الخميس، 14 مايو 2026

34- التفسير الميسر


الجزءُ الثلاثونَ
سورة النبأ من آية 1 إلى 40
"عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ "1"عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ "2" الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ "3.
عن أيِّ شيء يسأل بعض كفار قريش بعضا؟ يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن، وهو القرآن العظيم الذي ينبئ عن البعث الذي شك فيه كفار قريش وكذَّبوا به .
"كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "4" ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ "5.
ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون, سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم، ويظهر لهم ما الله فاعل بهم يوم القيامة, ثم سيتأكد لهم ذلك, ويتأكد لهم صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، من القرآن والبعث. وهذا تهديد ووعيد لهم.
"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا "6.
ألم نجعل الأرض ممهدة لكم كالفراش؟
"وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا "7.
والجبال رواسي؛ كي لا تتحرك بكم الأرض؟
"وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا "8.
وخلقناكم أصنافا ذكرا وأنثى؟
"وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا "9.
وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، فيه تهدؤون وتسكنون؟
"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا "10.
وجعلنا الليل لباسًا تَلْبَسكم ظلمته وتغشاكم، كما يستر الثوب لابسه؟
"وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا "11.
وجعلنا النهار معاشًا تنتشرون فيه لمعاشكم، وتسعَون فيه لمصالحكم؟
"وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا"12.
وبنينا فوقكم سبع سموات متينة البناء محكمة الخلق، لا صدوع لها ولا فطور؟
"وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا "13.
وجعلنا الشمس سراجًا وقَّادًا مضيئًا؟
"وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا "14" لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا "15" وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا "16.
وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصَبّا بكثرة, لنخرج به حبًا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها؟
"إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا"17" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا "18.
إن يوم الفصل بين الخلق, وهو يوم القيامة, كان وقتًا وميعادًا محددًا للأولين والآخرين, يوم ينفخ المَلَك في "القرن" إيذانًا بالبعث فتأتون أممًا, كل أمة مع إمامهم.
"وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا "19.
وفُتحت السماء، فكانت ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة.
"وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا "20.
ونسفت الجبال بعد ثبوتها، فكانت كالسراب.
"إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا "21" لِّلطَّاغِينَ مَآبًا "22" لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا "23" لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا "24" إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا "25" جَزَاءً وِفَاقًا "26.
إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع، لا يَطْعَمون فيها ما يُبْرد حرَّ السعير عنهم، ولا شرابًا يرويهم، إلَّا ماءً حارًا، وصديد أهل النار، يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.
"إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا "27" وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا"28" وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا "29" فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا "30.
إنهم كانوا لا يخافون يوم الحساب فلم يعملوا له, وكذَّبوا بما جاءتهم به الرسل تكذيبا, وكلَّ شيء علمناه وكتبناه في اللوح المحفوظ, فذوقوا -أيها الكافرون- جزاء أعمالكم, فلن نزيدكم إلا عذابًا فوق عذابكم.
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا "31"حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا "32" وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا "33" وَكَأْسًا دِهَاقًا"34" لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا "35.

إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحًا, فوزًا بدخولهم الجنة. إن لهم بساتين عظيمة وأعنابًا, ولهم زوجات حديثات السن، نواهد مستويات في سن واحدة, ولهم كأس مملوءة خمرًا. لا يسمعون في هذه الجنة باطلا من القول، ولا يكذب بعضهم بعضًا.
"جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا "36" رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا "37" يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا "38" ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا "39.
لهم كل ذلك جزاء ومنَّة من الله وعطاءً كثيرًا كافيًا لهم، ربِّ السموات والأرض وما بينهما، رحمنِ الدنيا والآخرة, لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه, يوم يقوم جبريل عليه السلام والملائكة مصطفِّين، لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة, وقال حقًا وسدادًا. ذلك اليوم الحق الذي لا ريب في وقوعه, فمن شاء النجاة مِن أهواله فليتخذ إلى ربه مرجعًا بالعمل الصالح.

" إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا "40.
إنَّا حذَّرناكم عذاب يوم الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير أو اكتسب من إثم, ويقول الكافر من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبعث.
تمَّ تفسيرُ سورةِ النبأِ
_________ 

سورة النازعات من آية 1 إلى 46
 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
"وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا "1وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا "2" وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا "3" فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا "4" فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا "5" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ "6" تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ "7.
أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها, فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله, فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون -ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك- لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب, يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة, تتبعها نفخة أخرى للإحياء.
" قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ "8" أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ "9.
قلوب الكفار يومئذ مضطربة من شدة الخوف, أبصار أصحابها ذليلة من هول ما ترى.
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ "10أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً "11" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ "12.
يقول هؤلاء المكذبون بالبعث: أنُرَدُّ بعد موتنا إلى ما كنا عليه أحياء في الأرض؟ أنردُّ وقد صرنا عظامًا بالية؟ قالوا: رجعتنا تلك ستكون إذًا خائبة كاذبة.
" فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ "13" فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ "14.
فإنما هي نفخة واحدة، فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا في بطنها.
" هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى "15.
هل أتاك -أيها الرسول- خبر موسى؟
" إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى "16"اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى "17" فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى "18" وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى "19.
حين ناداه ربه بالوادي المطهَّر المبارك "طوى"، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه قد أفرط في العصيان، فقل له: أتودُّ أن تطهِّر نفسك من النقائص وتحليها بالإيمان, وأُرشدك إلى طاعة ربك، فتخشاه وتتقيه؟
 "فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى "20" فَكَذَّبَ وَعَصَى "21" ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى "22.
فأرى موسى فرعونَ العلامة العظمى: العصا واليد، فكذب فرعون نبيَّ الله موسى عليه السلام, وعصى ربه عزَّ وجلَّ، ثم ولَّى معرضًا عن الإيمان مجتهدًا في معارضة موسى.

" فَحَشَرَ فَنَادَى "23" فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى "24" فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى "25" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى "26.
فجمع أهل مملكته وناداهم، فقال: أنا ربكم الذي لا ربَّ فوقه، فانتقم الله منه بالعذاب في الدنيا والآخرة، وجعله عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين. إن في فرعون وما نزل به من العذاب لموعظةً لمن يتعظ وينزجر.
" أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا "27" رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا "28" وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا "29" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا "30" أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "31" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا "32" مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ "33.
أبَعْثُكم أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ رفعها فوقكم كالبناء, وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها. والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجَّر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يُرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها. خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم. -إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير-.
" فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى "34" يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى "35" وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى "36.
فإذا جاءت القيامة الكبرى والشدة العظمى وهي النفخة الثانية, عندئذ يُعْرَض على الإنسان كل عمله من خير وشر، فيتذكره ويعترف به، وأُظهرت جهنم لكل مُبْصِر تُرى عِيانًا.
فَأَمَّا مَن طَغَى "37" وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا "38" فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى "39.
فأمَّا مَن تمرد على أمر الله, وفضل الحياة الدنيا على الآخرة, فإن مصيره إلى النار.
" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى "40" فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى "41.
وأمَّا مَنْ خاف القيام بين يدي الله للحساب، ونهى النفس عن الأهواء الفاسدة، فإن الجنة هي مسكنه.
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا "42" فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا "43إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا "44" إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا "45" كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا "46.
وأمَّا مَنْ خاف القيام بين يدي الله للحساب، ونهى النفس عن الأهواء الفاسدة، فإن الجنة هي مسكنه.
تمَّ تفسيرُ سورةِ النازعاتِ 
______ 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق