تفسيرُ سورةِ عَبَسَ
سُورةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ، ونَقَل الإجماعَ على ذلكَ غيرُ واحدٍ مِنَ المفَسِّرينَ.
مِن أهمِّ الموضوعاتِ الَّتي اشتَمَلَتْ عليها السُّورةُ:
عِتابُ اللهِ تعالى لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عتابًا رقيقًا، على ما حَدَث منه مع ابنِ أمِّ مَكتومٍ الأَعمى.
الثَّناءُ على القُرآنِ، وأنَّه ذِكْرى ومَوعِظةٌ لِمَن عَقَل وتدبَّرَ.
إقامةُ الأدِلَّةِ على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، بذِكرِ أصلِ نَشأةِ الإنسانِ، ونِعَمِ اللهِ عليه، وتَيسيرِ أسبابِ حَياتِه.
التَّذكيرُ بأهوالِ يومِ القيامةِ، وأحوالِ النَّاسِ فيه.
"عَبَسَ وَتَوَلَّى"1."أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى "2..
أي: قَطَّبَ وَجْهَه، وقَبَضَ ما بيْنَ عينَيه، والعُبُوسُ: تَقطُّبُ الوَجهِ عندَ كراهيةِ أمرٍ.
افتَتَح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بمُعاتَبةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِتابًا رقيقًا، فقال: قَطَّبَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَجْهَه ، وقَبَضَ ما بيْنَ عينَيه، والعُبُوسُ: تَقطُّبُ الوَجهِ عندَ كراهيةِ أمرٍ، وأعرَضَ؛ بسَبَبِ مَجيءِ الرَّجُلِ الأعمى إليه، وهو مَشغولٌ بدَعوةِ رَجُلٍ مِن أشرافِ قُرَيشٍ.
والتَّولِّي إذا وُصِلَ بـ عن لفظًا، أو تقديرًا -كما هنا- اقتضَى معنَى الإعراضِ، وتَركِ القُربِ.
"جاءَ ابنُ أمِّ مَكْتومٍ وَهوَ يُكَلِّمُ أبيَّ بنَ خلَفٍ فأعرضَ عنهُ فأنزلَ اللَّهُ "عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى" فَكانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بعدَ ذلِكَ يُكْرمُهُ ".الراوي أنس بن مالك-المحدِّث الوادعي-المصدر صحيح أسباب النزول-الجزء/الصفحة267.
"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى "3" أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى "4.
أي: وما يُدْرِيك -يا مُحمَّدُ- لعَلَّ هذا الأعمى -الَّذي عَبَسْتَ وأعرَضْتَ عنه- يتَزكَّى أي يتطهرُ مِنَ الذنوبِ بالعملِ الصالحِ بما يتعَلَّمُه مِنَ القُرآنِ مِنْكَ؛ فيَتطَهَّرَ مِن ذُنوبِه أو لعَلَّه يَتذَكَّرُ ما غَفَل عنه؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما يَسمَعُ مِنَ القُرآنِ.