الخميس، 11 ديسمبر 2025

05 - اليوم الآخر

انقسامُ الناسِ بحَسَبِ عَقائدِهم خلْفَ مَعبوداتِهم ،

ثم  الظُّلمَة ثم يُضربُ الصِّراطُ

قولان لأهل العلم فيمن يمر على الصراط :

القول الأول: أن جميع الخلق يمرون على الصراط. لقوله تعالى  "وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا  كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا" مريم : 71.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: وهذا خطاب لسائر الخلائق، بَرهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد، إلا سيرد النار، حكمًا حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه.واختُلِفَ في معنى الورود، فقيل: ورودها، حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بعد، ينجي الله المتقين.
وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا.
وقيل: الورود، هو المرور على الصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، كل بحسب تقواه.تفسير السعدي.

ومن العلماء من قال: الكفار والمشركون يدخلون جهنم جماعات قبل نصب الصراط.

قال ابنُ رَجَبٍ: اعلَمْ أنَّ النَّاسَ مُنقَسِمونَ إلى مُؤمِنٍ يَعبُدُ اللهَ وحدَه ولا شَريكَ به شَيئًا، ومُشرِكٌ يَعبُدُ مَعَ اللهِ غَيرِه، فأمَّا المُشرِكونَ فإنَّهم لا يَمرُّونَ على الصِّراطِ إنَّما يَقَعونَ في النَّارِ قَبلَ وضعِ الصِّراطِ .ا.هـ. التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار.ص: 235.

فكُلُّ فرقةٍ من الكُفَّارِ والمُشرِكينَ تَتبَعُ ما كانت تَعبُدُ في الدُّنيا، فتَرِدُ النَّارَ مَعَ مَعبودِها.

قال تعالى "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا"النساء: 115.   أي نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه في الدنيا وانتصر به من الأوثان وغيرها. أي  ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله في الآخرة جهنم ليشوَى فيها كما تُشوَى الشاة، وساءت جهنم مكانًا لمن صار إليها، وحل فيها.

فكُلُّ فرقةٍ من الكُفَّارِ والمُشرِكينَ تَتبَعُ ما كانت تَعبُدُ في الدُّنيا، فتَرِدُ النَّارَ مَعَ مَعبودِها، ولا يَبقى بَعدَ ذلك إلَّا من كان يَعبُدُ اللهَ وحدَه في الظَّاهرِ سَواءٌ كان صادِقًا أو مُنافِقًا من هذه الأمَّةِ وغَيرِها، ثُمَّ يَتَمَيَّزُ المُنافِقونَ عن المُؤمِنينَ بامتِناعِهم عن السُّجودِ، وكَذلك يَمتازونَ عنهم بالنُّورِ الذي يُقسَمُ للمُؤمِنينَ . القيامة الكبرى؛ لعمر الأشقر :ص: 275. ويُنظر: التخويف من النار لابن رجب:ص: 236-239.الدرر السنية/الموسوعة العقدية. 

 أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ، فقالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَومَ القِيامَةِ عن كَذا وكَذا، انْظُرْ أيْ ذلكَ فَوْقَ النَّاسِ؟ قالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بأَوْثانِها، وما كانَتْ تَعْبُدُ، الأوَّلُ فالأوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينا رَبُّنا بَعْدَ ذلكَ، فيَقولُ: مَن تَنْظُرُونَ؟ فيَقولونَ: نَنْظُرُ رَبَّنا، فيَقولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: حتَّى نَنْظُرَ إلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لهمْ يَضْحَكُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُ بهِمْ ويَتَّبِعُونَهُ، ويُعْطَى كُلُّ إنْسانٍ منهمْ مُنافِقًا، أوْ مُؤْمِنًا نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وعلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَن شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كالْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ سَبْعُونَ ألْفًا لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَأِ نَجْمٍ في السَّماءِ، ....."أخرجه مسلم (191) مطولًا..

أخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّاسَ عندما يَكونون في المَحشَرِ، يُنادى على كلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُممِ مع أوثانِهم التي كانوا يَعبدونها، فيأتون تِباعًا؛ الأوَّلُ ثُمَّ الذي يليه، والوثنُ هو الصَّنمُ، سواءٌ كانَ من خشبٍ، أو حجرٍ، أو غيرِه، وذلك من الخِزيِ والمَهانةِ؛ إذ يَعلَمونَ حينَها أنَّها آلهةٌ باطِلةٌ لا تُغني عنهم شيئًا، وتَشتدُّ الحَسرةُ على الخاسِرينَ.

ثُمَّ يُخبِرُ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه عن حالِ المؤمِنينَ، فيَقولُ"ثُمَّ يَأتينا ربُّنا بعْدَ ذلك" إتيانًا يَليقُ بجلالِه؛ لأنَّ المؤمِنينَ باللهِ لم يتَّبعوا إلهًا غيرَ اللهِ، فيَنتظرونَ أن يأتيَهمُ اللهُ ربُّهم ليَتَّبعوه، ولكنَّهم لم يرَوه من قبلُ، فكيفَ يَعرِفونَه؟ ولذلك يَسألُهمُ اللهُ يومَ القيامةِ: مَن تَنتظِرونَ؟ فيُجيبونَ: نَنتظِرُ ربَّنا، فيُخبِرُهم أنَّه ربُّهم، فيَطلُبون النَّظرَ إلى وَجهِه الكريمِ حتَّى يَعرِفوه، كما وُصِفَ لهُم في القرآنِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، فيَتجلَّى لهُمُ الحقُّ سُبحانَه -والتَّجلِّي هو الظُّهورُ وإزالةُ المانعِ منَ الرُّؤيةِ- وهو يضحَكُ ضَحِكًا يَليقُ بِذَاتِه، فيُعرِّفُهم نفسَه، فيَنطلِقُ بهِم ويتَّبِعونه، ويُعطي كلَّ إنسانٍ منهم -مُنافقٍ أو مُؤمِنٍ- نورًا، أمَّا المؤمِنُ فإنَّه يُعطى على مُقتضى إيمانِه وتَوحيدِه لله عزَّ وجلَّ، وأمَّا المُنافِقُ فإنَّه يُعطى نُورًا؛ إظهارًا لمُخادَعتِه المؤمِنينَ في الدُّنيا بإظهارِ إيمانِه.

ثُمَّ يتَّبِعونه عزَّ وجلَّ نَحوَ الصِّراطِ -وهو جِسرُ جَهنَّمَ- وعليه كَلاليبُ، جَمعُ كَلُّوبٍ، وهو الخُطَّافُ الذي يَخطَفُ النَّاسَ، "وحَسَكٌ" وهو نَباتٌ له ثَمرةٌ خَشِنةٌ تَتعلَّقُ بأصوافِ الغنَمِ وأوبارِ الإبلِ، وَرَقُه كوَرَقِ الرِّجلةِ أو أدقَّ، وعندَ وَرقِه شَوكٌ. ثُمَّ يُطفَأُ نُورُ المُنافِقينَ في هذا المَوقِفِ العَصيبِ جزاءً لنِفاقِهم، ثُمَّ يَنجو المُؤمِنون، ولا يَستطيعُ المُنافقون العُبورَ على الصِّراطِ والنَّجاةَ مِنَ الخَطاطيفِ الَّتي تُلقيهِم في النَّارِ.الدرر السنية.

قال صلى الله عليه وسلم "...... يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا،  فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في غيرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ، ويُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأكُونُ أوَّلَ مَن يُجِيزُ، ودُعَاءُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ...."الحديث. متفق عليه.

قال صلى الله عليه وسلم" يُجمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ في صَعيدٍ واحدٍ، ثمَّ يَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمينَ، ثمَّ يقالُ: ألَا تَتَّبِعُ كلُّ أُمَّةٍ ما كانوا يَعبُدون، فيَتمَثَّلُ لصاحِبِ الصليبِ صَليبُه، ولصاحِبِ الصُّوَرِ صُوَرُه، ولصاحِبِ النَّارِ نارُه، فيتَّبِعون ما كانوا يَعبُدون، ويَبقَى المسلمونَ، فيطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمين، فيقولُ: ألَا تتَّبِعون الناسَ؟ فيقولون: نَعوذُ باللهِ منكَ، نَعوذُ باللهِ منكَ، اللهُ ربُّنا، وهذا مكانُنا حتى نَرى ربَّنا، وهو يَأمُرُهم ويُثبِّتُهم، ثمَّ يَتَوارى، ثمَّ يَطَّلِعُ، فيقول: ألَا تتَّبِعون الناسَ؟ فيقولون: نعوذُ باللهِ منكَ، نعوذُ باللهِ منكَ، اللهُ ربُّنا، وهذا مكانُنا حتى نَرى ربَّنا، وهو يَأمُرُهم ويُثَبِّتُهم، قالوا: وهل نراه يا رسولَ اللهِ؟ قال: وهل تُضارُّون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البدرِ؟ قالوا: لا، قال: فإنَّكم لا تُضارُّون في رؤيَتِه تلك الساعةَ، ثم يَتوارى، ثمَّ يَطَّلِعُ فيُعَرِّفُهم نفْسَه، فيقولُ: أنا ربُّكم، أنا ربُّكم، اتَّبِعوني، فيقومُ المسلمون، ويوضَعُ الصراطُ ،........." الراوي : أبو هريرة - المحدث : شعيب الأرناؤوط - المصدر : تخريج المسند لشعيب - الصفحة أو الرقم: 8817 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

ولصاحِبِ الصُّوَرِ صُوَرُه : والمقصودُ بالصُّوَرِ والتَّصاويرِ كُلُّ مَعبودٍ كانَ على هَيئَةٍ مُصوَّرةٍ مِثلُ الأصنامِ وغيرِها.

"فيَتَّبِعون ما كانوا يَعْبُدون"، أي: يَنقسِمُ الناسُ أقسامًا بحَسَبِ عَقائدِهم خلْفَ مَعبوداتِهم التي كانتْ لهم في الدُّنيا، "ويَبْقى المُسلِمون" لا يَتَّبِعون أحدًا مِن تلك المَعبوداتِ الباطلةِ، وهم يَنتَظِرون ربَّهم اللهَ الحقَّ الذي يَعرِفُونه بعَلاماتٍ وأماراتٍ علَّمها لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،

"فيَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالَمينَ، فيقولُ: ألَا تتَّبِعون الناسَ؟" أي: تَذْهَبون معهم خلْفَ واحدٍ مِن هذه المَعبوداتِ؟

"فيَقولونَ: نَعوذُ باللهِ منك، نَعوذُ باللهِ منك"، أي: نَلْتَجِئُ بالدُّعاءِ إلى اللهِ أنْ يَحْمِيَنا مِن هذا القولِ. "وهو يأْمُرُهم ويُثَبِّتُهم"، قِيل: إنَّما اسْتَعاذوا منه أوَّلًا؛ لأنَّهم اعْتَقَدوا أنَّ ذلك الكلامَ اسْتِدراجٌ؛ لأنَّ اللهَ لا يَأمُرُ بالفَحشاءِ، ومِن الفَحْشاءِ اتِّباعُ الباطلِ وأهْلِه.الدرر السنية.

قال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله:

"وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مُيِّزُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ، قَالَ اللَّهُ" يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ "القلم: 43 .

وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ، خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وَدُعِيَ الْمُنَافِقُونَ إِلَى السُّجُودِ ، فَأَرَادُوهُ ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، عُقُوبَةً لِتَرْكِهِمُ السُّجُودَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ" وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ" القلم: 43 ؛ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، "وَهُمْ سَالِمُونَ "القلم: 43.- أي سالمون -  مِمَّا حَدَثَ فِي ظُهُورِهِمْ، مِمَّا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّجُودِ" انتهى من "تعظيم قدر الصلاة" :1/ 296..الإسلام سؤال وجواب.

عظم شأن الصلاة في الآخرة:

فقد ورد في الحديث الطويل "إذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَن أرَادَ مِن أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللَّهُ المَلَائِكَةَ: أنْ يُخْرِجُوا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فيُخْرِجُونَهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بآثَارِ السُّجُودِ، وحَرَّمَ اللَّهُ علَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلَّا أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتَحَشُوا فيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ...." الراوي : أبو هريرة وأبو سعيد الخدري -صحيح البخاري.

"إنَّ حَوْضِي لأَبْعَدُ مِن أيْلَةَ مِن عَدَنٍ والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنِّي لأَذُودُ عنْه الرِّجالَ كما يَذُودُ الرَّجُلُ الإبِلَ الغَرِيبَةَ عن حَوْضِهِ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وتَعْرِفُنا؟ قالَ: نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ ليسَتْ لأَحَدٍ غيرِكُمْ." الراوي : حذيفة بن اليمان - صحيح مسلم.

 

الصراط

 إنَّ من أُمور الغيبِ التي تقعُ في ذلك اليومِ ويجبُ الإيمانُ بها: الصراط،

فالصِّراطُ هو جسرٌ يُمَدُّ على ظهرِ جهنَّمَ، وهو طريقُ أهلِ المحشرِ لدخولِ الجنةِ- يَجتازُه المُسلِمون، ويكونُ هناك تَفاضُلٌ في المرورِ عليه يومَ القيامةِ؛ فالمؤمِنون يَنْجُون مِن السُّقوطِ في جَهنَّمَ، ومِن النَّاسِ مَن يُطرَحُ ويسقُطُ في النَّارِ، فإذا عُوقبوا على ذُنوبِهم أُخرِجوا منها إلى الجنَّةِ، ما لم يَكونوا كافِرينَ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلُ مَن يَجتازُ الصِّراطَ بأمَّتِه، وكلامُ الأنبياءِ يومَئذٍ: اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ.

عن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان :قالا : قال صلى الله عليه وسلم "وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرَّحِمُ، فَتَقُومانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ قالَ: قُلتُ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي أيُّ شيءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قالَ: ألَمْ تَرَوْا إلى البَرْقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بهِمْ أعْمالُهُمْ ونَبِيُّكُمْ قائِمٌ علَى الصِّراطِ يقولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حتَّى تَعْجِزَ أعْمالُ العِبادِ، حتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلَّا زَحْفًا، قالَ: وفي حافَتَيِ الصِّراطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ به، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، ومَكْدُوسٌ في النَّارِ.  صحيح مسلم.

 وقد دلَّت الأدلةُ من الكتابِ والسُّنةِ على إثباته.

وصف الصِّراطُ: جِسرٌ مَمْدودٌ على مَتْنِ جَهَنَّمَ أدقُّ مِن الشَّعرِ وأحدُّ مِن السَّيفِ، وفي جَهنَّمَ كَلاليبُ -جمْعُ كَلُّوبٍ، وهو حَديدةٌ مُعوَجَّةُ الرَّأْسِ ذاتُ شُعَبٍ يُعَلَّق بهَا اللَّحْمُ- مِثْلُ شَوْكِ السَّعدانِ، وهو نَبتٌ له شَوْكٌ مِن جَيِّدِ مَراعي الإبلِ، يُضرَبُ به المثَلُ، فتَخطَفُ النَّاسَ بسُرعةٍ، بسَببِ أعمالِهم السَّيِّئةِ، أو على حسَبِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن يُوبَقُ، أي: يُهلَكُ، ومنهم مَن يُخَرْدَلُ، أي: يُقطَّعُ صِغارًا كالخَرْدَلِ، والمعنى: أنَّه تُقطِّعُه كَلاليبُ الصِّراطِ حتَّى يَهوِيَ إلى النَّارِ، ثمَّ يُنجِّي اللهُ تعالى منها مَن كان يَعبُدُ اللهَ وحْدَه، وهم المؤمنون الخُلَّصُ؛ إذ الكافرُ لا يَنْجو منها أبدًا وَيبقى خَالِدًا فِيهَا.

الألوكة:حال المؤمنين والمنافقين على الصراط. الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح. مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار"

قال صلى الله عليه وسلم " يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غيرَ أنَّه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَن يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومِنْهُمْ مَن يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حتَّى إذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَن أرَادَ مِن أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللَّهُ المَلَائِكَةَ: أنْ يُخْرِجُوا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فيُخْرِجُونَهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بآثَارِ السُّجُودِ، وحَرَّمَ اللَّهُ علَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلَّا أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتَحَشُوا فيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بيْنَ العِبَادِ ويَبْقَى رَجُلٌ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ وهو آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ مُقْبِلٌ بوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فيَقولُ: يا رَبِّ اصْرِفْ وجْهِي عَنِ النَّارِ، قدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فيَقولُ: هلْ عَسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذلكَ بكَ أنْ تَسْأَلَ غيرَ ذلكَ؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ، فيُعْطِي اللَّهَ ما يَشَاءُ مِن عَهْدٍ ومِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أقْبَلَ به علَى الجَنَّةِ، رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فيَقولُ اللَّهُ له: أليسَ قدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ، أنْ لا تَسْأَلَ غيرَ الذي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فيَقولُ: يا رَبِّ لا أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ، فيَقولُ: فَما عَسَيْتَ إنْ أُعْطِيتَ ذلكَ أنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسْأَلُ غيرَ ذلكَ، فيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ مِن عَهْدٍ ومِيثَاقٍ، فيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا، وما فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَسْكُتَ، فيَقولُ: يا رَبِّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فيَقولُ اللَّهُ: ويْحَكَ يا ابْنَ آدَمَ، ما أغْدَرَكَ، أليسَ قدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ، أنْ لا تَسْأَلَ غيرَ الذي أُعْطِيتَ؟ فيَقولُ: يا رَبِّ لا تَجْعَلْنِي أشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ منه، ثُمَّ يَأْذَنُ له في دُخُولِ الجَنَّةِ، فيَقولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حتَّى إذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: مِن كَذَا وكَذَا، أقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حتَّى إذَا انْتَهَتْ به الأمَانِيُّ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: لكَ ذلكَ ومِثْلُهُ معهُ" قالَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قالَ اللَّهُ: لكَ ذلكَ وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ، قالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَمْ أحْفَظْ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا قَوْلَهُ: لكَ ذلكَ ومِثْلُهُ معهُ قالَ أبو سَعِيدٍ: إنِّي سَمِعْتُهُ يقولُ: ذلكَ لكَ وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ."الراوي : أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - صحيح البخاري.

الظُّلْمَةُ قَبْل الصِّرَاطِ ومَنْ يُعْطَى النُّورُ ليمْشِي به على الصِّرَاطِ: فبعدما يُلقى الكفار بأنواعهم، وأصنافهم في دار قرارهم النار، وبئس القرار، يبقى على عرصات يوم القيامة المؤمنون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، ينتظرون مآلهم، ودار قرارهم، وينصب الجسر -الصراط- فوق جهنم، وحينئذ تُلقى عليهم الظُّلمة، وهذه الظُّلمة تكون قبل الصراط.

ويدل على ذلك هذا الحديث: سأل يهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيْنَ يَكونُ النَّاسُ يَومَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأرْضِ والسَّمَوَاتُ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ قالَ: فمَن أوَّلُ النَّاسِ إجَازَةً؟ قالَ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ ..." الحديث . الراوي : ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -صحيح مسلم .

إذن: هناك ظلمة تكون قبل الصراط، وهذه الظلمة إنما تأتي على المؤمنين والمنافقين، بعدما يتساقط الكفار في نار جهنم مع معبوداتهم، وينتظر المؤمنون وفيهم المنافقون الله جلّ وعلا، فيأتي الله جلّ وعلا بغير الصورة التي يعرفون، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفون، فيسألهم بأي علامة تعرفون ربكم؟ فيقولون بالساق: فيكشف الله تعالى عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى المنافقون الذين كانوا يصلون رياء وسمعة، لا يستطيعون السجود، كلما أراد أحدهم السجود عاد ظهره طبقًا واحدًا" يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ "القلم:42.

ومن هنا تبدأ نهاية المنافقين، ويعطي الله تعالى كل مؤمن ومنافق نورًا، وتغشاه ظلمة، ويبدأ السير في الصراط لكن هناك يطفئ نور المنافق فيتيه، فيطلب من المؤمن نورًا؛ لأن مع المؤمن نورًا لا ينطفئ؛ بل دعاء المؤمنين حين يرون انطفاء نور المنافقين: ربنا أتمم لنا نورنا، فالمؤمن قد استنار بهذا الدين في الدنيا، وعمل بطاعة الله تعالى.

بخلاف ذلك المنافق الذي وإن أظهر الدين في الدنيا، فإنما هو مزيف يخفي ما لا يبدي، فجُوزِي من جنس عمله، فأُعطي نورًا مضطربًا، كما كان يحمل دينًا مضطربًا، ولم يتمسك بالإيمان على الحقيقة وإنما ظاهرًا، فيطلب المنافقون من المؤمنين أن ينتظروهم، ويعطوهم نورًا، ويقولون للمؤمنين: كنَّا في الدنيا معكم، وعلى منهجكم، فيردون: بأنكم كنتم على غواية، وفتنة، ونفاق، وضلال، واغترار بالدنيا، فحينئذ لو قدَّم المنافقون أي شيء فداء لذلك الموقف؛ لن يقبل منهم.

ثم يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، فإذا رجعوا خُدِعوا – كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، يجازون بجنس أعمالهم، فإذا رجعوا ضُرِب بين المؤمنين، والمنافقين بسور له باب، هذا الباب باطنه فيه الرحمة؛ وهي الجهة التي للمؤمنين، حيث مآلهم الرحمة، والجنة، وظاهره من قبله العذاب؛ وهي جهة المنافقين، حيث مآلهم إلى العذاب، والنار - نسأل الله السلامة والعافية -.

فدَلَّ ذلك على أن العبور على الصراط يكون في ظلام إلا من أعطاه الله تعالى نورًا يمشي به.

وأهل النفاق يُطفأ نورهم قبل بدء المرور على الصراط ويحال بينهم وبين المؤمنين بسور، كما قال تعالى" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * "الحديد:13، 14.

هذا حال المنافقين على الصراط، أمَّا المؤمنون فإنهم يدعون الله تعالى أن يتمم لهم النور، قال تعالى" يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّـهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "التحريم:3.

ويبشرون بالجنات فيا لها من سعادة عظيمة، ولحظة تطير النفس لها شوقًا: " يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "الحديد:12.

قال الحسنِ البصري، أنه كان إذا قرَأ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ. قال "يُلْقَى على كلِّ مؤمنٍ ومُنافقٍ نورٌ يَمْشون به، حتى إذا ‌انتَهَوا ‌إلى ‌الصراطِ، طُفِيء نورُ المنافقين، ومضَى المؤمنون بنورِهم، فيُنادُونهم: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ إلى قوله: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ"الحديد: 13، 14. قال الحسنُ: فتلك خَدِيعَةُ اللَّهِ إياهم". "تفسير الطبري" 7/ 612.

قال صلى الله عليه وسلم "يُجْمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ ......إلى، أن قال : فيُعْطَوْنَ نُورَهم على قَدْرِ أعمالِهم، وقال : فمنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ الجبلِ بينَ يَدَيْهِ، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه فوقَ ذلك، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ النخلةِ بيمينِهِ، ومنهم مَن يُعْطَى دون ذلك بيمينِه، حتى يكونَ آخِرُ مَن يُعْطَى نُورَه على إبهامِ قَدِمِه، يُضِيءُ مَرَّةً ويُطْفِئُ مَرَّةً، وإذا أضاء قَدَّمَ قَدَمَه، وإذا طَفِئَ قام، قال فيَمُرُّ ويَمُرُّونَ على الصراطِ، والصراطُ كحَدِّ السَّيْفِ، دَحْضٌ، مَزَلَّةٌ، فيُقالُ لهم، امْضُوا على قَدْرِ نورِكم، فمنهم مَن يَمُرُّ كانْقِضاضِ الكوكبِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ ، يَرْمُلُ رَمَلًا، فيَمُرُّونَ على قَدْرِ أعمالِهِم، حتى يَمُرَّ الذي نورُه على إبهامِ قَدَمِه، تَخِرُّ يَدٌ، وتَعْلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجْلٌ، وتَعْلَقُ رِجْلٌ، وتُصِيبُ جوانبَه النارُ فيَخْلُصُونَ، فإذا خَلَصُوا قالوا : الحمدُ للهِ الذي نَجَّانا منكِ بعدَ أن أَرَانَاكِ، لقد أعطانا اللهُ ما لم يُعْطَ أَحَدٌ"خلاصة حكم المحدث : صحيح - الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : شرح الطحاوية .

"فيُعْطَون نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم" التي كانوا يَعمَلونها في الدُّنيا؛ حتى يَستطِيعوا المُرورَ على الصِّراطِ، "فمِنهم مَن يُعْطى نُورَه مِثلَ الجبَلِ بيْن يدَيْه"، أي: في سَعتِه وارتفاعِه، فيكونُ هذا النُّورُ أمامَهم مُضيئًا لهم على الصِّراطِ، "ومِنهم مَن يُعْطى نُورَه فوقَ ذلك"، أي: يكونُ نُورُه أكبَرَ مِن الجَبلِ، "ومِنهم مَن يُعْطى نُورَه مِثلَ النَّخلةِ بيَمينِه"، أي: عَمودًا مِن النُّورِ مِثلَ النَّخلةِ في يَدِه اليُمنى، "ومِنهم مَن يُعطَى دونَ ذلك بيَمينِه، حتى يكونَ آخِرُ ذلك مَن يُعْطى نُورَه على إبهامِ قدَمِه؛ يُضِيءُ مرَّةً، ويُطفِئُ مرَّةً، فإذا أضاء قدَّمَه، وإذا طفِئَ قام"، أي: ليس نورًا ثابتًا في الإضاءةِ، فإذا أضاء هذا النُّورُ الذي هو على إبهامِه مَشى على الصِّراطِ، وإذا طُفِئَ وقَفَ، ولم يمُرَّ حتى يُضِيءَ مرَّةً أُخرى، فيَمُرَّ على الصِّراطِ، وهذا النُّورُ إنما هو على قدْرِ ما كانوا عليه في الدُّنيا مِن الأعمالِ الصالحةِ والخيرِ، "قال: فيَمُرُّ ويَمُرُّون على الصِّراطِ"، أي: يَجتازُ الصِّراطَ مَن كان نُورُه على قدْرِ إبهامِه ومَن كانوا أكثَرَ منه نُورًا. وصِفةُ هذا الصِّراطِ أنَّه "كحَدِّ السَّيفِ" في رِقَّتِه وحِدَّتِه، "دَحْضٌ مَزَلَّةٌ" والدَّحضُ والمَزلَّةُ بمعنًى واحدٍ؛ وهو الموضعُ الذي تَزِلُّ فيه الأقدامُ ولا تَستقِرُّ، ثم يُقال لمَن يَمُرُّ مِن فوقِه "امْضُوا على قدْرِ نُورِكم"، أي: انْجُوا ومُرُّوا عليه على قدْرِ هذا النُّورِ الذي أخَذْتُموه. فمِن الناسِ مَن يمُرُّ عليه "كانقِضاضِ الكوكبِ"، أي: كسُقوطِه، وفي هذا إشارةٌ إلى سُرعتِه، "ومِنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ"، أي: كسُرعةِ الرِّيحِ، "ومِنهم مَن يمُرُّ كالطَّرْفِ،"، أي: كسُرعةِ طَرْفِ العَينِ، "ومِنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ، ويَرمُلُ رمَلًا"، أي: يَسيرُ في خُطواتٍ مُتقارِبةٍ، "فيمُرُّون على قدْرِ أعمالِهم، حتى يمُرَّ الذي نُورُه على إبهامِ قَدَمِه: تَخِرُّ يَدٌ، وتَعلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجلٌ، وتَعلَقُ رِجلٌ"، أي: فيمُرُّ مِن على الصِّراطِ، فيَسيرُ على قدْرِ هذا النُّورِ؛ فتَضرِبُه النارُ مرَّةً، ويَسِيرُ مرَّةً، وتَسقُطُ إحدى يَدَيْه ويُمسِكُ بالأُخرى، "وتُصِيبُ جَوانِبَه النارُ"، أي: تَلسَعُ النارُ جانِبَيْه، "فيَخلُصُوا، فإذا خَلَصوا قالوا: الحمْدُ للهِ الذي نجَّانا منكِ بعدَ الذي أراناكِ، لقد أعْطَانا اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا"، أي: فإذا تَحقَّقوا أنَّهم قد نَجَوا منها يَحمَدون اللهَ عزَّ وجلَّ على هذه النِّعمةِ العظيمةِ، ويَتصوَّرون أنَّ أحدًا مِن الناسِ لم يفُزْ بمِثلِها؛ وهذا مِن شِدَّةِ الأهوالِ التي وُصِفَت، وشِدَّةِ الخوفِ مِن السُّقوطِ والخُلودِ في النارِ. الدرر السنية.

قال القرطبي رحمه الله "تفكر الآن فيما يحل من الفزع بالفؤاد، إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغَيُّظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض فضلًا عن حدة الصراط؛ فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون، فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فياله من منظر ما أفظعه! ومرتق ما أصعبه! ومجاز ما أضيقه!"؛ التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة .ا.هـ.

 

http://iswy.co/e2g6li

 

الشفاعة : أنواع الشفاعة في الآخرة
فأما الشفاعة التي تكون في الآخرة فهي نوعان:
الشفاعة الخاصة
وهي التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة لا يشاركه فيها غيره من الخلق وهي أقسام:

قال ابنُ رَجَبٍ: وأمَّا الشَّفاعةُ الَّتي اختَصَّ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بينِ الأنبياءِ، فليسَت هي الشَّفاعةَ في خُرُوجِ العُصاةِ مِنَ النَّارِ؛ فإنَّ هذه الشَّفاعةَ يُشارِكُ فيها الأنبياءُ والمُؤمِنونَ أيضًا، كَما تَواتَرتَ بذَلِكَ النُّصُوصُ، وإنَّما الشَّفاعةُ الَّتي يَختَصُّ بها مَن دُونَ الأنبياءِ أربَعةُ أنواعٍ:

أحَدُها: شَفاعتُه لِلخَلقِ في فصلِ القَضاءِ بينَهم.

والثَّاني: شَفاعتُه لِأهلِ الجَنةِ في دُخُولِ الجَنةِ.

والثَّالِثُ: شَفاعتُه في أهلِ الكَبائِرِ مِن أهلِ النَّارِ، فقَد قيلَ: إنَّ هذه يَختَصُّ هو بها.

والرَّابعُ: كَثرةُ مَن يَشفَعُ لَه مِن أمَّتِه؛ فإنَّه وفَّرَ شَفاعتَه وادَّخَرَها إلى يَومِ القيامةِ.ا.هـ.فتح الباري:2/ 22.

أحَدُها: شَفاعتُه لِلخَلقِ في فصلِ القَضاءِ بينَهم.وهي الشفاعة العظمى :
 
وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه، في قوله تعالى" وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا "سورة الإسراء/79.

وحقيقة هذه الشفاعة هي أن يشفع لجميع الخلق حين يؤخر الله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد،وسبق أن فصلنا ما ورد فيها.

والثَّاني: شَفاعتُه لِأهلِ الجَنةِ في دُخُولِ الجَنةِ. بعد عبور الصراط-يجري نحو ما جرى من تدافع وتراجع الأنبياء عن الشفاعة في ذلك، فيشفع أيضًا لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وفي كل ذلك إظهار لشرفه صلى الله عليه وسلم، وإعلاء لقدره، وإظهار لكرمه على ربه.

" أنا أوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ في الجَنَّةِ وأنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم

 

 

"آتي بابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فأسْتفْتِحُ، فيَقولُ الخازِنُ: مَن أنْتَ؟ فأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فيَقولُ: بكَ أُمِرْتُ لا أفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ.الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم .

والثَّالِثُ: شَفاعتُه في أهلِ الكَبائِرِ مِن أهلِ النَّارِ." شفاعتي لأهلِ الكبائرِ مِن أمتي. "الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم: 4739 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

والرَّابعُ: كَثرةُ مَن يَشفَعُ لَه مِن أمَّتِه؛ فإنَّه وفَّرَ شَفاعتَه وادَّخَرَها إلى يَومِ القيامةِ.

يَروي التَّابعيُّ مَعبدُ بنُ هِلالٍ العَنزيُّ أنَّه اجتَمَعَ مع جَماعةٍ من أهلِ البَصرةِ -وهي مدينةٌ بالعراقِ-، فذَهَبوا إلى أنسٍ في قَصرِه، والمُرادُ به بَيتُه الذي يَبعُدُ عنِ البَصرةِ نحوَ 6 كيلومتراتٍ تَقريبًا، وكانَ من عادةِ التَّابِعينَ أنَّهم يَتردَّدون على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليَتعلَّموا منهمُ العِلمَ وسُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد أخَذوا معهم ثابِتًا البُنانيَّ، وكانَ من أخصِّ تلاميذِ أنسٍ رَضيَ اللهُ عنه وأقرِبِهم له، وطلَبوا منه أن يَسألَه عن حَديثِ الشَّفاعةِ:

"أهْلُ الجنَّةِ عِشرونَ ومائةُ صفٍّ ثمانونَ منها من هذهِ الأمَّةِ وأربَعونَ من سائرِ الأممِ "الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم: 2546 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

أي: ثَمانون صفًّا مِن أمَّةِ الإسلامِ، "وأربعون مِن سائِرِ الأُمَمِ"، أي: أربعون صفًّا مِن باقي الأمَمِ، فيَزِيدُ بذلك عدَدُ أمَّةِ الإسلامِ عن النِّصفِ فيَصِلُ إلى الثُّلثينِ مِن جملَةِ الصُّفوفِ الَّتي تدخُلُ الجنَّةَ؛ كرامَةً مِن اللهِ سبحانه وتعالى لهذه الأمَّةِ. الدرر السنية.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:  وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا.فَقَالَ:  أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا.فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا" رواه البخاري :3348. ومسلم :222.

شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب:
سَأَل العَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ رضِي اللهُ عنه رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له"يَا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَفَعْتَ أبَا طَالِبٍ بشيءٍ، فإنَّه كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ."الراوي : العباس بن عبدالمطلب - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6208 - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
"
هو في ضَحْضَاحٍ مِن نارٍ"، الضحضاح من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضًا لما قرب من الماء، وهو ضد الغمرة، والمعنى: أنه خفف عنه العذاب...
"لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ" أي: في الطَّبَقِ الذي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّها مُتَدارِكة مُتَتابِعة بعضُها فوقَ بعضٍ.

فأعمام الرسول عليه الصلاة والسلام عشرة ، أدرك الإسلام منهم أربعة ؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان :
ـ فالكافران هما : أبو لهب : وقد أساء إلى النبى صلى الله عليه وسلم إساءة عظيمة ، وأنزل الله فيه وفي امرأته سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما - سورة المسد .
والآخر:أبو طالب :وقد أحسن إلى الرسول إحسانًا مشهورًا،وكان من حكمة الله عز وجل أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول عليه الصلاة ، بل كان يؤذي كما يؤذَى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي عليه الصلاة والسلام جانب من الحماية بذلك.
ولكنه مات كافرًا:
فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ "أنَّ أبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ" أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لكَ بهَا عِنْدَ اللَّهِ" فَقَالَ أبو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حتَّى قَالَ آخِرَ شيءٍ كَلَّمَهُمْ بهِ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، ما لَمْ أُنْهَ عنْه ،فَنَزَلَتْ"ما كانَ للنبيِّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ"التوبة: 113. ونَزَلَتْ"إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ" القصص:56" صحيح البخاري.
واللذان أسلما هما العباس وحمزة ، وهو أفضل من العباس ، حتى لقبه الرسول عليه الصلاة والسلام أسد الله ، وقُتِلَ شهيدًا في أُحد رضي الله عنه وأرضاه ، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء.
*
قال صلَّى الله عليه وسلَّم "سيدُ الشهداءِ عندَ اللهِ يومَ القيامَةِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلِبِ" صحيح  الجامع  للشيخ الألباني رحمه الله.

الشفاعة العامة:

ومعنى العموم أن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عبادِه الصالحينَ أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم.

أما شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم فقد وردت الأحاديث الصحيحة أن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، قالَ تعالى" وَكَم مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى" النجم :26.. كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهو حديث طويل وفيه " فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ..." إلى آخر الحديث. صحيح مسلم.، وهو يدل على أن الأنبياء وعلى أن الملائكة والمؤمنين يشفعون يوم القيامة.كما أنه ورد في الصحيح إثبات شفاعة الشهداء، وفي ذلك حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" للشَّهيدِ عِندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ : يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ ويَرى مقعدَه منَ الجنَّةِ ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ ويأمنُ منَ الفَزعِ الأكبرِ ويُوضعُ علَى رأسِه تاجُ الوقارِ الياقوتةُ مِنها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها ويزوَّجُ اثنتَينِ وسبعينَ زَوجةً منَ الحورِ العينِ ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه "الراوي : المقدام بن معدي كرب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم 1663  خلاصة حكم المحدث : صحيح

وورد كذلك شفاعة الصيام والقرآن، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ : أَيْ رَبِّ ! إني مَنَعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشَفِّعْنِي فيه، ويقولُ القرآنُ : مَنَعْتُهُ النومَ بالليلِ، فشَفِّعْنِي فيه ؛ فيَشْفَعَانِ "خلاصة حكم المحدث : حسن -الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : هداية الرواة .

شفاعة الصالحين: الصَّالِحونُ من المُؤمِنينَ يَشفَعونَ في إخراجِ المُؤمِنينَ الذينَ دَخَلوا النَّارَ تَطهيرًا لهم.

جاء في صحيح مسلم :269: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُناشَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيَقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا." الراوي : أبو سعيد الخدري-صحيح مسلم.

القنطرة

عن أبي سعيد الخدري، عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا."الراوي : أبو سعيد الخدري -صحيح البخاري.

فإن أهل الجنة إذا عَبَرُوا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يُهَذَّبُوا ويُنَقُّوا ثم يُؤذَن لهم في دخول الجنة فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.الشيخ محمد بن صالح  العثيمين

 . فمن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
قال الشيخ العثيمين في شرحه للعقيدة الواسطية:
وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عرصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هُذِّبُوا ونُقوا ؛ أُذِنَ لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب ، حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادًا فيه من غيره، وإلا ؛ فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
وهو صريح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"يجمعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامَةِ ، فيقومُ المؤمنونَ حينَ تُزْلَفُ لهم الجنةُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : يا أبانا ! استفتِحْ لنا الجنةَ ، فيقولُ : وهلْ أخرجَكُمْ مِنَ الجنةِ إلَّا خطيئةُ أبيكم آدمَ ، لستُ بصاحبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى ابني إبراهيمَ خليلِ اللهِ...." الحديث.
وفيه"فيأتونَ محمدًا ، فيقومُ فيؤذَنُ له.." الحديث.صحيح الجامع..
*عن عبادة بن الصامت قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ." صحيح مسلم.
عن أبي سعيد الخدري عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا."الراوي : أبو سعيد الخدري - صحيح البخاري .


 اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.