تفسير سورة النبأ
سورةُ النَّبَأِ مَكِّيَّةٌ، نَقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِن المفَسِّرينَ.ممَّن نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عطيَّةَ، وابنُ الجَوزيِّ. يُنظر: تفسير ابن عطية:5/394، تفسير ابن الجوزي:4/387.
مقاصدُ السورةِ:
مِنْ أهَمِّ مَقاصِدِ السُّورةِ:
إثباتُ البَعثِ، وتهويلُه، وإنذارُ مُنكِريه.موسوعة التفسير. الدرر السنية.
موضوعاتُ السورةِ:
مِن أهمِّ الموضوعاتِ الَّتي اشتَمَلَتْ عليها السُّورةُ:
1-
سؤالُ المُشرِكينَ عن القُرآنِ الَّذي جاء به محمَّدٌ صلَّى الله عليه
وسلَّم وما اشتَمَل عليه مِن التَّوحيدِ والبَعثِ إلى غيرِ ذلك، وتهديدُهم
بسُوءِ المصيرِ إذا ما استمَرُّوا في طُغيانِهم وإنكاِرهم لِما جاء به
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
2- إقامةُ الأدِلَّةِ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وعلى عظيمِ قُدرتِه، وإمكانِ حُصولِ البَعثِ.
3- ذِكرُ أحداثِ يومِ القيامةِ، ووَصْفُ أهوالِه.
4- بيانُ ما أعَدَّه اللهُ سُبحانَه للكافِرينَ مِن عذابٍ في جهنَّمَ.
5- بيانُ ما أعَدَّه اللهُ عزَّ وجلَّ للمُتَّقينَ مِن النَّعيمِ في الجنَّةِ.
6- تقريرُ أنَّ يومَ القيامةِ حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وأنَّه يَنبغي تقديمُ العَمَلِ الصَّالحِ مِن قَبلِ أن يأتيَ هذا اليومُ.
7- الإنذارُ بعذابٍ قَريبٍ، وعَرْضُ الأعمالِ على العبادِ؛ خَيرِها وشَرِّها، وتمنِّي الكافِرِ في ذلك اليومِ أنْ لو كان تُرابًا.موسوعة التفسير. الدرر السنية.
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ:
ولفظُ "عَمَّ" مركبٌ من كلمتينِ، هما حرفُ الجرِّ "عنْ" و "مَا" التي هي اسمُ استفهامٍ، فأصلُّ هذا اللفظِ"عنْ مَا" فأدغمت النون في الميم .- حرفُ جرٍّ، دخلَ علَى ما الاستفهاميةِ.
وحذفت الألف لأنها أُدمجت بحرف الجر "عَنْ" فصارَا ككلمةٍ واحدةٍ، وتخفيفًا لكثرةِ الاستعمالِ في الكلامِ، وللتفرقةِ بينَ "ما" الاستفهامية و"ما" الموصولة أو الخبرية.
كتاب التفسير الوسيط لطنطاوي.بتصرف من مصادر أخرى.
افتَتَح اللهُ
تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بأُسلوبِ الاستِفهامِ؛ لِتَشويقِ السَّامِعِ
إلى المُستفهَمِ عنه، ولتَهويلِ أَمْرِه، وتَعظيمِ شَأنِه، قائِلًا
سُبحانَه: عن أيِّ شَيءٍ يَتساءَلُ مُشرِكو قُرَيشٍ؟
وقيلَ: هو سؤالُ استِهزاءٍ أو تَعجُّبٍ، وإنَّما هم موقِنونَ بالتَّكذيبِ.تفسير ابن عاشور.
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ :عن الخَبَرِ العَظيمِ،
وهو القُرآنُ وما اشتَمل عليه مِن التَّوحيدِ والبَعْثِ وغيرِ ذلك.
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "3.
مختلفونَ فيما بينهم ؛ ما بينَ منكر له
إنكارًا تامًّا، كما حكى- سبحانه- عنهم في قوله" إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا
الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ "المؤمنون:37. وما بين
متردد في شأنه، كما حكى- سبحانه- عن بعضهم في قولِهِ" وَإِذا قِيلَ إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي
مَا السَّاعَةُ، إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
"الجاثية:32.
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "4" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "5.
ثم هددَ- سبحانَهُ- هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم تهديدًا شديدًا.
كَلَّا:
حرْفُ رَدْعٍ وإبطالٍ لشَيءٍ يَسبِقُه غالبًا في الكلامِ، يَقتضي ردْعَ
المنسوبِ إليه، وإبطالَ ما نُسِب إليه، وهو هنا رَدعٌ لِلَّذينَ: يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "النَّبأ: 1-3،
وإبطالٌ لِما تَضمَّنَتْه جملةُ يَتَسَاءَلُونَ مِنْ تَساؤلٍ مَعلومٍ
للسَّامِعينَ، فمَوقعُ الجملةِ مَوقعُ الجوابِ عن السُّؤالِ؛ ولذلك
فُصِلَتْ ولم تُعطَفْ؛ لأنَّ ذلك طَريقةُ السُّؤالِ والجوابِ، والكلامُ
وإنْ كان إخبارًا عنهم فإنَّهم المقصودونَ به، فالرَّدعُ موجَّهٌ إليهم
بهذا الاعتبارِ، والمعنى: إبطالُ الاختِلافِ في ذلك النَّبأِ، وإنكارُ
التَّساؤلِ عنه، ذلك التَّساؤلُ الَّذي أرادوا به الاستهزاءَ وإنكارَ
الوُقوعِ، وذلك يُثبِتُ وُقوعَ ما جاءَ به النَّبأُ وأنَّه حقٌّ؛ لأنَّ
إبطالَ إنكارِ وُقوعِه يُفْضي إلى إثباتِ وُقوعِه.تفسير
الزمخشري:4/684، تفسير البيضاوي:5/278، تفسير أبي حيان:10/383، فتح الرحمن
للأنصاري "ص: 595، تفسير أبي السعود :9/85، تفسير ابن عاشور:30/11.
والغالبُ في استعمالِ "كَلَّا" أنْ تُعقَّبَ بكلامٍ يُبيِّنُ ما أجمَلتْه مِن الرَّدعِ والإبطالِ؛ فلذلك عُقِّبتْ هنا بقولِه: سَيَعْلَمُونَ، وهو زيادةٌ في إبطالِ كلامِهم بتحقيقِ أنَّهم سيُوقِنونَ بوُقوعِه، ويُعاقَبونَ على إنكارِه،
فَهُمَا عِلْمانِ يَحصُلانِ لهم: عِلمٌ بحقِّ وُقوعِ البعثِ، وعِلمٌ في
العِقابِ عليه، ولذلك حُذِفَ مَفعولُ سَيَعْلَمُونَ؛ ليَعُمَّ
المَعلومَيْنِ؛ فإنَّهم عندَ الموتِ يَرَون ما سيَصيرون إليه بعدَ الموتِ.تفسير ابن عاشور:30/11، 12.
كُرِّرَ قولُه: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ؛
لأنَّ الأوَّلَ تَوعُّدٌ للكُفَّارِ بما يَرَونَه عِندَ النَّزعِ،
والثَّانيَ تَوعُّدٌ لهم بما يَصيرونَ إليه مِن عذابِ الآخِرةِ، أو
الأوَّلَ تَوعُّدٌ بأهوالِ القيامةِ، والثَّانيَ تَوعُّدٌ بما بعدَها مِن
النَّارِ وحَرِّها، أو الأوَّلَ رَدعٌ عن الاختِلافِ، والثَّانيَ عن الكفرِ
.تفسير البيضاوي:5/278، فتح الرحمن للأنصاري :ص: 595، تفسير أبي السعود:9/85.
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِّلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)