن إبراهيم الصقعبي / ص : 103 .
فمن أدى عن غيره واجبًا - مما لايُشترط فيه نية المؤدَى عنه- فله ثلاث حالات :
الأولى : أن ينوي الرجوع ـ إلى المؤدَّى عنه ـ .
الثانية : أن ينوي التبرع .
الثالثة : ألاَّ ينوي شيئًا ، أي أدى الواجب عن غيره بقطع النظر عن كونه يريد الرجوع أو لا .
س : فيرجع في حال واحدة ، متى ؟ ! .
ج : إذا نوى الرجوع ـ إلى المؤدَّى عنه ـ رجع إليه وطالبه بما أداه عنه ، ويلزم المؤدَّى عنه السداد .
فأما إذا لم ينو الرجوع فإنه لا يرجع ، وكذلك إذا لم يكن في قلبه نية الرجوع ولا عدمه ، فإنه لا يرجع ، أي لا يحق له الرجوع .
س : ما هو الوقت المعتبر للنية ؟ !
والوقت المعتبـر للنية هو وقت الأداء ، فإن نوى التبرُّع عند ـ الوقت المعتبر للنية ـ ثم نوى المطالبة بعده ، فلا يستحق شيئًا ، لأن الساقط لا يعود .
منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

* وهذه المسائل في : الديون التي لا تحتاج إلى نية المدين لتبرأ ذمته منها .
ويدخل تحت هذا جميع ديون الآدميين ، من : القرض ، وأثمان السلع ، والنفقات الواجبة للزوجات ؛ والمماليك ؛ والأقارب ، ويدخل في هذا قضاءُ الضامن والكفيل ما على المضمون عنه والمكفول له ، ولو لم يأذن في الضمان ولا في الكفالة ، ولا الأداء .
فلو أن إنسانًا عليه دَين خمسون ألفًا فأديتها عنه ـ والنية الرجوع إلى المؤدَّى عنه عند استطاعته ـ ، ثم بعد مدة قلت يا فلان وسع الله عليك أعطني ما أديت عنك ، يقول : لا أنا ما قلت لك ـ أدي عني ـ فهذا ليس له حق ولا يُقبل اعتراضه وعليه الأداء .
وأما إن نوى بالسداد عنه المدين الهبة ، فإنه لا يحق له الرجوع . ... أما إذا نوى التبرع ، أو لم ينو شيئًا لم يرجع ، لأنه ـ أي : المدين ـ لم يوكله ، ولم يأذن له ، وأجره على الله .
منظومة ... / تحقيق : د . مصطفى كرامة مخدوم

* فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " العائدُ في هِبتِهِ كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " .
فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ج : 5 / 51 ـ كتاب : الهبة / 14 ـ باب : هبة الرجل لامرأته والمراة لزوجها / حديث رقم : 3589 / ص : 256 .

* أما الديون التي تحتاج إلى نية لتبرأ نية المدين منها ، كالزكاة والكفارة والنذر وغيرها فمن أداها عن غيره دون إذن وتوكيل ، لم يرجع إلى من أداها عنه ، لأن الأداء لا يفيد ولا يبرئ ذمة من أدى عنه ، لأنه يحتاج إلى نية المدين ، وهو القصد المقترِن فَدَفْع الزكاة يحتاج إلى نية من المزكي ، لذا إذا أداها عنه غيره فإنها لا تصح .

القواعد والأصول الجامعة و ... / ص : 148 .
ورسالة القواعد الفقهية ... / ص : 47 .
ومما استدل به على أن من أدى عن غيره ، واجبًا ـ دون إذنه ـ ، يرجع إليه ببدله :
وهذا هو الصحيح ، ولهذا قال الشيخ : إِنْ نَوَى يُطالِبَا: يعني إذا نوى المطالبة ولم ينوِ الهبة . ألف يطالبا ليست للمثنى ولكنها لضبط وزن البيت
================

45 ـ والوَازِعُ الطَّبْعِي عَنِ العِصْيَانِ** كَالوَازِعِ الشَّرْعِي بِلاَ نُكْرَانِ


قوله : الوَازِعُ : اسم فاعل من : وَزَعَ يَزَعُ وزوعًا ، وهو بمعنى الردع . والوازع عن الشيء هو الموجب لتركه . وقيل : الوازع هو المانع وزنًا ومعنىً . نقول وزعتُه عن الأمرِ ، أي : منعتُهُ وكفَفْتُه عنه ، ومنه قوله تعالى"وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ".
سورة النمل / آية : 17 .

يُوزَعُونَ : أي : يُمْنَعون ويُحْبَسُ أوَّلُهم على آخرهم .
وقيل : يساقون ويُرَد أولهم إلى آخرهم ليسيروا في نظام . أيسر التفاسير ... / ص : 905 .

ويُقال في الأمثال : لابد للسلطان من وَزَعةٍ ؛ أي رجال يمنعون شر الناس عنه .
قوله الطَّبْعِي : المنسوب إلى الطبع ، وهو الجِبلّةُ التي خُلِقَ الإنسانُ عليها ، ويقال لها : الطبيعة ، والغريزة والفطرة .
وقوله:عَنِ العِصْيَانِ : العصيان الخروج عن الطاعة ، وأصله أن يتمنع بعصاه ، كما قال الراغب .

قوله :بِلاَ نُكْرَانِ : يعني بلا فارق .

منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

منظومة القواعد ... / شرح : خالد بن إبراهيم الصقعبي .

ـ والمقصود من كلام الناظم :
أن الوازع ، والرادع الطبعي عن العصيان ، أي الذي في طبيعة البشر وفطرهم ، كالوازع ، والرادع الشرعي عن العصيان بلا فارق ، والوازع عن المعاصي والمحرمات نوعان :

الأول : وازع طبعي ، وهو ما جعلـه الناس في طبائع الناس من روادع تردعهم عن بعض المحرمات والمناهي ، كأكـل ذوات السموم والنجاسات ، ... . - فالطبع يردع عن فعل ذلك ، كيف ذلك ؟ لأنه لم تجر العادة باشتهائه ، فهل من طبع النفس أنها تشتهي أكل النجاسات ... ، أم من طبعها النفرة منه ؟ النفوس تنفر منه في العادة .
أما لو وُجد شخص من طبعه أكل النجاسات أو شربها ، هذا شاذ لا يُقاس عليه ، هذا إما لسفاهة في عقله أو لخلل أو لسبب من الأسباب . لذا لم يُرَتَّب على اقتراف المناهي والمحرمات التي فيها وازع طبعي لم يرتَّب عليها حدود وعقوبات دنيوية من كفارات ونحوها . وإنما فيه التعزير كسائر المعاصي التي لم يرتب عليها عقوبة ـ دنيوية ـ
شرح منظومة القواعد ... / د . مصطفى كرامة مخدوم
شرح منظومة القواعد ... / خالد بن إبراهيم الصقعبي .

ـ الثاني : وازع شرعي ، وهي مطلق العقوبات الشرعية ، كالكفارات والحدود ، وغالبًا أن الوازع الشرعي يُستعمَل فيما تتوق إليه الأنفس من المناهي والمحرمات ، لما يصاحبها من شهوة ولذة .مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 121 .منظومة القواعد ... / شرح : عبيد عبد الله الجابري .

يُستفاد من هذه القاعدة في شيئين :
الشيء الأول : الترجيح بين الأقوال إذا وقع الخلاف في فعل ، هل ترتب عليه العقوبة أو لا تُرتب ؟ .
ننظر هل في جبلة الإنسان ما يردعه عن هذا الفعل أو لا ، فإن كان في جبلة الإنسان ما يردعه عن ذلك الفعل ، فإننا نقول : لعل الأرجح إذا لم نجد مرجحًا آخر ، عدم إيقاع
العقوبة عليه ، إذا كان في وازع الإنسان الجِبِلّي ما يردعه عن ذلك الفعل .

الشيء الثاني : تفيدنا في مسائل القياس ، إذا جاءنا فعل من الأفعال فيه وازع جِبِلِّي ، وليس فيه وازع شرعي ، فإننا لا نثبت العقوبة قياسًا على بقية مسائل الشرع ، وما فعل فيه المكلَّف فعلاً لا يوجد وازع جِبلي عنه ، فإننا نوقع فيه العقوبة التقديرية ؛ إلحاقًا لهذه المسألة ببقية مسائل الشرع .

مثال ذلك :
مثلاً لو جاءنا إنسان وجنى جناية في الشبكة الآلية : بأن يكون تكلم بالغيبة في غيره ، أو تسبب في تعطيل أجهزة غيره ، فمثل هذا الفعل أذية ، ولا يوجد في الشرع نص على عقوبة فاعل هذا الفعل .
وهل هناك في الجبلة ما يمنع هذا الفعل ؟ نقول : ليس هناك وازع جبلي يمنع منه ويردعه عنه ، فتلحق العقوبة التعذيرية بفاعل هذا الفعل مما يردعه وأمثاله عن مثل هذا الفعل ، ويختلف باختلاف الأحوال ، يتنوع الفعل وتتنوع الأذية الحاصلة منه ، فلكل تعذير يناسبه .
منظومة القواعد ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري / ص : 146 . 
 
46 ـ وَالحَمّدُ للهِ عَلَى التَّمامِ** فِي البِدْءِ وَالخِتَامِ والدَّوامِ

47 ـ ثُمَّ الصَّلاةُ مَعْ سَلاَمٍ شَائِعِ** عَلَى النَّبيِّ وَصَحْبِهِ وَالَّتابِعِ
الحَمّدُ للهِ : الثناء على الله .
عَلَى التَّمامِ: على التوفيق لإتمام هذا النظم .
فِي البِدْءِ : أي في بدء النظم حيث حمد الله في بداية النظم بقوله :
" الحمدُ للهِ العليّ الأَرفقِ ... " .
وَالخِتَامِ : أي وفي ختام النظم ، حيث حمد الله في ختامه بهذا البيت " وَالحَمّدُ للهِ عَلَى التَّمامِ** فِي البِدْءِ وَالخِتَامِ والدَّوامِ " .
والدَّوامِ : أي الحمد لله على سبيل الدوام أي الاستمرار .
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعْ سَلاَمٍ شَائِعِ : أي هذا الحمد مصحوبًا بالصلاة والسلام على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
الصلاة أتت بمعنى الدعاء في القرآن والسنة :
قال تعالى " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " . سورة التوبة / آية : 103 .
( 1 ) وَصَلِّ عَلَيْهِمْ : أي ادعُ لهم . تفسير السعدي للآية / ص : 366 .
* وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
" إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليُجب ، فـإن كان صائمًا فليُصل " ، يعني الدعاء .
سنن الترمذي / تحقيق الشيخ الألباني / 6 ـ كتاب : الصوم ... / 64 ـ باب :ما جاء في إجابة الصائم الدعوة / حديث رقم : 780 / ص : 192 / صحيح .
شَائِعِ : أي ذائع الصيت مذكور في كل زمان ومكان .
وَصَحْبِهِ وَالَّتابِعِ : ثم ثنى بذلك على الصحب ، والتابعين لسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل زمان ومكان منذ بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قيام الساعة ، نسأل الله تعالى أن نكون منهم .
والمعنى : أن الناظم يحمد الله الذي وفقه لإتمام هذا النظم ، وهو يحمده في البدء ، وفي الختام ، بل على الدوام ، فهو يحمد الله على كل حال ، وهذا هو شأن الشاكر لله تعالى المثني عليه ، فهو دائم التعلق بالله عز وجل ، لأن استدامة الحمد من أسباب الزيادة لفضل الله وكرمه .
والحمد لله في باب النعم مطوب في كل نعمة ، فكيف والله تعالى مَنَّ على عبده هذا بطلب العلم فهي أعظم النعم ، لما يترتب على طلب العلم من مصالح دنيوية وأخروية ، والحمد يعظم حينما تكون النعمة نعمة العلم لأنها من أعظم النعم وأشرفها وما نال الإنسان نعمة بعد الإيمان بأفضل منها .
ثم ختم الناظم ـ رحمه الله ـ هذه المنظومة بالصلاة والسلام الشائع الذائع في كل مكان وزمان على النبي صلى الله عليه وعلى صحبه والتابعين لسنته في كل زمان ومكان منذ بعثته إلى قيام الساعة .
منظومة القواعد ... / شرح : خالد الصقعبي .

منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
 
خاتمة
ونحمد الله ثانيًا على الانتهاء من تجميع شروح هذه المنظومة من بطون كتب أفاضل العلماء ، ونسأل المولى عز وجل أن ينفع بها وأن يكتب لها القبول في الدنيا والآخرة لكل من أعان على إخراجها ، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وألا يجعل للخلق منها شيئًا .
رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا ، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه الأبرار وسلم تسليمًا كثيرًا .
هذه شروح اخترتها من كُتْبِ أهل العلم اقتبستها

جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه والبر

* * * * *

تذييل

أنواع دلالات اللفظ الاقتضاء والإشارة والمفهوم
هناك دلالة للفظ من حيث وضْعُه ، أي ما وضعته العرب ليدل على معنى معين ، سواء أكان في دلالته مجملاً أو مبيّنًا ، خاصًّا أو عامًّا ، مطلقًا أو مقيّدًا ، أمرًا أو نهيًا ، إلى غير ذلك .
فالدلالة فيه هي دلالة اللفظ على ما في - داخله - أو كما يسميه بعض الأصوليين - دلالة العبارة - أو - دلالة المنطوق - .
ـ وبحثُنا في هذا المقام منصبٌّ على دلالة اللفظ على أمر خارج عنه .
وهذا القسم ثلاثة أنواع . ونعقد لكل منها مبحثًا .
المبحث الأول :دلالة الاقتضاء:
دلالة الاقتضاء أن يكون الكلام المذكور لا يصحُّ ضرورةً إلا بتقدير محذوف ، فذلك المحذوف هو :المقتضى . ومثاله :
قول الله تعالى " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ" .سورة المائدة / آية : 3 .
فمن المعلوم أن التحريم لا يتعلق بالأعيان ، وإنما يتعلق بالأفعال ذات الصلة بالأعيان .
فالتقدير : حُرّمَ عليكم أكل الميتة " فـ الأكل الذي لم يذكر ، دلّ عليه اللفظ المذكور بدلالة الاقتضاء . وهكذا كل تحريمٍ منصبٍّ في اللفظ على ذات ، والمقتضى يقدَّر في كل مقامٍ بحسبه .
ومن أمثلة الاقتضاء :
قوله تعالى " وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " .سورة البقرة / آية : 185 .
أي : مَن كان مريضًا أو على سفرٍ فأفطرَ ، فعليه صيام عدة ما أفطره من أيَّامٍ أُخَر ، لأنه إن صامَ في سفره أو مرضه فلا قضاء عليه . وقد ورَد أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ كان يصوم في رمضان في السفر أحيانًا .
ومثله حديث " لا صيام لمن لم يؤرِّضْهُ * من الليل "
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / 7ـ كتاب : الصيام / 26 ـ باب : ما جاء في فرض الصوم من الليل ... / حديث رقم : 1700 / ص : 297 / صحيح .

* يؤرِّضه : من أرَّضَهُ ، إذا قدره وحزمه ؛ ـ لم يؤرضه ـ أي لم يَنْوِه بالليل . كذا في الأصل : " يؤرضه " ، وفي جميع الطبعات" يفرضه " .حاشية سنن ابن ماجه / ص : 297 .
فلو صامَ دون أن ينوي ، فصورة الصيام موجودة لا يصح نفيها ، فالنفي إذن منصبٌّ على جهة معينةٍ هي : الصحة الشرعية، أي : لا صيام " صحيح " لمن لم يبيته بالليل ، فالصحة ، وإن لم تذكر في اللفظ ، مدلول عليها بدلالة الاقتضاء .الواضح في أصول الفقه ... / ص : 229 .

==============

المبحث الثاني دلالة الإشارة:
قد يُفْهَم من الكلام أمر خارج لم يقصده المتكلم ، ولا سيق الكلام لأجله ، ولكن يتبعُ مقصود الكلام . فتسمى تلك الدلالة : إشارة، أي يقال : إن في الكلام إشارة إلى هذا المعنى التابع .
ومثاله :قوله تعالى في المعتدة الرجعية "وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ " . سورة البقرة / آية : 228 .
أي حُرِّم على المطلقات كتمان ما خلق في أرحامهن من حيض أو حمل الذي يتبين به انقضاء العدة . ويستدل من الآية على أن " المرأة مصدقة إذا أخبرت أن الحيض وُجد أو لم يوجد ، ويعمل بقولها في ذلك إذا أمكن " ، فهذا المدلول لم تصرح به الآية ، ولا سيق الكلام لأجل بيانه ، إذ الكلام إنما سيق لتحريم الكتمان لا غير ، وهذا أمر آخر
ومثال الإشارة أيضًا :
الاستدلال على أن أقل مدة للحمل ستة أشهر من آية :
"وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ".سورة البقرة / آية : 233 .
وآية " وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا " . سورة الأحقاف / آية : 15 .
فإن أيًّا مِن هاتين الآيتين لم يُسَقْ لبيان أقل مدة للحمل ، بل الأُولى مسوقةٌ لبيان أطول مُدة للرضاعة ، والثانية لبيان مدة مجموع الحمل والرضاعة ، أما أقل مدة للحمل ؛ فَتُفْهَم من مجموعهما 1 ، وإنْ كان الكلام فيهما غير مسوق لأجل بيانها .
1 فالآية الأولى لبيان أطول مدة للرضاعة 24 شهرًا - حولين كاملين- . والآية الثانية لبيان مدة الحمل والرضاعة معًا " ثلاثون شهرًا " . 30 ـ 24 = 6 وهي أقل مدة حمل .
ومثال ثالث :
قول الله تبارك وتعالى في شأن قاتل العمد :
"فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ "سورة البقرة / آية : 178 .
يدل بمنطوقه على أن القاتل إن عفا الوليّ عن قتله قصاصًا ، فوجبت الدية في ماله ، أنه يجب على الولي أن تكون مطالبته للقاتل بالمعروف ، وعلى القاتل الأداء بإحسان . وتدل الآية بإشارتها على أن القاتل لا يكون كافرًا بالقتل ، ولا يخرج من الإيمان ، لأن تسمية الوليّ : أخًا له تستلزم بقاءه على الإيمان ، إذ الكافر لا يكون أخًا للمسلم .
الواضح في أصول الفقه ... / ص : 229 / بتصرف .

المبحث الثالث
دلالة المفهوم
المفهوم أن يدل اللفظ المنطوق به على حكم أمر مسكوت عنه . سُمِّيَ بذلك لأنه يُفهم من المنطوق دون أن يصرح به المتكلم .
والمفهوم نوعان : مفهوم الموافقة ، ومفهوم المخالفة .
ـ مفهوم الموافقة :
هو أن يكون الحكم المفهوم مثل الحكم المنطوق ، فإن كان الحكم المنطوق الوجوب ، فالحكم المفهوم الوجوب ، وإن كان الحكم المنطوق التحريم ، فالحكم المفهوم التحريم ، وهكذا .
ومفهوم الموافقة نوعان :
· أولهما : مفهومٌ موافِقٌ أَوْلى ، أي أَولى بالحكم من المنطوق ، وهو أن يُفهم من اللفظ حكم شيء آخر لم يذكر في اللفظ ، هو أولى مِن المذكور بالحكم .
ومثاله قوله تعالى "فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ " . سورة الإسراء / آية : 23 .
فالمنطوق هو : النهي عن التأفف من الوالدين . ولكن يفهم من لفظ الآية حكم شيء آخر غير مذكور ، هو تحريم ضربهما وشتمهما ، فالنهي عن الضرب والشتم لم يذكر في الآية ، ولكن ملاحظة سياق الكلام ، وأن الغرض منه كان المنع من الإيذاء ، يستفاد منه أن الضرب والشتم من الأذى أشد تحريمًا من قول أُفٍّ .
وقد يسمى هذا النوع أيضًا قياس الأولى ، أو التنبيه بالأدنى على الأعلى ، أو فَحْوَى الخطاب .
· وثانيهما : المفهوم الموافِقُ المساوي ، أي : هو مساوٍ في الحكم للمنطوق ، ليس أولى منه بالحكم ولا أدنى منه . وقد يسمى هذا النوع : لحن الخطاب ، أو القياس في معنى الأصل ، أو القياس بِنَفْي الفارق .
ومثاله: أن الله تعالى ذكر في القرآن حدَّ الأَمَةِ إذا زَنت ، وذلك في قوله تعالى "فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ " .سورة النساء / آية : 25 .
فيقال : العبدُ مثلها ، إذ لا فرق بينهما إلا الذكورة والأنوثة ، ولا تؤثر الذكورة والأنوثة في مثل هذا الحكم شيئًا .
وسمي هذان النوعان : مفهوم موافقة ، لاتفاق الحكم بين منطوق اللفظ ومفهومه ، فكلاهما حكمه التحريم ، أو كلاهما حكمه الوجوب ، وهكذا ، بخلاف مفهـوم المخالفة الآتي ، فإنه إذا كان حكم المنطوق الوجوب ، فحكم المسكوت عنه عدم الوجوب .
ـ مفهوم المخالفة :
وقد يسمى : دليل الخطاب ، وهو أنّ يَخُصّ المتكلم بالذكر وصفًا من أوصاف المحكوم فيه ، أو حالاً من أحواله ، فيستدل به على انتفاء الحكم عما عداه ، ومثاله قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كان أربعين ، ... "
سنن النسائي / تحقيق الشيخ الألباني / 23 ـ كتاب : الزكاة /5 ـ باب : زكاة الإبل / حديث رقم : 2447 / ص : 380 / صحيح .
فوجوب الزكاة في السائمة (1) هو : منطوق اللفظ ، ونفي وجوب الزكاة في غير السائمة هو : مفهوم اللفظ ، - بدليل الخطاب ، أو بمفهوم المخالفة - .

( 1 ) السائمة هي التي غذاؤها من الرعي في الأرض المباحة . وضدها المعلوفة ، وهي التي غذاؤها ما يقدم لها من العلف . قال الشيخ صالح المنجد :
ـ ... واشترط جمهور الفقهاء لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تكون سائمة ، وهي التي ترعى الكلأ المباح أكثر السنة ، وأما التي تُعلف فلا تجب فيها الزكاة إلا أن تكون للتجارة ، ودليل اشتراط السوم قوله صلى الله عليه وسلم " وفي صدقة الغنم في سائمتها ... " . انظر المغنى " 2 / 230 ـ 243 .
ـ وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " 9 / 202 :
وأجمع العلماء على وجوب الزكاة في سائمة الإبل والبقر والغنم ، إذا بلغت نصابًا وأوله في الإبل خمس ، وأوله في البقر ثلاثون ، وأوله في الغنم أربعون " . ا . هـ .
ومفهوم المخالفة أنواع ، منه :
1 ـ مفهوم الصفة :
ومثاله : حديث الزكاة المتقدم في الإبل السائمة ، فالتقييد بالسوم يدل على أن الإبل المعلوفة لا زكاة فيها .
ومثاله أيضًا: حديث " مَن باع نخلاً قد أُبِّرَتْ فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع "
. رواه البخاري . متون / ( 34 ) ـ كتاب : البيوع / 90 ـ باب : من باع نخلاً قد أبرت أو .../ حديث رقم : 2204 / ص : 246
يدل التقييد بما بعد التأبير أنه إن باعها قبل التأبير فالثمرة للمشتري .

2 ـ مفهوم الشرط :
ومثاله : قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ".سورة الحجرات / آية : 6 .
يفهم منه :أن العدل إن جاء بنبإ ، يعمل بخبره دون حاجة إلى تبيُّن .
3 ـ مفهوم الغاية :
نحو " وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ".سورة البقرة / آية : 222 .
مفهومه أنهن بعد الطهر حلال .
ونحو "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ" المائدة 6. إلى المرافق ، مفهومه أن ما فوق المرافق لا يغسل في الوضوء .
4 ـ مفهوم العدد :
نحو قول عائشة ـ رضي الله عنها " كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْنَ ، ثم نُسِخنَ بخمس معلومات ... ."صحيح مسلم / 17 ـ كتاب : الرضاع / 6 ـ باب : التحريم بخمس رضعات / حديث رقم : 24 ـ 1452 / ص : 361 .
يدل على أن ما كان أقل من ذلك لا يحرِّم .

5 ـ مفهوم الحصر بغير إلا :
ومثاله حديث " إنما الربا في النسيئة " صحيح مسلم / 22 ـ كتاب : المساقاة / 18 ـ باب : بيع الطعام مثلاً بمثل / حديث رقم : 102 ـ 1596 / ص : 408 .

ومثله آية " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " . سورة الفاتحة / آية : 5 .
يدل بمفهومه على أننا لا نعبد غيرَ الله ولا نستعين بغيرِ الله
6 ـ مفهوم الحصر بالنفي والإثبات :
نحو : لا إله إلا الله: مفهومه حصر وإثبات الألوهية لله .
وهذا النوع هو أقوى أنواع المفهوم . بل إن البعض يعتبره منطوقًا في كلِّ من النفي والإثبات . ولذلك لا يخالِفُ فيه من ينكر حجية المفهوم . ويقول : إن جملة الحصر بالنفي والاستثناء تتضمن حكمين منطوقين ، أحدهما نفي ، وهو ـ في مثالنا ـ أن غير الله ليس إلهًا . والثاني إثبات ، وهو ـ فـي مثالنا ـ أنّ الله إله ، وكلاهما نطق به الموحِّد .
7 ـ مفهوم اللقب :
مفهوم اللقب المقصود عند الأصوليين باللقب هنا الاسم ، وخلافه الوصف . والاسم قد يكون اسم ذات ، نحو قولك " جاء سعيد " فلا دلالة فيه على مجيء غيره بنفي ولا لإثبات . وكذلك اسم المعنى نحو قولك " أحب طلب العلم " ليس فيه دلالة على محبتك أو عدم محبتك لطلب
المال أو المجد أو غير ذلك .
مفهوم اللقب ليس حجة على الصحيح ، كما لو قلت : أكرم بني تميم ، فليس فيه دلالة على النهي عن إكرام من سواهم .
ـ شروط حجية مفهوم المخالفة :
يشترط لحجية مفهوم المخالفة أن لا يكون لذكر القيد فائدة غير الإخراج . فإن كان له فائدة لم يكن له دلالة على نفي الحكم عما عدا المذكور .
فمثال ما له فائدة أخرى قوله تعالى :
" وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ".سورة المؤمنون / آية : 117 .

فإن قوله"لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ " وصف كاشف عن أن كل ما اتُّخِذَ إلهًا من دون الله فلا برهانَ عليه ، ومن هنا لا يفهم من الآية جواز اتخاذ إله آخر ذي برهان .
ومثاله أيضًا قوله تعالى "وَلاَ تُبَاشِرُهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ " .سورة البقرة / آية : 187 .
التقييد بالمساجد لا يعني جواز المباشرة أثناء العكوف في غيرها ، بل هو كاشف أن الاعتكاف إنما يكون في المسجد لا غير .الواضح في أصول الفقه ... / 234 / بتصرف .
o تنبيه :
ـــ
لمزيد توسع راجع مباحث الدلالة :
1 ـ تفسير النصوص . للدكتور / محمد أديب صالح .
2 ـ المدخل إلى علم أصول الفقه . للدكتور / محمد معروف الدواليبي .
3 ـ بيان النصوص التشريعية . للشيخ / بدران أبو العينين
الواضح في أصول الفقه ... / ص : 235 .
 
أسئلة للمناقشة
1 ـ قول الله تعالى " الْحِجُّ أَشْرٌ مَّعْلُومَاتٌ " .سورة البقرة / آية : 197 .
وقوله تعالى "وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " .سورة البقرة / آية : 185 .
اذكر ما تدل عليه هاتان الآيتان بالاقتضاء .

2 ـ في الحديث النهي عن التضحية بالعوراء . وذلك يدل على النهي عن التضحية بالعمياء ، فاذكر نوع هذه الدلالة

3 ـ قال الله تعالى " وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ." .سورة النور / آية : 33 .
اشرح معنى الآية ، واذكر مفهوم الشرط ، وبيّن هل يؤخذ به أم لا ، مع بيان السبب .

4 ـ اذكر ما يستفاد من عبارة النص ، ومايستفاد من إشارته أو مفهومه في قوله تعالى" فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ " . سورة البقرة / آية : 187 .
وفي قوله " وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ "سورة البقرة / آية : 233 .
5 ـ إذا تزوجت المطلقة ثلاثًا زوجًا آخر هَدَمَ الزواجُ الطلقاتِ الثلاث ، بحيث لو طلقها الثاني أو مات عنها ، وتزوجها الأول ، كان له عليها ثلاث طلقات ، بالإجماع . فهل يهدم الزواجُ الطلقتين والطلقة الواحدة أيضًا ، أم تعود على ما بقي من طلاقها ؟ راجع أقوال الفقهاء في ذلك وبيِّن القاعدة الأصولية التي ينبني عليها القول في هذه المسألة .

6ـ اذكر نوع دلالة نص الحديث الآتي على الحكم المذكور معه :
" صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإنّ غمِيَ عليكم الشهر فعُدُّوا ثلاثين " أخرجه مسلم - 13 ـ كتاب : الصيام / 2 ـ باب : وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ... / حديث رقم : 19 ـ 1081 / ص : 259 . .
الحكم : أ ـ وجوب الصوم عند رؤية هلال رمضان .
ب ـ دخول سائر الأشهر غير رمضان بالرؤية ، وإكمال عدتها عند الخفاء .

7 ـ تُرَدّ شهادة المؤمن الفاسق ، لفسقه ، كما في الآية
"وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ". سورة الطلاق / آية : 2 .
وهل ترد شهادة الكافر ؟ بيِّن وجه دلالة هذه الآية على هذين الحكمين ، وما هو الاسم الاصطلاحي لهذا النوع من الدلالة ؟

8 ـ قوله تعالى "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ". سورة النساء / آية : 101 .
كيف تدل الآية على حكم القصر في حال الأمن .
اذكر نوع تلك الدلالة ، ثم بيِّن حسب معلوماتك هل بقي حكم القصر في حال الأمن على ما يُفهم من الآية نفسها أم يخضع لدليل آخر ؟ وما هو ؟
الواضح في أصول الفقه ... / ص : 237 .
**************
تم بحمد الله ومنه
لتحميل ملزمة شرح القواعد الفقهية كاملة
في ملف واحد بصيغة وورد

اكبس هنا = أو هنا =
لتحميل ملزمة شرح القواعد الفقهية كاملة
في ملف واحد بصيغة pdf


اكبس هنا = أو هنا =  
 

07- شرح القواعد الفقهية

 


36 ـ ولاَ يَتِمُّ الحُكْمُ حَتَّى تَجْتَمِعْ ** كُلُّ الشُّرُوطِ والمَوَانِعْ تَرْتَفِعْ


الحُكْمُ : أصله في اللغة المنع ، ومنه قول جرير الكَلْبّي :

ابنَي حنيفة أَحْكِمُوا سُفهاءَكُم إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا .


أَحْكِمُوا سُفهاءَكُم : أي امنعوا سفهاءكم .
وقد عرَّف الأصوليون الحكمَ : بأنه خطاب الله ـ تعالى ـ المتعلق بأفعال المكلفين ، اقتضاء *، أو تخييرًا # أو وضعًا .
الدرة المرضية شرح منظومة القواعد الفقهية / ص : 57 . * اقتضاء : أي وجوبًا . # تخييرًا : أي استحبابًا .
والحُكم نوعان :
الأول : حكمٌ شرعي ، سواء أكان تكليفيًّا 1، أم وضعيًّا 2 ، وهو المقصود في كلام الناظم ـ رحمه الله ـ .

1 الأحكام التكليفية خمسة أنواع وهي :
الإيجاب ، التحريم ، الاستحباب ، الكراهة ، الإباحة . الواضح في أصول الفقه للمبتدئين / ص : 34 .
2 الأحكام الوضعية : الحكم الوضعي هو خطاب الله بجعل أمر ما علامة على أمر آخر .
والأحكام الوضعية خمسة ، وهي : السبب ، الشرط ، المانع ، الصحة ، الفساد . الواضح في
أصول الفقه للمبتدئين / ص : 48 .
الثالث : شرط الوجوب : وهو ما يلزم من وجوده وجوب العبادة ، ويلزم من عدمه ، عدم وجوب العبادة . مثاله : الحج شروط وجوبه هي : الإسلام ، الاستطاعة ، الحرية ، البلوغ .
منظومة القواعد ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري / بتصرف .
والثاني : حُكمٌ عقلي ، وهو غير مقصود هنا ، كالأحكام العددية وغيرها .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 108 .
الشُّرُوطِ : جمعُ شَرْطٍ ، وأما الشَّرَطُ ـ بفتح الشين والراء ـ فجمعه أشراطٌ ، ومنه أشراطُ الساعةِ ، أي : علاماتُها .
منظومة القواعد الفقهية/ شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .
أنواع الشروط ثلاثة :
الأول : شرط الصحة : وهو ما يلزم من عدمه عدم الصحة ، ولا يلزم من وجوده الإيجاد .
مثاله : يشترط لصحة الصلاةِ الوضوء ، وإذا انعدم الوضوء ـ عند الصلاة ـ انعدمت صحة الصلاة . فيلزم من عدم الشرط عدم صحة الصلاة . لكن هل يلزم من وجود الطهارة ؛ أي الوضوء أداء الصلاة ؟ لا يلزم لأن الإنسان قد يتوضأ لأمر غير الصلاة ، كأن يتوضأ مثلاً لقراءة القرآن ونحو ذلك .
الثاني : شرط الأداء : وهو ما يلزم من وجوده أداء العبادة .
مثاله دخول وقت الظهر مثلاً ، يلزِمُ أداء صلاة الظهر ، فشرط أداء صلاة الظهر دخول الوقت .
وسبق شرح تعريف الشرط بالتفصيل ، وذلك عند شرح قاعدة :11 " والنية شرط ..." .
الموانع : واحدها مانع ، وهو اسم فاعل من المنع .
وفي الاصطلاح تعريفات وحدود له ، منها :
ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته .
مثاله : الحيض مانعٌ لصحة الصلاة ، فيلزم من وجوده عدم الصلاة ، لكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم للصلاة ، لذاته .
أي : قد ينعدم وجود الحيض ، ولكن قد يوجد موانع أخرى مثل الجنابة أو ... .
وحاصل كلام الناظم ـ رحمه الله ـ : هو تقرير قاعدة كلية وهي :
" أن الحكم الشرعي لا يتم إلا باستكمال شروطه وانتفاء موانعه " .
قال شيخ الإسلام في " المجموع " : " اتفق على ذلك أهل العلم ، ولا خلاف بينهم في ذلك ، ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية " . وحكى الاتفاق غير واحد ، كالغّزَّالي في " المستصفى " ، والآمدي في : " الإحكام " .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 109 / بتصرف .
وهذا أصل كبير مُطَّرِدُ الأحكام ، يُرجع إليه في الأصول والفروع . وهذه القاعدة من القواعد المعلومة بالتتبع والاستقراء ، ويحصل بها نفع عظيم ، وينفتح بها باب من أبواب فهم النصوص المطلقة التي طالما كثر فيها الاضطراب والاشتباه .
وهذه القاعدة الكلية لابد من مراعاتها عند تنزيل الأحكام الشرعية عمومًا ، فهي قاعدة نافعة عامة في كل المسائل والأبواب الفقهية .
ودليلها :
دليل كل شرط ، ودليل كل مانع : فمن موجب أن يكون الشيء شرطًا ، ألا يوجد الحكم إلا بوجوده ، ومن ثمرة كون الشيء مانعًا ألا يوجد الحكم إلا بعدمه .
ومعنى هذا الأصل : أن الأحكام لا تتم ولا يترتب عليها مقتضاها والحكم المعلق بها حتى تتم كل شروطها ، وتنتفي كل موانعها (1) ، أما إذا عدمت الشروط ، أو وُجدت الشروط ولكن قام مانع لم يتم الحكم ، ولم يترتب عليه مقتضاه لعدم وجود الشرط ، أو لوجود المانع . فأحد الشرطين وجودي والآخر عدمي .
( 1 ) المانع في الاصطلاح : هو ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدم لذاته ، كالحيض مع الصلاة فهو مانع منها .
مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 109 .
ـ من تطبيقاتها وتنزيلها على الأحكام الشرعية :
الدعاء لا يستجاب إلا بتوفر شروطه وانتفاء موانعه .
التوحيد لا يُثمر ثمراتِه إلا بتوفر شروطه كالصدق والإخلاص ، والمتابعة ... ، وانتفاء موانعه كالشرك والبدعة والمعصية .
فالتَّوْحيد مثمر لكل خير في الدنيا والآخرة ، ودافع لكل شر فيهما ، ولكن لا تحصل هذه الأمور إلا باجتماع شروطه ، وانتفاء موانعه .
فأما شروطه فهي على : القلب ، واللسان ، والجوارح .
أمَّا الذي على اللسان فهو النطق بالتوحيد ، وجميع أقوال الخير متممات له .
وأمَّا الذي على القلب فهي إقراره وتصديقه ومحبته للتوحيد وأهله ، وبغضه للشرك وأهله ، ومعرفة القلب لمعناه ويقينه به .
وأما الذي على الجوارح ، فهو انقيادها للعمل بالتوحيد وأعماله الظاهرة والباطنة ، هذه شروطه .
وأمَّا موانعه ومفسداته ، فهي ضدّ هذه الشروط ، أو ضد بعضها ، وَجِمَاعُ الموانع أنها : إما شرك ، وإما بدعة ، وإما معصية .
فالشرك نوعان : أكبر وأصغر .
فالشرك الأكبر يمنع التوحيد ويبطله بالكلية ، والشرك الأصغر ، والبدعة وسائر المعاصي تُنَقِّصُ التوحيد بحسبها ، ولا تزيله بالكلية ، فإذا فهمت هذا فهمت النصوص التي فيها : أن مَنْ أتى بالتوحيد حصل له كذا واندفع عنه كذا ، وكذلك النصوص التي فيها من قال كذا أو عمل كذا : إنه ليس مجرد القول ، إنما المراد به القول التام والعمل التام ، وهو الذي اجتمعت شروطه وانتفت موانعه .
ومن أعظم شروط الأعمال كلها : الإخلاص ، وكونها على السُّنَّةِ .
- وكذلك الميراث : لا يرث إلا شخص قام به شرط الإرث ، وهو : موت المورِّث ، وتحقق حياة الوارث عند موت المورِّث ، وانتفى عنه مانعه وهو : القتل العمد العدوان ، واختلاف الدين .
رسالة القواعد ... / للسعدي .
- وكذلك الوصية :
من شروط الوصية أن تكون الثلث فما دونه ، وأن تكون لغير وارث . فلو زادت على الثلث أو أوصى لوارث ، لم تكن الوصية نافذة لوجود مانع . لكن لو أوصى لغير وارث بالثلث فما دونه وكان بالغًا عاقلاً ، كانت الوصية صحيحة نافذة .
منظومة القواعد ... / د .عبيد الجابري .
الحكم على المعين :
من المُسَلَّم به عند أهل السنة والجماعة : أننا لا نجزم لأحدٍ من هذه الأمة بجنةٍ ولا نارٍ .
فإذا قيل : كيف ذلك مع قوله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ". سورة الكهف / آية : 107 .
فَيُرَدّ على هذا : بأن هذا حكم مطلق ، أي الآية على الإطلاق دون تخصيص للحكم بأحدٍ معين ، وأما القاعدة فهي تفيد الحكم على الْمُعَيَّن ، فالشخص المعين المعروف بزيد أو عبيد أو ..... ، لا يُحكم له بالجنة ، حتى تتوفر له شروط دخول الجنة ، وتنتفي عنه موانع دخولها . ومن أين لنا بالشروط التي لا يعلمها إلا علام الغيوب ، وببعض الموانع التي لا يمكن أن يحكم بانتفائها ، لأنها من سرائر النفس التي لا يعلمها إلا علام الغيوب ؟ ! .
والجواب الصحيح : أن يُقال : ما ذُكر في النصوص الصحيحة من الوعد والوعيد فهو حق ، وذلك العمل موجب له . ولكن لابد من وجود الشروط كلها ،
وانتفاء الموانع كلها ، حتى يُحكم له بأحدهما .
فإذا رأى شخص امرأة سافرة ، هل يحكم على هذه المرأة بأنها لن تدخل الجنة ولن تجد ريحها !!
لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما بعدُ : قوم ..... ، ونساء كاسيات عاريات ، مُميلات مائلات ، رؤوسُهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " .
رواه أحمد ، ومسلم . عن أبي هريرة . صحيح الجامع ... / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 3799 / ص : 708 / صحيح .
الجواب : يقال أن هذا الحكم الوارد في الحديث حق ، وهذا العمل الذي هو السفور موجب للحكم الوارد بالحديث ، ولكن لا يجوز الحكم على امرأة بعينها أنه ينطبق عليها هذا الحكم ، لما سبق من ضرورة توفر الشروط وانتفاء الموانع ، فقد تكون جاهلة بالحُكم ، أو قد تتوب ، أو .. .
شرح القواعد الفقهية .
 

37 ـ ومَنْ أَتى بِما عَلَيْهِ مِنْ عَمَلْ ** قَدِ استَحَقَّ مَالَهُ عَلى العَمَلْ
استَحَقَّ: أي استوجب ، وصار أحق من غيره .
والمعنى : أن الشخص إذا أدَّى العمل الواجب عليه ، وأتمه وذلك باجتماع كل شروطه وانتفاء كل موانعه ، فإنه يستحق الأجر الذي جُعل له . والعكس بالعكس .
شرح منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
ـ ومعنى هذا البيت هو الذي أراده الفقهاء بقولهم :
إذا أدى ما عليه وَجَبَ له ما جُعل له . وهذا شامل الأعمال والأعواض - أي الأجور . مثل أجور الموظفين مقابل أعمال معينة -
والمراد أن الإنسانَ إذا طُلب منه عمل معين ، وَرُتب على هذا العمل جزاءً معينًا ، فإنه إذا أتى بهذا العمل ـ تامًّا ـ وجب له ما رُتب على هذا العمل .
منظومة القواعد ... / شرح : د . خالد بن إبراهيم الصقعبي / ص : 93 .
وهذه القاعدة كما تنطبق على المعاملات تنطبق أيضًا على العبادات في الدنيا والآخرة . ولذلك عند التمعن والتأمل في كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ نجد أن الثواب المطلق للعمل الصالح صورتان :

الصورة الأولى : ما للعبد في الدنيا .
الصورة الثانية : ما يكون للعبد في الآخرة .
فالجزاء قد يدركه الإنسان في دنياه بما يحصل للإنسان من انشراح الصدر وسعة الرزق ونحو ذلك . بل لا يقتصر الأمر على الدنيا فإن الإثابة في الدنيا هي عاجل بشرى المؤمن ، وإلا فالأجر الحقيقي والكسب العظيم هو ما يحصل للإنسان في الآخرة .
وأجر الدنيا كما في قوله تعالى :
" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " .سورة النحل / آية : 97 . وقوله تعالى :
" الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ " .سورة الأنعام / آية : 82 .
وكما أن الله تعالى وعد بالمثوبة لمن أتى بالعمل الصالح ، كذلك رتب على الْمُحَرَّم عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة
قال تعالى :
"وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ".سورة طه / آية : 124 . وقوله تعالى :
" فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ " . سورة الماعون / آية : 4 ، 5 .
فمن تطبيقات هذه القاعدة :
أن رواتب الموظفين لا يستحقها الموظف كاملة إلا إذا أدى العمل كاملاً ، فإن أخلَّ بشيء منه ، فإنه لا يستحق مقابل ما حَصَل من الخلل . ومع الأسف ـ الآن ـ كثير من الموظفين لا يقومون بما يجب عليهم إما في الزمن وإما في العمل .
إما في " الزمن " بأن لا يحضروا إلا بعد بدء الدوام بما لا يُتسامح فيه . أو يخرجوا قبل انتهاء الدوام ـ أي قبل انتهاء وقت العمل ـ .
وإما في " العمل " : بأن تجد الإنسان على كرسيه ، لكن لا يعطي المراجعين ـ الجمهور من الناس الذين يتعاملون ولهم مصالح ... ـ اهتمامًا ، ولا يعتني بهم . معه جريدة يقرأها أو له صاحب يخاطبه في الهاتف أو عنده ولا يبالي ، هؤلاء لا يستحقون الراتب كاملاً ، ولا يستحقون من الراتب إلا بمقدار ما أدوا من العمل ، وعلى هذا فيكون ما يأكلونه ويشربونه من هذا الراتب الذي لا يستحقونه يكون ـ والعياذ بالله ـ حرامًا يحاسبون عليه يوم القيامة . وقد اشتهر عند بعض الناس أن مال الحكومة مباح ، قالوا : لأنه ما له مالك معين . فيُقال : إن مال الحكومة هو بيت المال الذي يستحقه جميع الناس ، فأنت إذ بخسته فقد بخست كلَّ الناس الذين يستحقون من بيت المال .
القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة / ص : 175 / بتصرف .
هذا فيما يتعلق بباب العبادات .
أمـا فيما يتعلق بالمعاملات : فإن الإنسان إذا عقد عقدًا على عملٍ من الأعمال ، فإذا وَفَّى بما تعاقدا عليه ، فإنه يكون مستحقًا لما ينبني عليه من آثار هذا العقد . فالأجير (1) مثلاً إذا استؤجر لعمل معين ، إن أتم عمله استحق العِوَضَ الذي اتفقا عليه ، وإن لم يوف بما تعاقدا عليه فإنه لا يستحق شيئًا .
شرح منظومة القواعد الفقهية / د . خالد بن إبراهيم الصقعبي .
( 1 ) الفرق بين الإجارة والْجَعالة ؟ !
الجعالة : عقد جائز لا يختص بشخص معين بل هي عامة ، مثل أن يقول : مَنْ بنى لي هذا الجدار ، فله كذا أو من ردَّ لُقطتي فله كذا هذه الجَعالة .
والإجارة عكسها كما هو معروف ، وموضح أعلاه . القواعد والأصول الجامعة ... / ص : 175 .
ـ وهذه القاعدة عليها جمهور الفقهاء ، قاله الموفق في : " المغني " ، والنووي في " المجموع " ، وفي بعض فروعها تفصيل عندهم ـ أي ـ عند الفقهاء ـ .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 110 .
* ويُلْحَقُ بهذه القاعدة ، قواعد أخرى منها :
1 ـ " المؤتمنُ غيرُ ضامنٍ ما لم يُفرِّط " .
المؤتمنُ : هو من اشتُهِرَ بالأمانة بين الناس ، فاستودعوه ما يخشون عليه من الضياع أو التلف .
وهو غيرُ ضامنٍ ـ أي ليس عليه عِوَض ـ لِمَا أؤتُمِنَ عليه إذا ضاع منه أو تلف عنده ، أونقص شيء منه إلا إذا ثبت تفريطه في حفظه ، أو تعدى عليه باستعماله ، ... ، وإن أودعه عند غيره من الأُمناء لخوفه عليه ، أو لضعفه عن حفظه ، أو لسفره ، ثم تَلَف عند هذا الأمين ، فلا يضمنه هو ولا من أودعه عنده ، على الصحيح من أقوال الفقهاء، واستدلال الجمهور على صحة هذه القاعدة بما رواه الدارقطني ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال " لا ضمان على مؤتمن " .
وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع ... / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 7518 / ص : 1250 .
ـ وَفِعْل السلف دال على ذلك :
فقد استودع عروة بن الزبير أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مالاً من مال مصعب ، قال : فأصيب المال عند أبي بكر ، أو بعضه ، فأرسل إليه عروة : أن لا ضمان عليك إنما أنت مؤتمن ، فقال أبو بكر : قد علمتُ أن لا ضمان علي ، ولكن لم تكن لتحدث قريشًا أن أمانتي قد خربت ، ثم باع مالاً له فقضاه .
هذا الأثر رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى :5 / 208 . ... ونصه "عن ابن سعد قال : أخبرنا عبد الملك بن عمر أبو عامر العقدي قال : حدثنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد أن عروة استودع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مالاً من مال بني مصعب ، قال : فأصيب ذلك المال عند أبي بكر أو بعضه ، قال : فأرسل إليه عروة أن لا ضمان عليك إنما أنت مؤتمن ، فقال أبو بكر: قد علمت أنه لا ضمان عليّ ولكن لم تكن لتحدث قريشًا أن أمانتي خربت . قال : فباع مالاً له فقضاه .
فهذا الأثر لم أقف على شيء يدل على أنه أثر صحيح أم لا ، ولكن راويه وهو : ابن سعد ،قال عنه الخطيب البغدادي - محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه ، فإنه يتحرى في كثير من رواياته، وقال عنه ابن خلكان : كان صدوقًا ثقة ، وقال ابن حجر- أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين.وقد وصفوه بالفضل والفهم والنبل . والله تعالى أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .قاله : الشيخ أ . د / عبد الله محمد أحمد الطيار .
قال ابن رشد في بداية المجتهد : ج : 2 / ص : 311 ـ بعد أن أورد طرفًا من مسائل الوديعة ـ :
" وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أن لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى " .
ـ والأُمناء لو ضَمَّنَهم الشرع ما ضاع أو تَلَف منهم من غير تفريط لوقع الظلم عليهم ، ولكان لهم الحق في رفض كل وديعة يريد أن يستودعها عندهم مُودِع .
ـ مناظرة :
استدل من قال إنهم يضمون على كل حال ، سواء بتفريط أم من غير تفريط ، بعموم قوله تعالى :
"فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ"سورة البقرة / آية : 283 .
وقوله تعالى :
" إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" . سورة النساء / آية : 58 .
ولكن يُرَدّ على هذا :
بأن العموم في الآيتين مخصوص ـ أي يخصص ـ بما قد ذكرنا . " والعام يُخصص : بأدنى قرينة " كما يقول الأصوليون .
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 218 .
oتعقيب :
ــــــــ
من كان المال بيده بغير حق فإنه ضامن لما في يده ، سواء تَلَفَ بتعدٍّ أو تفريط ، أو لا ، لأن يد الظالم يدٌ متعديةٌ .
ويدخل في هذا : الغاصب والخائن في أمانته ، ومَن عنده عينٌ لغيره فَطُلِبَ منه الرد لمالكها ، أو لوكيله ، فامتنع لغير عُذر ، ـ فإن تَلَفَتْ عنده ـ فإنه ضامن مطلقًا .
وكذلك مَن عنده لُقَطةٌ فسكت عليها ، ولم يعرفْها بغير عُذر
ومن حصلَ في دارِه أو يده مالُ غيره بغير إذنه فلم يردَّه ولم يُخبِرْ به صاحبَه لغير عذر ، وما أشبه هؤلاء فكلهم ضامنون ، إذا تَلَفَ ما عندهم .
القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة / ص : 98 .
2 ـ ومما يُلحق بهذه القاعدة أيضًا :
" ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون والعكس بالعكس " .
ومن أمثلة هذه القاعدة :
إذا قطع مكلفٌ يد معصوم النفس فأدى ذلك القطع إلى إتلاف نفسه ـ أي موته ـ أو بعض أعضائه مثل الشلل ، فهل تضمن تلك السراية أم لا ؟
الجواب :
إن كان القطع قصاصًا أو حدًّا ، فإن سرايته هدْرٌ ـ أي لا ضمان فيها ـ ، وإن كان القطع جناية ـ أي قطع اليد نتيجة مشاجرة أو ... وكان قصده قطع اليد فقط ـ ضُمِنَت السراية تبعًا للجناية .
ومن ذلك لو وَضَع حجرًا في الطريق ، أو حفر بئرًا فيه ، ثم تلف به إنسان أو حيوان ، فإن كان الحفر ونحوه مأذونًا له فيه ، بأن كان لنفع المسلمين وحفره في مكان آمن وليس في طريق الناس ، ... . لم يضمن ما تلف به .
* فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أنه قال " العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ ، والبئرُ جُبارٌ ، والمعدَنُ جُبارٌ ، وفي الرِّكاز الخُمُسُ " .
صحيح مسلم / ( 29 ) ـ كتاب : الحدود / 11 ـ باب : جرح العجماء والمعدن والبئر جبار / حديث رقم : 45 ـ ( 1710 ) / ص : 445 .
العجماء ---> البهيمة . جرحها : أي جناية البهيمة نهارًا سواء كانت على النفوس أم الأموال فيما فعلته من تلقاء نفسها هدر لا ضمان فيه ، إلا إذا كان معها الراكب أو السائق أو القائد ، وداست شيئًا للغير ، أو جرحت إنسانًا ، ففي هذه الحالة يعتبر ضامنًا ، وكذلك لو أطلقها بقرب ما تتلفه عادة فهو ضامن .
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 216 / بتصرف .
جُبار ---> أي هدر لا ضمان فيه .
وإن كان متعديًا فيه ـ أي حفره للتخريب أو ... ، ضَمن . 
 

38 ـ وَكُلُّ حُكْمٍ دَائِرٌ معْ عِلَّتِهْ **وَهِيَ التي قَدْ أَوْجَبَتْ لِشِرْعَتِهْ
العلة : لغة : ما يتغير به حال المحل ، ومنه سُمي المرض علة ؛ لأنه بحلوله يتغير حال الشخص من القوة إلى الضعف
وفي الاصطلاح : الوصف الظاهر المنضبط الذي عُلِّق عليه الحُكم ، وذلك كالإسكار في الخمر ، والسرقة في القطع .
أما الحِكْمَة : فهي : المصلحة المقصودة من تشريع الحُكم ، كحفظ العقل في تحريم الخمر ، وحفظ المال في إيجاب الحدِّ على السارق ، ودفع المشقة في جواز القصر والجمع للمسافر .
وبذا يتضح الفرق بين العلة ، والحِكمة .
لشرعته : أي لتشريع الحكم .
والمعنى : أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ، فإذا وجِدَت العلةُ وُجِدَ الحكمُ ، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم .
مثاله : حِل الميتة ، ما علته ؟ . الضرورة ، فإذا عُدمت الضرورة عُدم هذا الحِلّ . كذلك التيمم عِلته فَقْد الماء أو العجز عن استعماله ؛ فإذا وُجدت هذه العلة وجد التيمم ، وإذا انعدمت عُدِمت مشروعية التيمم ، وعاد للوضوء .
والأصل في الأحكام التعليل ، بمعنى أن تكون لها عِلَل معروفة ، ولكن بعض الأحكام لم يُدْرِك العلماءُ العلة فيها ، وتسمى أحكامًا تعبُّديةً ـ مثل تقبيل الحجر الأسود .
* فعن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه جاء إلى الحَجَرِ ، فقبله فقال : إني أعلمُ أنك حجر لا تنفع ولا تضر ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُقبلك ما قَبَّلتك .
سنن أبي داود / تحقيق الشيخ الألباني / 5 ـ أول كتاب : المناسك / 47 ـ باب :في تقبيل الحجر / حديث رقم : 1873 / ص : 325 / صحيح .
الحجَر : أي الحجر الأسود ، وتقبيله من مناسك الحج والعمرة .
ـ والشرع قد ينص على العلة أحيانًا ، كما جاء في الحديث عن الهِرة .

"إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ إنَّها ليسَت بنجَسٍ إنَّها منَ الطَّوَّافينَ عليْكم والطَّوَّافاتِ"الراوي : كبشة بنت كعب بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 75 - خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح-الدرر السنية -

إنَّها ليسَتْ بنَجَسٍ"، أي: إنَّها حيوانٌ طاهرٌ، وليسَتْ فيها نَجاسةٌ؛ "إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عليكم والطَّوَّافاتِ"، والطَّوَّافونَ والطَّوَّافاتُ هم الخَدَمُ، وسُمُّوا بذلك؛ لكثرةِ دُخولِهم وطَوافِهم في البيوتِ على مَوالِيهم، وشَبَّه بهم القِططَ لكَثْرةِ دُخولِها ووُجودِها في البيوتِ.-الدرر السنية -
وفي الحَديثِ: أنَّ القِطَّةَ مِنَ الحَيواناتِ الطَّاهرةِ المُسْتأنَسةِ.

فعلَّل الحكم بطهارتها بكثرة طوافِها وتردُّدِها على الناس .
ـ وقد تكون العلة غير منصوص عليها صراحةً ، ولكن يستنبطها العلماء تبعًا للقواعد الموضوعة لذلك ، كما في عِلةِ جريان الربا في الأصناف الستة .
منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .

منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : الشيخ عبيد الجابري .
مسألة :
هناك بعض الألفاظ إذا جاءت في الكتاب والسنة دلت على أن ما بعدها علة . من ذلك :
* لفظة " كي " كما في قوله تعالى "كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ " . سورة القصص / آية : 13 .
* ومثالها من السنة :
* عن نُبيشة ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم" إنَّا كنَّا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاثٍ ، لكي تَسَعَكُم ، فقد جاء اللهُ بالسَّعَةِ ، فكلوا وادَّخروا وأتَجِرُوا * ، ألا وإنَّ هذه الأيام أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرِ الله عز وجل " .
سنن أبي داود / تحقيق الشيخ الألباني / 10 ـ أول كتاب : الضحايا /10 ـ باب : في حبس لحوم الأضاحي / حديث رقم : 2813 / ص : 499 / صحيح .
* وأتَجِرُوا : افتعل من الأجر الذي هو الثواب .
وفي نسخة : **واتَّجِرُوا : افتعل من التجارة ـ التجارة مع الله وليس البيع والشراء ، لأنه يحرم بيع شيء من الأضحية .
مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 112 / بتصرف .
** حاشية سنن أبي داود / تحقيق الشيخ الألباني / حديث رقم : 2813 / ص : 499 .
* ومن ذلك " النون المشددة " ، هذه تفيد التعليل كما في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " إِنَّها ليست بنجس ، إنَّها من الطوافين عليكم والطوافات " .
* كذلك " لام التعليل " كما في قوله تعالى" كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " .سورة ص / آية : 29 .
* ومن ذلك " الباء " كما في قوله تعالى :
{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ" . سورة النساء / آية : 160 .

وغير ذلك من الألفاظ التي إذا جاءت في الكتاب أو السنة دلت على التعليل .
منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : خالد بن إبراهيم الصقعبي .
وهذه القاعدة المشار إليها هي قاعدة أغلبية لا مُطَّرِدة .
وقد اتفق عليها الفقهاء ، قاله ابن النجار في " شرح مختصر التحرير " ، وبنحوه قال الشاطبي في " الموافقات " .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 112 .
* وإنما قيل أن هذه القاعدة هي قاعدة أغلبية لا مُطَّرِدَة ، لأن لها استثناءات ، وهي ترجع إلى مجموعة أمور :
أولها :
ما كان له ـ يعني الحكم ـ أكثر من عِلة ؛ فإن انتفاء بعض تلك العلل لا يوجب انتفاء الحكم ، كالحدث ببول وغائط ، فإنه يوجب عدم الصلاة حتى يرتفع الحدث ، فلو انتفت عِلة البول ، فلا يعني ذلك جواز مباشرة الصلاة وصحتها ؛ لأنه قد توجد علة أخرى ـ مثل الغائط ـ تمنع من الصلاة .
وثانيها :
هو الحكم الذي بقي مع انتفاء علته .
ومثاله : الرَّمَل ـ عند طواف القدوم ـ ، فإن علته إظهار النشاط للكفار ، وأن حُمَّى يثرب لم تُصِب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ، غير أن هذه العلة انتفت وبقي الحكم ، ويدل عليه فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للرَّمَل في حجة الوداع .
وثالثها :
ما كان الحكم مبنيًّا على علة ظنية .
ومثاله : الرخص المتعلقة بالسفر ؛ لأنه مظنة المشقة ، فإن أحكام الرخص تستمر ولو لم توجد تلك العلة ، وهي المشقة لكونها ظنية ، قاله شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في " مجموع الفتاوى " .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 113 .
ويدخل تحت هذه القاعدة مسائل كثيرة ، منها :
* أن المشقة عُلِّق عليها أحكام كثيرة من التخفيفات بـ : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحج ، والعمرة ، ونحوها من الأحكام ، إذا وجدت المشقة : حصلت التخفيفات المرتبة عليها ، وإذا عُدِمَت المشقة عُدِمَت هذه الأحكام ، وتفصيل المشقة معروف في كتب الفقه .
* ومن ذلك :
التكليف ، وهو : البلوغ ، والعقل : علِّق عليه أمور كثيرة من : الوجوب في العبادات ، وصحة العقود في المعاملات ، ووجوب القَوْد (1) في الجنايات ، ووجوب الحدود ، والعقوبات كلها معلقة بالتكليف : تثبت بوجوده ، وتنتفي بعدمه ، وكذلك التمييز ، والعقل . والإسلام : شرط لصحة جميع العبادات ، لا تصح إلا بها ، بل جميع شروط الأحكام داخلة تحت هذا الأصل .
رسالة القواعد الفقهية / للسعدي / ص : 42 .
( 1 ) القَوَدُ : أي : القِصاص . ( المعجم الوجيز / ص : 519 ) .
o تعقيب :
ــــ
ليس معنى هذه القاعدة أن كل حكم لابد له من عِلة ، بل هناك بعض الأحكام التي لا يُعلملها عِلة ـ فلا يفهم العلماء لها حكمة بينة ـ ، ويسمونها الأحكام التعبدية ، أي : علينا أن نتعبد به ، وإن لم نفهم حكمته .
فنحن نؤمن ويجب أن نؤمن بأنه ما من شيء شرعه الله إلا وله حِكمة ، إن حرَّم شيئًا فله حكمة وإن لم نعلمها ، وإن أوجب شيئًا فله حكمة وإن لم نعلم الحكمة ؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخلق شيئًا عبثًا ولا لعبًا ولا لهوًا ولا باطلاً ، وإنما يشرع الأشياء لحكمة ، لكن لقصور عقولنا قد لا نفهم هذه الحكمة ، وعدم فهمنا لا يعني انتفاءها .
القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة / للسعدي / تعليق : العثيمين / ص : 199 .
* عن عابس بن ربيعةَ ، قال : رأيتُ عمر بن الخطاب يُقَبِّلُ الحجرَ ، ويقول : إني أقبلك وأعلم أنك حجرٌ ، ولولا أني رأيتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبلكَ لم أُقبلك . سنن الترمذي / تحقيق الشيخ الألباني / 7 ـ كتاب : الحج عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ / ( 37 ) ـ باب : ما جاء في تقبيلَ الحجر / حديث رقم : 860 / ص : 209 / صحيح .

 
 
39 ـ وَكُلُّ شَرْطٍ لاَزمٌ لِلعَاقِدِ ** في البَيْعِ وَالنِّكاحِ والمَقَاصِدِ

40ـ إِلاَّ شُرُوطًا حَلَّلَت مُحرَّمًا ** أو عَكْسَهُ فَبَاطِلاَتٌ فَاْعلَمَا


لِلعَاقِدِ: اسم فاعل من العقد .

والعقد لغة : الجمع بين أطراف الشيء . ويستعمل في :

الأجسام : كعقد الحبل .

وفي المعني : كعقد النكاح وعقد البيع . ومنه قوله تعالى :

" وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ " . سورة البقرة / آية : 235 .

وقوله تعالى "أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " .سورة المائدة / آية : 1 .

والمراد بالعقود كل ما يُتفقُ عليه من الأفعال .
منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .


العاقد : هو من يصح منه الإيجاب والقبول ، وهو كل بالغ عاقل رشيد .
منظومة القواعد الفقهية / للسعدي / شرح : الشيخ عبيد الجابري / ص : 44


البَيْعِ : هو إعطاءُ المثَمَّنِ وأخذُ الثَّمَنِ ، والشراء ؛ هو إعطاء الثَّمنِ وأخذُ المثَمَّنِ ، وقد يُطلق أحدهما على الآخر ، ولكن الأصل هو الأول .

النِّكاحِ : هو في الأصل العقد ، ويُطلق على الجماع كنايةً .

والنكاح شرعًا : عقد على استباحة البُضْع قصدًا بوجهٍ شرعيٍّ .

وقولهم " قصدًا " ؛ لإخراج استباحة البُضعِ بملك اليمين ، فإن المقصود الأصلي هو مِلك الرقبة ـ وليس النكاح ـ .

وقولهم " بوجه شرعي " ؛ لإخراج الزنا الحاصل باتفاق الطرفين .

والمعنى : أن الأصل في الشروط والعقود اللزوم ، فكل شرطٍ وعقدٍ فيه مصلحةٌ للطرفين أو لأحدهما ، فإنه يكون صحيحًا ، ويَلزَمُ الطرفين الوفاء به ما لم يكن مخالفًا للشرع بتحليل الحرام أو تحريم الحلال ، فإنه يُحكم عليه بالبُطْلانِ .
منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

وهذا في جميع المعاملات من بيع وإجارة والعقود الأخرى كالشركات والنكاح والوقف والوصايا . منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : عبيد الجابري / ص : 44 .


وهذا أصل كبير وقاعدة كلية في الشروط الصحيحة والشروط الباطلة .رسالة القواعد الفقهية / للسعدي / ص : 43 .

وحاصل كلام الناظم ـ رحمه الله ـ يرجع إلى قاعدتين ذكرهما الفقهاء :

الأولى " أنَّ الشرطَ لازمٌ في العقدِ " .

الثانية : " أنَّ كلَّ شرطٍ باطلٍ لا يصحّ " .

وهاتان القاعدتان مبنيتان على حديثين :
ـ فأما الحديث الأول :
* عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، وإن كان مائة شرط " .
رواه البزار والطبراني . صحيح الجامع ... / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 4530 / ص : 833 .
وهذا ليس معناه أن كل شرط ليس موجودًا في كتاب الله فهو باطل ، وإنما المقصود كل شرط يخالف ما نص عليه كتاب الله ، ومنافٍ له ، ومعارض له ، فهو باطل .
فليس لأحد أن يقول مثلاً : هذا الشرط باطل ، لأنه ليس في كتاب الله ، أي لم يُنَص عليه في كتاب الله . لا : أنت عليك أن تثبت أن هناك في كتاب الله ما يَرُدّ هذا الشرط أو يُعارضه أو ينافيه . شرح القواعد الفقهية

ـ وأما الحديث الثاني :
* عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم " المسلمون على شروطهم " .
رواه أبو داود . وصححه الألباني في : الإرواء ( 1303 ) ، وفي صحيح الجامعالصغير وزيادته / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 6714 / ص : 1138 .

* وعن رافع بن خديج قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم " المسلمون عند شروطهم فيما أُحِلَّ " .
رواه الطبراني . صحيح الجامع ... / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 6715 / ص : 1138 .

* وعن أنس قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم " المسلمون عند شروطهم ، ما وافق الحق من ذلك " .رواه الحاكم . صحيح الجامع ... / الهجائي / ج : 2 / حديث رقم : 6716 / ص : 1138 .


وأهم الشروط التي يلزم الوفاء بها شروط النكاح كما قال صلى الله عليه وسلم :
" إن أحقَّ الشروط أن توفوا به ، ما استحللتم به الفروج "
رواه أحمد . عن عقبة بن عامر . وصححه الشيخ الألباني في : صحيح الجامع ... /الهجائي / ج : 1 / حديث رقم : 1547 / ص : 322 .


أنـواع الشروط من حيث الصحة والبطلان :

الشروط في جميع العقود نوعان : صحيحة ، وفاسدة .

* فأما الصحيحة : فهي كل شرط اشترطه المتعاقدان ، لهما أو لأحدهما فيه مصلحة ، وليس فيه محذور من الشارع ، ويدخل في هذا جميع الشروط في البيع ، والشروط في الإجارة والجَعَالة ، والشروط في الرهون والضمانات ، والشروط في النكاح وغيرها من الشروط على اختلاف أنواعها ، فإنها شروط لازمة للمتعاقِدَيْن ، إذا لم يف أحدهما بما عليه منها كان للآخر الفسخ .
والشرط إما لفظيٌّ ، وإما عرفي ، وإما شرْعيٌ .

ـ الشرط اللفظي : هو ما اتُّفِقَ عليه لفظًا .

ـ الشرط العرفي : ما سُكِت عنه ، فيسري ما تعارف عليه الناس . مثل : إذا اشترك شخصان ، أحدهما برأس المال ، والثاني بإدارة الأعمال - أي بالجهد - ، فالعُرْف تقسيم الأرباح بنسبة 2 إلى 3 لصاحب رأس المال ، 1 إلى 3 للآخر .

ـ الشرط الشرعي : هو ما فيه نص من الشرع . مثل شروط الإرث : موت الموَرِّث ، وتحقق حياة الوارث حين وفاة الموَرِّث .

· وأما الشروط الفاسدة: فهي التي تضمنت : تحليل حرام أو تحريم حلال .
والشروط التي هذا شأنها ـ أعني إباحة الحرام أو تحريم الحلال ـ هذه فاسدة ، ثم منها ما يُفسد العقد ، ومنها ما يَفْسَد بنفسه مع صحة العقد . إذًا الشروط الفاسدة قسمان :
القسم الأول : ما يفسد العقد مع فساده .
وذلك إذا كان شرط البائع أو المشتري أو أحدهما يعطل ركنًا من أركان العقد فإنه يبطل العقد بالكلية ، كما لو اشترط عليه أن يبيعه مجهولاً يُعلم .
أو اشترط البائع على المشتري في عقد البيع أن لا يتملَّك السلعة ، وإنما كان ذلك الشرط الباطل مبطلاً للعقد ، لأنه يناقض ركنه ومقصده الذي لأجله شُرع العقد .
القسم الثاني : ما يفسد الشرط في نفسه ويبقى العقد صحيحًا :
إذا كان الشرط لا يبطل العقد صح العقد وبطل الشرط ؛ فلو قال لك شخص : بعتُكَ ـ هذا البيت ـ على أن لا تؤجره ، ولا تبيعه ، ولا تسكن الطابق العلوي منه ، قل : جزاك الله خيرًا قبلت ، فهذا شرط فاسد مع صحة العقد ، لأنه ليس له منع المشتري ، لأنه باعه إياه ، فليس له سلطان عليه بعد البيع .
والغريب أن هذا سائر عند بعض التجار ، يبيعهم سلعة معينة ويشترط ألا يزيدوا كذا ، خذها منه وبع كما شئت أنقص أو زد لا يملك هذا .
منظومة القواعد ... / شرح : د . عبيد الجابري / بتصرف -منظومة القواعد ... / شرح : خالد بن إبراهيم الصقعبي .

س " العقد شريعة المتعاقدين " ، هل هذه القاعدة صحيحة ؟
ج : " العقد شريعة المتعاقدين " يلتفت فيها أو يلحظ عليها من جانبين :
الجانب الأول :
أنه ليست هذه القاعدة مطلقة ، بل لابد من تقييدها بعدد من القيود منها :
أن يكون ذلك العقد غير مخالف لشيء من الدين .
الثاني : استعمال لفظة " شريعة " فإنه المراد بالشريعة :
الأمر الواسع والأحكام العامة ؛ لذلك يقال مثلاً لمورد الماء الكبير ، الذي يرد عليه جميع الناس في محل واحد في لغة العرب " شريعة " .
فإطلاق لفظ " الشريعة " على العقود هذا لا يصح من جهة مخالفته للمعنى اللغوي ، وكذلك من جهة مخالفته للمعنى الشرعي ، فإن لفظة " شريعة " يراد أن تكون منسوبة للشارع ، والعقود منسوبة للمتعاقدين وليست للشارع .
منظومة القواعد ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري .

o تعقيب :
ــــــــ

الأصل في الشروط والعقود اللزوم ، فكل شرط وعقد فيه مصلحة للطرفين أو لأحدهما ، فإنه يكون صحيحًا ، ويَلْزمُ الطرفين الوفاء به ، ما لم يكن مخالفًا للشرع بتحليل الحرام أو تحريم الحلال ، فإنه يُحكم عليه بالبطلان .
منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

 

41ـ تُسْتَعْمَلُ القُرْعَةُ عِنْدَ المُبهَمِ ***مِنَ الحُقُوقِ أَو لَدَى التَّزاحُمِ

القُرْعَةُ :ترجع إلى مادة : قَرَعَ ، ولها معانٍ مذكورة في كتب المعجمات ، " كالصِّحَاح " للجوهري ، و " القاموس " للفيروز آبادي .

معناها في اللغة : السهم والنصيب ، والاقتراع والاستهام : يُقال : تقارع القومُ ، واقترعوا أي: ضربوا القِدَاح ونحوها لتعيين الحق أو صاحبه .

فالمقصود هنا : هي صفة معروفة تستعمل عند إرادة اختيار شيء دون قصد التعيين الْمُسْبَق ، قاله القرافي في " الفروق " . مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 116 / بتصرف .
والقواعد الفقهية بين الأصالة ... / ص : 292 .

وقيل : يراد بالقُرْعَةِ : ضرب السهام ، بحيث يُجعل أحد تلك السهام مميزًا بعلامة أو بنحوها ، فمن خرجت له القرعة أو ذلك السهم المميز ، استحق ما جُعل على القرعة .
منظومة القواعد ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري .

المُبهَمِ : اسم مفعول من الإبهام ، وهو ضد التعيين للشيء . فهو المجهول غير المعين .
الحُقُوقِ : جمع حق ، والمراد به عند الفقهاء : كل ما يُثْبَتُ للشخصِ من منافع ومميزاتٍ ، وقد يكونُ مجرد أمر اعتباريٍّ كحق الطلاق والولاية .
منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
التَّزاحُمِ : من الازدحام ، وهو ضد السَّعَة ، وفيه معنى التضايق والتحاشر . مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 116 .
والقرعة تسعمل إذا جُهل المسْتَحِق لحق من الحقوق ، ولا مِزْيَة لأحدهما على الآخر ، أو حصل التزاحم في أمر من الأمور ولا مرجح لأحدهما .
o فائدة :
ــــ


القرعة تستخدم عند الإبهام في حقوق الخلق ، أما عند الإبهام في حقوق الله فإنه لا يشرع استعمال القرعة ، مثل : مَنْ نسي صلاة من صلوات أمس ، فلا يُقال استعمل القرعة بين هذه الصلوات ، لأصلي الصلاة الفائتة ـ لإبهامها لديه ، لا يجوز هذا وإنما يقال : يجب عليك أن تصلي الخمس صلوات جميعًا ، لأن الصلاة المبهمة ستكون واحدة منهن .


شرح منظومة / ... / سعد بن ناصر الشثري .
والمقصود من كلام الناظم ـ رحمه الله ـ ، هو أن القرعة تسعمل في حالتين اثنتين :
الأولى: عند انبهام شيءٍ من الحقوق .
ومثالها : إذا طلق الزوج زوجة مبهمة وله زوجات ، فإنه يقرع بينهن .
الثانية :

عند تزاحم بعض المكلفين على شيء .
ومثالها : إذا تزاحم اثنان على الأذان أو الإقامة ، فإنه يُقرَع بينهما . وشرط القرعة هنا أن يستويا ، بحيث لا يكون لأحدهما فضلٌ على الآخر من الجهة الشرعية . وهذا قطع به جمهور الفقهاء . مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 116 .
وتحت هذه القاعدة دلائل كثيرة ، منها : إذا تَشَاحّ اثنان في الأذان ، أو الإقامة ، أو الإمامة في الصلاة ، أو صلاة الجنازة ، وليس أحدُهما أولى من الآخر ، فإنه يقرع بينهما .
وكذلك إذا تنازع اثنان لُقَطَة ، أو لُقَيطًا ، أو مكانًا ، ونحوه ، ولا مُرجِّح لأحدهما على الآخر ، فإنها تستعمل القرعة .
رسالة القواعد الفقهية / للسعدي / ص : 44 .

حكم القرعة :
القرعة مشروعة باتفاق الفقهاء ، ودليل مشروعيتها من الكتاب والسنة .
ـ فقد ذُكرت " القرعة " في القرآن الكريم بموضعين :

قال تعالى " وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُـلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ" .سورة آل عمران / آية : 44 .

" يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ ": ألقوا أقلامهم اقتراعًا . قيل في صفة القرعة التي اقترعوها :
فاقترعوا وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري ، على أن مَنْ وقفَ قلمُهُ ولم يجر مع الماء فهو صاحبها ـ أي هو الذي يكفُل مريم ـ ، فجرت أقلامُهم ووقف قلمُ زكريا .
نفحة العبير من زُبدة التفسير / ص : 135 / بتصرف .
وقال تعالى " إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِن الْمُدْحَضِينَ " .سورة الصافات / آية : 140 ، 141 .

أَبَقَ : أي هرب من قومه لما ضاق صدره لعدم استجابتهم لدعوته ، فوجد سفينة مبحرة فركب فيها وكانت حمولتها أكبر من طاقتها فوقفت في عرض البحر ،فرأى رُبَّان السفينة أنه لابد من تقليل الشحنة وإلا غرق الجميع .

فَسَاهَمَ: أي ضُرِبَتِ القرعةُ بين الراكبين ليلقوا بعضهم في البحر خوفًا من غرق السفينة ـ لثقل وزنها ـ .
نفحة العبير من زُبدة التفسير / ص : 1096 .
مِن الْمُدْحَضِينَ: أي المغلوبين في القرعة ، فرموه في البحر فالتقمه الحوت .أيسر التفاسير ... / ص : 1094 / بتصرف .

هذا في شرع مَن قَبْلَنا وجاء في سُنَّةِ نبينا ما يؤيده ليكون مِنْ شَرْعِنَا أيضًا .
ـ ففي السنة ذُكرت القرعة في ستة مواضع ، منها :
* عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَرَضَ على قوم اليمين فأسرعوا ، فأمر أن يُسْهَمَ بينهم في اليمين أيهم يحلف .
صحيح البخاري . متون / ( 52 ) ـ كتاب : الشهادات / ( 24 ) ـ باب : إذا تسارَعَ قومٌ في اليمين / حديث رقم : 2674 / ص : 310 .

وقيل صورة الاشتراك في اليمين :
أن يتنازع اثنان عينًا ليست في يد واحد منهما ، ولا بَيِّنَة لواحد منهما ، فيقرع بينهما ، فمن خرجت له القرعة ؛ حلف واستحقها .


فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ج : 5 / 52 ـ كتاب : الشهادات / 24 ـ باب :إذا تسارع قوم في اليمين / شرح حديث رقم : 2674 / ص : 338 .

* عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أراد سفرًا أقْرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمُها خرج بها معه ، وكان يقسم لكل امرأةٍ منهن يومها وليلتها غير أن سودةَ بنت زمْعَةَ وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تبتغي بذلك رضا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
صحيح البخاري . متون / ( 51 ) ـ كتاب : الهبة وفضلها والتحريض عليها / ( 15 ) ـ باب : هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج ... / حديث رقم : 2593 / ص: 298 .

* عن أبي صالح، عن أبي هريرة ،أن رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ،ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمةِ والصبحِ لأتوهما ولو حبوًا " .


صحيح البخاري . متون / 10 ـ كتاب : الأذان / 9 ـ باب : الاستهام في الأذان / حديث رقم : 615 / ص : 76 .
ـ الحِكمة في مشروعية القرعة :
تطبيب القلوب ، وإزاحة تهمة الميل إلى أحد المتنازعين ، وإزالة الحيرة عند التساوي والإبهام .


القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 292 / بتصرف .القواعد والأصول الجامعة ... / ص : 128 / بتصرف .
وقيل أيضًا : المقصود من القرعة فض المنازعة ، وسد باب العداوةِ بالرجوع إلى قدر الله واختياره ، ومعلوم أن أصل العداوة هو التزاحم على غرض واحد .


منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .


ـ حظر القرعة:
لا تجري القرعة في شيء تَعَيَّن فيه المصلحة أو الحق ، لأن في القرعة حينئذ ضياعًا لذلك الحق وتلك المصلحة .
فإذا عُلم اشتراك شخصين في عين أو دَيْن ، وأرادا القرعة لمن يكون له الشيء ، فإن هذا من الميْسِر ـ والمُقامرة ـ هذا بخلاف إذا عُلم اشتراك شخصين في عين أو أي حق ، ثم تنازل أو وهب أحدهما حقه للآخر بالتراضي أو بنفس راضية ، هذا لا شيء فيه شرعًا -

لأنه يكون أحدهما غارم والثاني غانم . مثلاً : كل منهما مشترك في هذه العين ، يعني بينهما سيارة ، فقال أحدهما للآخر : نقرع أينا تكون له السيارة كاملة . هذا حرام ، هذا من الميسر .
كذلك إذا كان بينهما شيء مناصفة ، ثم قسماه أثلاثًا وجعلا ثلثين جانبًا وثلثًا جانبًا ، وقالا : نقرع ـ ليحظى أحدهما بالثلثين والآخر بالثلث دون مرجحات ـ هذا لا يجوز لأنه ميسر . فلابد من التساوي .
القواعد والأصول الجامعة ... / ص : 130 / بتصرف .القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 293 .


42-وإِنْ تَسَاوى العَمَلانِ اجْتَمَعَا** وَفُعِلَ أَحَدُهُمَا فَاسْتَمِعَا
هذه قاعدة يقال لها : قاعدة التداخل .
قال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه الجليل : تقرير القواعد وتحرير الفوائد :
إذا اجتمعت عبادتان من جنس ـ واحد ـ في وقت واحدٍ ليست إحداهما مفعولة على جهةِ القضاء ، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت ، تداخلت أفعالُهما ، واكْتُفِيَ فيهما بفعلٍ واحدٍ . ا . هـ .
أقسام تداخل العبادات :
أ ـ قسم لا يصح فيه تداخل العبادات :
وهو فيما إذا كانت العبادات مقصودة بنفسها ، أو تابعة لغيرها ، أو إذا كانت إحداهما مفعولة على وجه القضاء .
مثال ذلك :
إنسان فاتته سنة الفجر طلعت الشمس ، وجاء وقت صلاة الضحى ، فهنا لا تجزئ سنة الفجر عن صلاة الضحى ، ولا الضحى عن سنة الفجر ، ولا الجمع بينهما أيضًا ، لأن سنة الفجر مستقلة ، وسنة الضحى مستقلة ، فلا تجزئ إحداهما عنِ الأخرى .
كذلك إذا كانت الأخرى تابعة لما قبلها ، فإنها لا تتداخل ، فلو قال إنسان : أنا أريد أن أنوي بصلاة الفجر صلاة الفريضة والراتبة ، قلنا : لا يصح هذا ، لأن الراتبة تابعة لصلاة الفريضة فلا تجزئ عنها .
مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين / ج : 20 / كتاب : الصيام .وتقرير القواعد وتحرير الفوائد / لابن رجب .
ب ـ قسم يصح فيه تداخل العبادات :
إذا اجتمع عملان من جنس واحدٍ وكانت صورتهما متفقة تداخلا واكتفي بأحدهما عنِ الآخر ، وهذا على ضربين :
الضرب الأول : أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتانِ جميعًا ، ويُشْتَرطُ أن ينويهُما جميعًا على المشهور .
ومن أمثلة ذلك :
ـ من كان عادمًا للماء فتيمم تيممًا واحدًا ينوي به الحدثين أجزأه عنهما بغير خلاف .
الضرب الثاني : أن يحصل له أحدُ العبادتينِ بنيتها ، وتسقط عنه الأخرى .
ومن أمثلة ذلك :

ـ إذا دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى معهم ، سقطت عنه التحية .
ـ إذا قَدِمَ المعتمر مكة ، وطاف للعمرة ، سقط عنه طواف القدوم . منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
*ضوابط هذه القاعدة :
مما سبق تتلخص ضوابط هذه القاعدة ـ " قاعدة التداخل " ـ في :
يجوز تداخل العبادات التي تتوفر فيها الشروط الآتية :
1 ـ إذا كان المقصود ، من العبادتينِ ؛ واحدًا ، وهو أن يأتي بها للعبادة بقطع النظر عن كونها مستقلة أو لعبادة أخرى .
2 ـ أنهما من جنس واحد .
3ـ أن إحداهما ليست تابعة للأخرى ، ولا مفعولة على جهة القضاء ، فإن كانت تابعة للأخرى فإنها لا تجزئ عنها ، كسنة الفجر مثلاً مع صلاة الفجر ، فلا تجزئ صلاة الفجر عن سنة الفجر ، لأن السنة تابعة لها .


القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة / ص : 168 / بتصرف .
ـ ومن أمثلة ذلك :
· إنسان دخل المسجد بعد أن أُذِّن للظهر ، وكان قد توضأ قريبًا ، فهنا هو مطالَب : بسنة الوضوء ، وبتحية المسجد ، وبراتبة الظهر القبلية . فهل إذا صلى ركعتين تجزئ عن الجميع ؟ .
الجواب : نعم ؛ لأن المقصود واحد وهو أن يأتي بركعتين بعد الوضوء ، وأن يأتي بركعتين عند دخول المسجد ، وأن يأتي بالراتبة .
وهنا نقول : إما أن ينوي هذه العبادات جميعًا فيحصل له ثواب الجميع ، وإما أن ينوي واحدة منهن فهذه تُنظر ؛ إن نوى الراتبة أجزأت عن الباقي أي أجزأت عن تحية المسجد وسنة الوضوء . وإن نوى سنة الوضوء أجزأت عن سنة الوضوء وعن تحية المسجد لأنه حصل المقصود ، لكن لا تجزئ عن الراتبة ، لأن المقصود هنا وجود ركعتين قبل الصلاة مستقلتين .
وأما صلاة الاستخارة : فهذا فيه احتمال أن تكون صلاة الاستخارة مقصودة بذاتها ، فيصلي لأجل الاستخارة ركعتين ، ويقول بعدهما دعاء الاستخارة . ويُحتمل أن تكون داخلة في هذا فيكون هذا الرجل الذي دخل المسجد بعد الوضوء ، يكون مطالبًا بسنة الوضوء ؛ وسنة دخول المسجد ؛ والراتبة ؛ والاستخارة ، فينوي بذلك أربع نوافل .وقد يتأيد دخول صلاة الاستخارة في ذلك بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم " إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ... " . الحديث .


سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / 5 ـ كتاب : إقامة الصلاة والسنة فيها /188 ـ باب : ما جاء في صلاة الاستخارة / حديث رقم : 1383 / ص : 245 / صحيح .
فإنه يَصْدُق على هذا أنه صلى ركعتين من غير الفريضة .
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله؛ في لقاءاته مع بعض طلبته :
تحية المسجد يختلف حكمها ، فهي ليست جمع عبادتين بنيتين ، فتحية المسجد مقرونة بعلة عدم الجلوس إلا بعد الصلاة فهذا الذي صلى فرض الفجر ـ بمجرد دخوله المسجد ، ولم يصلِّ تحية المسجد ـ هذا صَدَقَ عليه أنه جلس بعد الصلاة . فهذه مسألة تختلف عما سبق ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :
" إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " .
فليس المطلوب حتمًا ركعتين مخصوصتين لتحية المسجد .
لذا من كان يرى وجوب تحية المسجد ، ورغم ذلك صلى الفجر أو أي صلاة بمجرد دخول المسجد دون أن يصلي تحيـة المسجد ، فهذا يجزئ وليس في هذه الصورة نقض لما سبق وهو أن الواجب لا يغني عن الواجب . ا . هـ . بتصرف .
· من حَلَفَ عِدة أيمان على شيءٍ واحد وحَنَثَ فيه عدة مرات قبل أداء كفارة اليمين ، أجزأته كفارة واحدة عن الجميع . فإن كان الحَلِفُ على شيئين فأكثر وحنثَ في الجميع ، فإن الكفارة تتعدد بتعدد المحلوف عليه .
وكذلك إذا كانت الكفارات متباينةٌ مقاصدُها ، ككفارة ظِهار ، ويمين بالله ، أو للوطء في نهار رمضان وجب عليه كفارات لكل واحدةٍ منها إذا حنث .
ولو تعدد المحلوف عليه واتحد الحَلِف ، يعني قال : والله لا أكلم فلانًا ولا ألبس هذا الثوب ولا أخرج إلى السوق ، بيمين واحدة ، ماذا يلزمه ؟ . يلزمه كفارة واحدة وذلك لأن اليمين واحدة فلا توجب أكثر من كفارة ، وإن تعدد المحلوف عليه ، فتعدد الذوات هنا كتعدد الصفات لا تتعدد بها الكفارة .


القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة / للسعدي / تعليق العثيمين / ص : 170 .
ـ ولو تَعَدَّدَ السهو في الصلاة ، لم يتعدد السجود، بل يكفي سجود واحد للسهو مهما تعددت بالزيادة أو بالنقصان .القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 135 .
· وكذلك لو زنى بكر أكثر من مرة ، يكفي أن يُقام عليه حد واحد ، وهو الجَلْدُ ، فإن زنى بعد الحد أُقيم عليه حد آخر لعدم اجتماعهما .
· ولو جامع الرجل امرأته في نهار رمضان أكثر من مرة ، لم تلزمه إلا كفارة واحدة ، بخلاف لو جامع في يوم آخر فإنه تلزمه كفارتان ، ولو جامع في اليوم الثالث تلزمه ثلاث كفارات وهكذا على الأصح من أقوال الفقهاء ؛ لأن كل يوم من شهر رمضان له حرمته .


القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه / ص : 135 .
oتحذير :
ــــ
لا ينبغي التوسع في تطبيق هذه القاعدة أو غيرها دون الرجوع لأهل العلم .
===============

43 ـ وَكُلُّ مَشْغُولٍ فَلاَ يُشَغَّلُ** مِثَالُهُ المَرْهُونُ والمُسَبّل
هذا معنى قول الفقهاء : المشغول لا يشغل . وذلك أن الشيءَ إذا اشتغل بشيءٍ لم يشغل بغيره حتى يفرغ من هذا المشغول به ، وذلك كالرهن .
وحاصل كلام الناظم ـ رحمه الله ـ أنه أشار إلى قاعدة اتفق عليها أولو النظر والفقه - وذلك باستقراء الأحكام الجزئية الدالة عليها - ، وهي : أن المشغول لا يُشغل .
مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 119 .
المَشْغُول : ضد الفارغ .
المَرْهُونُ : من الرهن ، وهو : توثيق دين بعينٍ .
وقال ابن سِيدَه : الرهن هو إيداع شيء عند إنسان لإرجاع حقٍ له .
المُسَبّل : اسم مفعول من السبيل ، والمقصود ما جُعل في سبيل الله تعالى ، كالوقف وهو تحبيس الأصل ، وتسبيل الثمرة .
والمعنى أن كل مشغول بحق ، لا يُشغل بحق آخر حتى يَفْرُغَ الأول منه .

منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
بالاستقراء جمع العلماء أحكام جزئية نتج عنها هذه القاعدة وهذه الأحكام الجزئية على سبيل المثال وليس الحصر هي :
ـ زوجة الغير ومعتدته مُحَرَّمَة على جميع الرجال عدا زوجها ، لأنها مشغولة به بمقتضى عقد الزواج ، فلا تُشغَّل بغيره حتى تفرغ من هذا المشغول به ، لقوله تعالى :
" وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ".
سورة النساء / آية : 23 .
أي حُرمت عليكم المحصنات من النساء ، أي المتزوجات منهن ، إلا المسبيات ، فإن المَسْبِيَّة تحل لسابيها بعد الاستبراء- أي بعد استبراء الرحم بمرور وقت معروف لمعرفة خلو الرحم من الحمل -، وإن كانت متزوجة .

الوجيز في فقه السنة ... / ص : 295 / بتصرف .
ـ لا يحل لمسلم أن يخطب على خطبة أخيه ، ولا أن يبيع على بيعة أخيه .
... ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كان يقول : نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبيعَ بعضكم على بيع بعض ، ولا يخطبَ الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطبُ قبله أو يأذنَ له الخاطبُ .

صحيح البخاري . متون / ( 67 ) ـ كتاب : النكاح / ( 45 ) ـ باب :لا يخطب على خِطبة أخيه ... / حديث رقم : 5142 / ص : 623 .

ـ ومثاله : المرهون لا يُباع ولا يوهب ولا يرهن حتى ينفك الرهن أو يأذن الراهن .
والدار المؤجرة لا تؤجر حتى تفرغ المدة .
وكذلك المسبل : وهو اسم مفعول من السبيل ، والمقصود ما جُعل في سبيل الله ـ تعالى ـ كالوقف .
فالذي وضع في سبيل الله تعالى كالوقف لا يُباع ، لأنه مشغول بالوقف .
فكل مشغول بحق لا يُشْغَل بآخر حتى يفرغ الحق منه .

مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 21 / بتصرف .