كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "4" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "5.
ثم هددَ- سبحانَهُ- هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم تهديدًا شديدًا.
كَلَّا:
حرْفُ رَدْعٍ وإبطالٍ لشَيءٍ يَسبِقُه غالبًا في الكلامِ، يَقتضي ردْعَ
المنسوبِ إليه، وإبطالَ ما نُسِب إليه، وهو هنا رَدعٌ لِلَّذينَ: يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "النَّبأ: 1-3،
وإبطالٌ لِما تَضمَّنَتْه جملةُ يَتَسَاءَلُونَ مِنْ تَساؤلٍ مَعلومٍ
للسَّامِعينَ، فمَوقعُ الجملةِ مَوقعُ الجوابِ عن السُّؤالِ؛ ولذلك
فُصِلَتْ ولم تُعطَفْ؛ لأنَّ ذلك طَريقةُ السُّؤالِ والجوابِ، والكلامُ
وإنْ كان إخبارًا عنهم فإنَّهم المقصودونَ به، فالرَّدعُ موجَّهٌ إليهم
بهذا الاعتبارِ، والمعنى: إبطالُ الاختِلافِ في ذلك النَّبأِ، وإنكارُ
التَّساؤلِ عنه، ذلك التَّساؤلُ الَّذي أرادوا به الاستهزاءَ وإنكارَ
الوُقوعِ، وذلك يُثبِتُ وُقوعَ ما جاءَ به النَّبأُ وأنَّه حقٌّ؛ لأنَّ
إبطالَ إنكارِ وُقوعِه يُفْضي إلى إثباتِ وُقوعِه.تفسير
الزمخشري:4/684، تفسير البيضاوي:5/278، تفسير أبي حيان:10/383، فتح الرحمن
للأنصاري "ص: 595، تفسير أبي السعود :9/85، تفسير ابن عاشور:30/11.
والغالبُ في استعمالِ "كَلَّا" أنْ تُعقَّبَ بكلامٍ يُبيِّنُ ما أجمَلتْه مِن الرَّدعِ والإبطالِ؛ فلذلك عُقِّبتْ هنا بقولِه: سَيَعْلَمُونَ، وهو زيادةٌ في إبطالِ كلامِهم بتحقيقِ أنَّهم سيُوقِنونَ بوُقوعِه، ويُعاقَبونَ على إنكارِه،
فَهُمَا عِلْمانِ يَحصُلانِ لهم: عِلمٌ بحقِّ وُقوعِ البعثِ، وعِلمٌ في
العِقابِ عليه، ولذلك حُذِفَ مَفعولُ سَيَعْلَمُونَ؛ ليَعُمَّ
المَعلومَيْنِ؛ فإنَّهم عندَ الموتِ يَرَون ما سيَصيرون إليه بعدَ الموتِ.تفسير ابن عاشور:30/11، 12.
كُرِّرَ قولُه: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ؛
لأنَّ الأوَّلَ تَوعُّدٌ للكُفَّارِ بما يَرَونَه عِندَ النَّزعِ،
والثَّانيَ تَوعُّدٌ لهم بما يَصيرونَ إليه مِن عذابِ الآخِرةِ، أو
الأوَّلَ تَوعُّدٌ بأهوالِ القيامةِ، والثَّانيَ تَوعُّدٌ بما بعدَها مِن
النَّارِ وحَرِّها، أو الأوَّلَ رَدعٌ عن الاختِلافِ، والثَّانيَ عن الكفرِ
.تفسير البيضاوي:5/278، فتح الرحمن للأنصاري :ص: 595، تفسير أبي السعود:9/85.
لَمَّا حكى
اللهُ تعالى عنهم إنكارَ البَعثِ والحَشرِ، وأراد إقامةَ الدَّلالةِ على
صِحَّةِ الحَشرِ؛ قدَّم لذلك مقدِّمةً في بيانِ كَونِه تعالى قادِرًا على
جميعِ المُمكِناتِ، عالِمًا بجميعِ المعلوماتِ؛....، وإنَّما أثبَت هذَينِ
الأصلينِ بأنْ عَدَّدَ أنواعًا مِن مخلوقاتِه الواقعةِ على وَجهِ الإحكامِ
والإتقانِ؛ فإنَّ تلك الأشياءَ مِن جِهةِ حُدوثِها تدُلُّ على القُدرةِ،
ومِن جهةِ إحكامِها وإتقانِها تدُلُّ على العِلمِ، ومتى ثَبَت هذان
الأصلانِ، وثبت أنَّ الأجسامَ مُتساويةٌ في قَبولِ الصِّفاتِ والأعراضِ؛
ثبَتَ -لا مَحالةَ- كَونُه تعالى قادِرًا على تخريبِ الدُّنيا بسَماواتِها
وكواكِبِها وأرضِها، وعلى إيجادِ عالَمِ الآخرةِ.
يقول تعالى ذكره معَدِّدًا على هؤلاء المشركين نِعَمه ، وإحسانه إليهم، وكفرانهم ما أنعم به عليهم،
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا"6.أي: ألَمْ نَجعَلِ الأرضَ فِراشًا للنَّاسِ، مُذَلَّلةً و ممهدة مهيأة لكم ولمصالِحِكُم، منَ الحروثِ والمساكنِ والسبلِ ، تَستَقِرُّونَ عليها، وتَنتَفِعونَ بها.
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا "7. جمعُ وَتِدٍ، والوَتِدُ: عُودٌ غَليظٌ، أسفَلُه أدَقُّ مِن أعلاه، يُدَقُّ في الأرضِ؛ لتُشَدَّ به أطنابُ الخيمةِ، وأصلُ وتد: يدُلُّ على الثَّباتِ والرُّسوخِ .والمعنى جعلَ سبحانه الجبالَ مُثَبِّتةً للأرضِ، فلا تَضطَرِبُ بأَهْلِها .
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "8.
لَمَّا ذكَّر بما في الظَّرْفِ -الَّذي هو فَرْشُهم- مِنَ الدَّلالةِ على تمامِ القُدْرةِ؛ أتْبَعَه التَّذكيرَ بما في المظروفِ، وهو أنفُسُهم؛ لتَجتَمِعَ آياتُ الأنفُسِ والآفاقِ، فيَتبيَّنَ لهم أنَّه الحَقُّ.فقال:وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا :
أي: وخَلَقْناكم ذُكُورا وإناثًا؛ ليسكنَ كلٌّ منهما إلى الآخرِ، فتكون المودةُ والرحمةُ، وتنشأ عنهما الذريةُ .
"وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا"9.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر ما هو سبَبٌ لبقاءِ النَّوعِ؛ ذكَرَ ما هو سبَبٌ لحِفظِه مِن إسراعِ الفَسادِ.أي: وجَعَلْنا نَومَكم قاطِعًا لحركتِكم، فتَحصُلُ به راحتُكم مِن تَعَبِ سَعْيِكم وأعمالِكم.والسُّبَات: هو السكونُ، ولذلك سُميَ السَّبْتُ سَبتًا، لِأنَّهُ يومُ راحةٍ وَدَعَةٍ .
لَمَّا ذَكَر النَّومَ أتْبَعَه وَقْتَه الأليقَ به، مُذَكِّرًا بنِعمةِ الظَّرْفِ الزَّمانيِّ بعدَ التَّذكيرِ بالظَّرفِ المكانيِّ، فقال:
"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا "10.
أي: وجَعَلْنا اللَّيلَ غِطاءً يَتغشَّاكم سَوادُه، وتُغَطِّيكم ظُلْمَتُه، كما يُغَطِّي الثَّوبُ البَدَنَ. يسترُ كلَّ شيءٍ بظلمتِهِ." وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا "11.
لَمَّا ذَكَر سُبْحَانَهُ خَلْقَ نِظامِ اللَّيلِ؛ قُوبِلَ بذِكْرِ خَلْقِ نِظامِ النَّهارِ. مَعَاشًا :
أي: وجَعَلْنا النَّهارَ وَقْتًا وسببًا يَطلُبُ فيه النَّاسُ أرزاقَهم، ويَسعَونَ في مَصالِحِهم.
"وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا "12.
أي: وبَنَيْنا فَوقَكم سَبْعَ سَمَواتٍ في غايةِ القُوَّةِ والصَّلابةِ والإحكامِ.
وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ : وسَقَّفْنَا فَوقَكُم، فجعلَ السقفَ بناءً، إذ كانت العربُ تسمِي سقوفَ البيوتِ - وهي سماؤها - بناءً وكانت السماء للأرض سقفًا، فخاطبهم بلسانهم إذ كان التنـزيل بِلسانهم، وقال "سَبْعًا شِدَادًا " إذ كانت وثاقًا مُحكمة الخلقِ، لا صُدُوع فيهنّ ولا فطور، ولا يبليهنّ مرّ الليالي والأيام.
لَمَّا ذَكَر السَّقفَ، ذكَرَ بَعضَ ما فيه مِن أمَّهاتِ المنافِعِ:
"وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا "13.
أي: وجَعَلْنا شَمسًا مُضيئةً شَديدةَ التَّوَقُّدِ والإضاءةِ.
فذِكْرُ السَّمَواتِ يُناسِبُه ذِكرُ أعظَمِ ما يُشاهِدُه النَّاسُ في فَضائِها، وذلك الشَّمسُ؛ ففي ذلك مع العِبرةِ بخَلْقِها عِبرةٌ في كَونِها على تلك الصِّفةِ، ومِنَّةٌ على النَّاسِ باستفادتِهم مِن نُورِها فوائِدَ جَمَّةً.
"وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا "14.
أي: وأنزَلْنا مِن السَّحابِ المُثْقَلِ بالمياهِ ماءَ المطَرِ المُنصَبَّ على الأرضِ بتَتابُعٍ وكَثْرةٍ.
"لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا "15.
أي: لِنُخرِجَ بهذا المطَرِ أنواعَ الحُبوبِ -كالقَمْحِ، والشَّعيرِ، والذُّرَةِ، والأَرُزِّ- وأنواعَ النَّباتاتِ.
" وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "16.
أي: ونُخرِجَ بالمطَرِ بَساتينَ وحَدائِقَ فيها منْ جميعِ أصنافِ الثمارِ ، أشجارُها كثيرةٌ مُجتَمِعةٌ، مُلْتَفٌّ بَعْضُها ببَعْضٍ؛ لكَثْرتِها، وتَقارُبِها، وتداخُلِ أغصانِها.
فالذِي أنعمَ عليكم بهذِهِ النعمِ العظيمةِ ، التي لا يُقَدَّر قدرها، ولا يُحصَى عددُهَا، كيف تكفرونَ به و تكذِّبُونَ ما أخبرَكُم به منَ البعثِ والنشورِ؟! وكيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟"
" إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا "17.
هذا بَيانٌ لِما أجمَلَه قولُه تعالى:
"عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ"
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا:أي: إنَّ يَومَ القيامةِ الَّذي يَحكُمُ اللهُ فيه بيْنَ عِبادِه يومٌ مُحَدَّدٌ بوَقتٍ مُعَيَّنٍ لجَمعِ النَّاسِ للحِسابِ والجَزاءِ.
" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا "18
أي: وذلك واقِعٌ يَومَ يَنفُخُ المَلَكُ في القَرْنِ لبَعْثِ النَّاسِ أحياءً يومَ القيامةِ، فتأتونَ -أيُّها النَّاسُ- مِن قُبورِكم إلى مَوضِعِ العَرْضِ للحِسابِ والجَزاءِ زُمَرًا وجَماعاتٍ.
" وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا "19.
أي: وتتشَقَّقُ السَّماءُ وتَنفَرِجُ، فتكونُ أبوابًا مَفتوحةً.
لَمَّا ذَكَر السَّقْفَ، ذَكَر أقرَبَ الأرضِ إليه وأشَدَّها، فقال سبحانه :
"وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا"20.
أي: وتُقلَعُ الجبالُ مِن أماكِنِها وتتفَتَّتُ تُرابًا، وتكونُ هَباءً، يُخيَّلُ إلى النَّاظرِ أنَّها شيءٌ، وليسَتْ بشيءٍ.
"إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا "21.
هذا شروعٌ في تفصيلِ أحكامِ الفصلِ الَّذي أُضيفَ إليه اليومُ، إثْرَ بيانِ هَولِه.أي: إنَّ جَهَنَّمَ تَرصُدُ أهْلَها وتَرْقُبُهم يومَ القيامةِ، فلا يُجاوِزُها مَن وَجَب عليه دُخولُها، واستَحَقَّ العَذابَ فيها.
والمقصودُ بالآيةِ الكريمةِ تهديدُ المشركينَ ، وبيانُ أنهم لا مهربَ لهم من جهنمَ ، وأنها فى انتظارِهِم ، كما ينتظرُ العدُوُ عدوًا ليقضِي عليهِ.
"لِّلطَّاغِينَ مَآبًا "22.
أي: تكونُ جَهنَّمُ للَّذين طَغَوا في الدُّنيا، فجاوَزوا حُدودَ اللهِ تعالى مَصيرًا ومَرجِعًا في الآخِرةِ.
" لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا "23.
أي: يَمكُثونَ في جَهنَّمَ مُدَدًا طَويلةً لا انقِضاءَ لها.
"لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا "24.
أي: لا يَذوقُ الطَّاغُونَ في جَهَنَّمَ بَرْدًا يُبَرِّدُ أبدانَهم، ويَكسِرُ شِدَّةَ الحَرِّ، ولا شَرابًا يُبَرِّدُ بَواطِنَهم أو يُزيلُ عَطَشَهم.
"إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا "25.
أي: لَكِنْ يَذوقونَ في جَهنَّمَ ماءً شَديدَ الحرارةِ، وما يَسيلُ مِن أهلِ النَّارِ مِن صَديدٍ وغَيرِه، وهو معَ نتنِ رائحتِه شديدُ البرودةِ.
"جَزَاءً وِفَاقًا "26.
أي: ذلك العِقابُ للطَّاغِينَ مُوافِقٌ لأعمالِهم السَّيِّئةِ في الدُّنيا، فلم يَظْلِمْهم اللهُ تعالى، وإنَّما ظَلَموا أنفُسَهم.
" إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا "27.
أي: إنَّهم كانوا في الدُّنيا لا يُؤمِنونَ بالبَعْثِ، ولا بأنَّهم يُحاسَبونَ ويُجازَوْنَ على أعمالِهم في الآخِرةِ.
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا "28.
هذا هو النَّوعُ الثَّاني مِن قبائِحِ أفعالِ الكُفَّارِ.كانوا يُكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ تعالى تكذيبًا شَديدًا مع وُضوحِها ودَلالتِها على الحَقِّ.
" وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا "29.
أي: وكُلُّ شَيءٍ مِن أعمالِ العِبادِ أو غَيرِها مكتوبٌ مَعدودٌ مَضبوطٌ، لا يَخْفى على اللهِ تعالى منه شَيءٌ.وسنجزِيهم عَلَى ذَلِكَ إنْ خيرًا فَخَيرٍ وإنْ شرًا فَشَرٍ.
"فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا "30.
أي: يُقالُ للكُفَّارِ في جَهَنَّمَ تَوبيخًا وتَقريعًا لهم: فذُوقوا هذا العَذابَ، وسنَزيدُكم عذابًا فوقَ ما أنتم فيه.
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى شيئًا مِن حالِ أهلِ النَّارِ؛ ذَكَر ما لأهلِ الجنَّةِ فقالَ تعالى مبيِّنًا جزاءَ المتَّقينَ يومَ القيامةِ، وما أعدَّ لهم مِن النَّعيمِ:
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا "31.
أي: إنَّ للَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه بامتِثالِ أمْرِه واجتنابِ نَهْيِهِ: فَوزًا بالجنَّةِ الَّتي يَظفَرونَ فيها بما يُريدونَ، ونجاةً مِنَ النَّارِ.
"حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا "32.
أي: بساتينَ ، جامعةً لأصنافِ الأشجارِ المثمرةِ، ومِنها الأعنابُ.
"وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا "33.
كَوَاعِبَ : قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد "كواعب" أي نواهد يعنون أن ثديهن نواهد لم يتدلين من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن .
فالكواعب ، جمع كاعب ، وهى الفتاة التى وصلت إلى سن البلوغ ، وسُميتْ بذلكَ لأنَّها فى تلكَ السن يتكعبُ ثديُاها ، أي : يستديرانِ مع ارتفاعٍ .
والأتراب ، جمع تِرْبِ - بكسر التاء وسكون الراء - وهو المساوي لغيرهِ فى السنِّ ، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإِناثِ . قيل : سمي من تقاربن في السنِّ بذلكَ ، على سبيلِ التشبيه بالترائبِ ، أي : بالضلوع التي في الصدر في التساوي .
أي: ونِساءً شابَّاتٍ قد استدارَت أثداؤُهنَّ وبَرَزَت دونَ أن تتدلَّى للأسفَلِ، وهنَّ مُتساوِياتٌ في السِّنِّ."وَكَأْسًا دِهَاقًا "34.
يُقَالُ دهقَ الحوضُ- كجعل- وأدهقه، إذا ملأه حتى فاضَ مِنْ جوانبِهِ.
أي: وكُؤُوسًا مَملوءةً مِن خَمرِ الجَنَّةِ، صافيةً، مُتتابِعةً على شارِبيها.
"لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا "35.
أي: لا يَسمَعُ المتَّقونَ في الجنَّةِ لَغَطًا أو كَلامًا باطِلًا لا فائِدةَ فيه، ولا يَكذِبونَ ولا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بعضًا في حَديثِهم.
"جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا "36.
أي: وهذا الجَزاءُ المذكورُ للمُتَّقينَ هو عَطاءٌ كافٍ وافِرٌ كثيرٌ مِن رَبِّك- يا محمَّدُ .
كما قال الله تبارك وتعالى" وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا "المزمل: 20.
لَمَّا ذَكَر اللهُ سُبحانَه سَعةَ فَضْلِه؛ وَصَف نَفْسَه الأقدَسَ بما يَدُلُّ على عَظَمتِه؛ زيادةً في شَرَفِ المُخاطَبِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ عَظَمةَ العبدِ على حسَبِ عَظَمةِ السَّيِّدِ، فقال:
"رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا "37.
أي: خالِقِ ومالِكِ ومدَبِّرِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، الرَّحمنِ الَّذي وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ.
لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا:
أي: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ على مُخاطَبةِ اللهِ -سُبحانَه وتعالى- يومَ القيامةِ بلا إِذْنٍ.
"يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا "38.
أي: وذلكَ واقِعٌ يَومَ يقومُ جِبريلُ وجميعُ الملائِكةِ مُصْطَفِّينَ بخُضوعٍ للهِ تعالى.
"ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا "39.
ذَلِكَ الْيَوْمُ يعني: يوم القيامة ، إنه حقٌّ كائِنٌ لا مَحالةَ، ولا شَكَّ في وُقوعِه.
فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا:
فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحقّ، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله مَآبًا ، يعني: مرجعًا.
"إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا "40.
أي: إنَّا حَذَّرْناكم -أيُّها النَّاسُ- عَذابًا قد دنا وقرُبَ منكم.
يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ :أي: وذلك يومَ يَنظُرُ كُلُّ إنسانٍ إلى ما عَمِلَه مِن قَبْلُ في حياتِه.
وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا:
أي: ويَقولُ الكافِرُ مُتحَسِّرًا يَومَئِذٍ: يا لَيْتَني كُنتُ تُرابًا.
أي : يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا ، ولم يكن خُلِقَ ، ولا خرجَ إلى الوجودِ . وذلك حين عاين عذاب الله ، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سُطِرَتْ عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة ، وقيل : إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا ، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور ، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء . فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها : كوني ترابًا ، فتصير ترابًا . فعند ذلك يقول الكافر "يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" أي : كنت حيوانا فأرجع إلى التراب . وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما .
لَتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أهلِها يَومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ.الراوي :
أبو هريرة -المحدث :
مسلم - المصدر :
صحيح مسلم.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّ الأديمُ وحُشِرَ الدَّوابُّ والبهائمُ والوحشُ ثم يحصلُ القِصاصُ بين الدوابِّ يُقتصُّ للشاةِ الجمَّاء من الشاةِ القرناءِ نطحَتْها فإذا فُرِغَ من القِصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تُرابًا قال فعند ذلك يقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَابًا
الراوي :
أبو المغيرة-المحدث :الألباني-المصدر :السلسلة الصحيحة-الصفحة أو الرقم: 4/607-خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد -التخريج : أخرجه الطبري (24/ 54) واللفظ له.