الاثنين، 6 يناير 2020

أَصلِحْ لي شأني كلَّه ، و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ

أَصلِحْ لي شأني كلَّه ، و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ



"ما يمنعُكِ أن تسمَعي ما أُوصيكِ به ؟ أن تقولي إذا أصبحْتِ و إذا أمسَيتِ : يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِك أستغيثُ ، أَصلِحْ لي شأني كلَّه ، و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ" الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب-الصفحة أو الرقم: 661 - خلاصة حكم المحدث : حسن = الدرر =

"يا حيُّ"، أي: دائِمُ البقاءِ وَحْدَه، ويَفْنى كلُّ شيءٍ غيرُه "يا قيُّومُ"، أي: القائمُ بذاتِه، الَّذي يَقومُ بتَدبيرِ شُؤونِ غيرِه، والحيُّ والقيُّومُ هما على أكثَرِ الأقوالِ الاسْمُ الأعظَمُ للهِ سبحانه وتعالى، "بِرَحمَتِك أَستغيثُ"، أي: برحمَتِك الَّتي وسِعَت كلَّ شيءٍ أطلُبُ الإعانةَ مِنك يا أَللهُ.
وحياةُ القلبِ تَكونُ بتَخلُّصِه ممَّا سِوى اللهِ تعالى، والكربُ يُنافي ذلك ويَشغَلُ القلبِ؛ لذا تَوسَّلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم إلى اللهِ باسمِه "الحيِّ"؛ لإزالةِ ما يُضادُّ حياةَ قلبِه، وبالقيُّومِ؛ لإقامةِ القَلبِ على نهْجِ الفَلاحِ.هنا =


هذا الدعاء من أعظم الأدعية التي تتضمن تحقيق العبودية لله رب العالمين ، وتتضمن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فهو سبحانه الحي القيوم ، الرحمن الرحيم ، والعبد يستمد العون والتأييد من قيوميته عز وجل ، كما يستغيث برحمته التي وسعت كل شيء ، لعله ينال منها ما يسعده في دنياه وآخرته .
ثم يسأل الله تعالى صلاح الأمور والأحوال ، فيقول "
أَصلِحْ لي شأني كلَّه ،"أي : جميع أمري : في بيتي ، وأهلي ، وجيراني ، وأصحابي ، وعملي ، ودراستي ، وفي نفسي ، وقلبي ، وصحتي...في كل شيء يتعلق بي ، اجعل يا رب الصلاح والعافية حظي ونصيبي .
-
فيه شدة الافتقار، والاحتياج إلى مولاه وخالقه عز وجل وأنه لا غنى له عن ربه طرفة عين في كل شأن من شؤونه،-وذلك كله من فضل الله سبحانه وتعالى ، وليس باستحقاق العبد ولا بجاهه ، ولذلك جاء ختم الدعاء بالاعتراف بالفقر التام إليه سبحانه ، والاستسلام الكامل لغناه عز وجل ، فيقول "و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ"أي لا تتركني لضعفي وعجزي لحظة واحدة ، بل أصحبني العافية دائمًا ، وأعِنِّي بقوتك وقدرتك ، فإن من توكل على الله كفاه ، ومن استعان بالله أعانه ، والعبد لا غنى به عن الله طرفة عين .
يقول ابن القيم رحمه الله :
" مِن ههنا خذل مَن خُذل ، ووُفِّقَ مَن وُفق ، فحجب المخذول عن حقيقته ، ونسي نفسه ، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه ، فطغى وعتا ، فحقت عليه الشقوة ،قال تعالى "
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى"العلق:7،6.
وقال "
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى "الليل .
فأكمل الخلق أكملهم عبودية ، وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
ولهذا كان من دعائه"
أَصلِحْ لي شأني كلَّه ،و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ"
وكان يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .
يعلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل ، لا يملك منه شيئًا ، وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء ، كيف وهو يتلو قوله تعالى "
وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا "الإسراء: 74. فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به ، وحسب قربه منه ، ومنزلته عنده " انتهى. "طريق الهجرتين" 25-26 .
وقال المناوي رحمه الله ، في شرح الرواية الثانية ، دعاء المكروب " ومن شهد لله بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة وحضور البال فهو حري بزوال الكرب في الدنيا والرحمة ورفع الدرجات في العقبى " .
"فيض القدير" 3/526 .=
هنا =

المَرْءُ مع مَن أحَبَّ

المَرْءُ مع مَن أحَبَّ

"جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ تَقُولُ في رَجُلٍ أحَبَّ قَوْمًا ولَمْ يَلْحَقْ بهِمْ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المَرْءُ مع مَن أحَبَّ"الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6169 - خلاصة حكم المحدث : صحيح= الدرر =

"أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البَادِيَةِ أتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قالَ"ويْلَكَ، وما أعْدَدْتَ لَهَا" قالَ: ما أعْدَدْتُ لَهَا إلَّا أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، قالَ" إنَّكَ مع مَن أحْبَبْتَ" فَقُلْنَا: ونَحْنُ كَذلكَ؟ قالَ" نَعَمْ " فَفَرِحْنَا يَومَئذٍ فَرَحًا شَدِيدًا، فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ وكانَ مِن أقْرَانِي، فَقالَ"إنْ أُخِّرَ هذا، فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" الراوي : أنس بن مالك - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6167 - خلاصة حكم المحدث : صحيح = الدرر =

الشرح:
وقتُ قيامِ السَّاعةِ مِنَ الغيبيَّاتِ الَّتي استأثرَ المولى سبحانه وتعالى بها، ولم يُطلِعْ عليه أَحدًا؛ ولذلك فإنَّ المؤمنَ لا يَنشغلُ بِموعدِ قيامِها، وإنَّما يجبُ أنْ تنصرفَ همَّتُه إلى زادِه إليها وما أعدَّ لها مِنَ العملِ، وفي هذا الحديثِ سألَ رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَن وقتِ قيامِ السَّاعةِ فقال له صلَّى الله عليه وسلَّم «ويْلَكَ ما أعددْتَ لها؟»، والويلُ هو الدُّعاءُ بِالهلاكِ، وليس مقصودًا هنا، وإنَّما هو تعنيفٌ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه سلم؛ لِينشغِلَ بِالأصلحِ له وهو العملُ الصَّالحُ لا بِموعدِ قيامِ السَّاعةِ، فقال له الرَّجلُ بعد أنْ سمعَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك: «ما أعددْتُ لها إلَّا أنِّي أُحبُّ اللهَ ورسولَه» فقال له صلَّى الله عليه وسلَّم «إنَّك مع مَن أحببْتَ"، أي: معهم في الجنَّةِ، فقال الصِّحابةُ رضوان الله عليهم: ونحن كذلك، أي: نحن أيضًا نُحبُّ اللهَ ورسولَه فهل نكونُ مع مَن أحبَبْنَا؟ فقال لهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم «نَعمْ»، فَفرِحوا بذلك فرحًا شديدًا، فمرَّ غلامُ المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ عليهم وكان مِن أقرانِ أنسِ بنِ مالكٍ رضِي اللهُ عنه، أي: مُقارِبٌ له في عُمْرِه، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم «إنْ أُخِّرَ هذا» أي: إنْ عاشَ ولم يَمُتْ في صغَرِه، «فلنْ يُدرِكَه الهرمُ حتَّى تقومُ السَّاعةُ أي: ساعةُ الحاضرِينَ عنده، يعني مَوتَهم؛ لأنَّ مَن ماتَ فقدْ قامَتْ قيامَتُه، ويُحتملُ أنْ يكونَ صلَّى الله عليه وسلَّم أرادَ قُربَها، أو أنَّه عَلِمَ أنَّ هذا الغلامَ لا يعيشُ حتَّى يكبُرَ في العمرِ.= الدرر =
قَوْلُهُ " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا " قَالَ الطِّيبِيُّ : سَلَكَ مَعَ السَّائِلِ طَرِيقَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ فَقِيلَ لَهُ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا وَإِنَّمَا يُهِمُّكَ أَنْ تَهْتَمَّ بِأُهْبَتِهَا ، وَتَعْتَنِيَ بِمَا يَنْفَعُكَ عِنْدَ إِرْسَالِهَا مِنَ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، انْتَهَى . " مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ " بِالْمُوَحَّدَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ كَثِيرَ صَلَاةٍ بِالْمُثَلَّثَةِ " وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " أَيْ مُلْحَقٌ بِهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَادُ أَنَّ مَنَازِلَهُمْ مُتَفَاوِتَةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمَعِيَّةُ ؟ فَيُقَالُ إِنَّ الْمَعِيَّةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ فِي شَيْءٍ مَا وَلَا يَلْزَمُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْجَمِيعَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ صَدَقَتِ الْمَعِيَّةُ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الدَّرَجَاتُ كَذَا فِي الْفَتْحِ " فَمَا رَأَيْتُ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ " أَيْ بَعْدَ فَرَحِهِمْ بِهِ أ وْ دُخُولِهِمْ فِيهِ " فَرَحَهُمْ " بِفَتَحَاتٍ أَيْ كَفَرَحِهِمْ " بِهَا " أَيْ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ وَهِيَ " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : قَالَ " إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " . فَقُلْنَا وَنَحْنُ كَذَلِكَ ؟ قَالَ " نَعَمْ " ، فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا . سنن الترمذي » كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » باب ما جاء أن المرء مع من أحب = هنا =

أنتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرْضِ

أنتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرْضِ



"مَرُّوا بجَنَازَةٍ، فأثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وجَبَتْ ،ثُمَّ مَرُّوا بأُخْرَى فأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: ما وجَبَتْ؟ قَالَ: هذا أثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا، فَوَجَبَتْ له الجَنَّةُ، وهذا أثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا، فَوَجَبَتْ له النَّارُ، أنتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأرْضِ."الراوي : أنس بن مالك - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 1367 - خلاصة حكم المحدث : صحيح= الدرر =
اصطَفى اللهُ تعالى هذه الأمَّةَ بِأنْ أرسلَ إليها خاتَمَ الْمُرسَلِين، وسيِّدَ النَّبيِّينَ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجعلَهم شُهداءَ له في الأرضِ ويومَ القيامةِ يَشهدونَ لِأنبياءِ اللهِ إذا ادَّعتْ أُممُهم إنَّهم لم يقوموا بِتبليغِ رِسالاتِ ربِّهم. وفي هذا الحديثِ: أنَّه لَمَّا مرَّتْ جِنازةٌ فَأُثْنى عليها الصحابةُ رضوانُ الله عليهم خيرًا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وَجَبَتْ» أي: ثَبَتَتْ له الجنَّةُ، ثُمَّ مرَّتْ جنازةٌ أُخرى، فَأَثْنَوا عليها شرًّا، يعني وَصَفوها بما فيه ذمٌّ وانِتقاصٌ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «وَجَبَتْ» يعني: وَجَبَ له العذابُ بما شَهِدْتم عليه، فقال عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه: ما وَجبَتْ؟ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «هذا أثْنَيْتم عليه خيرًا، فَوجَبتْ له الجنَّةُ، وهذا أَثنَيْتم عليه شرًّا، فَوجَبَتْ له النَّارُ، أنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ» أي: يُقبلُ قولُكم في حقِّ مَن تَشهدونَ له أو عليه. = الدرر =

"الملائكةُ شهداءُ اللهِ في السَّماءِ ، و أنتُم شهداءُ اللهِ في الأرضِ"الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6728 - خلاصة حكم المحدث : صحيح = الدرر =
في هذا الحديثِ يقولُ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "الملائكةُ شُهَداءُ اللهِ" على أعْمالِ عِبادِهِ "في السَّماءِ" وأَنْتُمْ -أي: أيُّها الأُمَّةُ أو المؤمنون- "شُهَداءُ اللهِ في الأرْضِ"، أي: تَشْهَدون على بعْضِكم البعْضَ بالصَّلاحِ أوِ الفَسادِ، ومَعْنى وُجوبِ الجنَّةِ لأحَدٍ ثُبوتُها له؛ إذِ الثُّبوتُ هو في صِحَّةِ الوُقوعِ كالشَّيْءِ الواجِبِ، وهذا الثَّناءُ بالخيْرِ أو الشَّرِّ هو لِمَن أَثْنَى عليه الناسُ؛ فكان ثَناؤُهُم مُطابِقًا لأفْعالِ مَنْ أَثْنَوْا عليه وهو الغالِبُ، فإنْ لم يكُنْ كذلك، فليس هو مُرادًا بالحَديثِ. وقد قيل: إنَّ المُخاطَبينَ بذلك هُمُ الصَّحابةُ، ومَن كان على صِفَتِهِم من الإيمانِ؛ لأنَّهم يَنْطِقون بالحِكْمَةِ، ويَخْتَصُّ ذلك بالثِّقاتِ والمتَّقينَ .= الدرر =

فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ

عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْد اللَّهِ قَالَ " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا " . الراوي : جندب بن عبدالله - المحدث : الوادعي - المصدر : الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم: 285 - خلاصة حكم المحدث : صحيح= الدرر =

كان الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم يَتعلَّمونَ تعاليمَ الدِّينِ تدريجيًّا، وكان هَمُّهم تطبيقَ ما تعلَّموه أوَّلًا بأوَّل، ثمَّ ينتقِلونَ إلى أمْرٍ آخرَ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معهم يُلاحِظُهم ويَهْديهم بالرِّفقِ واللِّينِ، ويأمُرُهم بعدَمِ التَّشدُّدِ، فكانوا أئمةَ هدًى.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ جُنُدبُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنه: "كُنَّا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ونحن فِتيانٌ حَزَاوِرَةٌ" جمْعُ حَزْوَرٍ، والحَزْورُ: الغلامُ إذا اشتَدَّ وقوِيَ وخدَمَ، وقاربَ البُلوغَ، "فتعلَّمْنا الإيمانَ قبْلَ القُرآنِ"، أي: أنَّهم تعلَّموا أساسياتِ العقيدةِ الصَّحيحةِ، وهي أركانُ الإيمانِ الحقِّ؛ وهي: الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، والإيمانِ بالقَدَرِ خَيرِه وشرِّه، وتَعلَّموه وهم صِغارٌ، "ثمَّ تعلَّمْنا القُرآنَ فازْدَدْنا به إيمانًا"، والمعنى: أنَّهم لمَّا تَلُوا وقرَؤوا كِتابَ اللهِ وتدارَسُوه فيما بينهم، ازدادَ إيمانُهم، وقوِيَت عقيدتُهم، وهذا معنى قولِه عزَّ وجلَّ"وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"الأنفال: 2.
وفي رِوايةٍ: "وإنَّكم اليومَ تَعلَّمونَ القُرآنَ قبلَ الإيمانِ".
وأورَدَ الحاكمُ مِن رِوايةِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ خبرًا يُوضِّحُ هذه المعاني، فيقولُ "لقد عِشْنا بُرهةً مِن دَهْرِنا، وإنَّ أحدَنا يُؤْتَى الإيمانَ قبلَ القُرآنِ، وتنزِلُ السُّورةُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيتَعلَّمُ حلالَها وحَرامَها، وما ينْبَغي أنْ يُوقَفَ عندَه فيها كما تَعلَّمونَ أنتم القُرآنَ"، ثمَّ قال: "لقد رأيْتُ رِجالًا يُؤْتَى أحدُهم القُرآنَ، فيقرَأُ ما بين فاتحتِه إلى خاتمتِه ما يَدري ما أمْرُه ولا زاجِرُه، ولا ما ينْبَغي أنْ يُوقَفَ عنده منه، ينثُرُه نثْرَ الدَّقَلِ"، وهو الرَّديءُ مِن التَّمرِ وما لا فائدةَ فيه.
وفي الحديثِ: ترتيبُ الأولويَّاتِ عندَ تربيةِ النَّشءِ، والحِرصُ على مَلْئِهم بالإيمانِ قبلَ مَلْئِهم بالحفْظِ المُجرَّدِ.
= الدرر =

إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ

إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ

"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، التَقَى هو والمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى عَسْكَرِهِ، ومَالَ الآخَرُونَ إلى عَسْكَرِهِمْ، وفي أَصْحَابِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلٌ، لا يَدَعُ لهمْ شَاذَّةً ولَا فَاذَّةً إلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بسَيْفِهِ، فَقالَ: ما أَجْزَأَ مِنَّا اليومَ أَحَدٌ كما أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَما إنَّه مِن أَهْلِ النَّارِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ، قالَ: فَخَرَجَ معهُ كُلَّما وقَفَ وقَفَ معهُ، وإذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ معهُ، قالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بالأرْضِ، وذُبَابَهُ بيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ علَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: أَشْهَدُ أنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، قالَ: وما ذَاكَ؟ قالَ: الرَّجُلُ الذي ذَكَرْتَ آنِفًا أنَّهُ مِن أَهْلِ النَّارِ، فأعْظَمَ النَّاسُ ذلكَ، فَقُلتُ: أَنَا لَكُمْ به، فَخَرَجْتُ في طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبَابَهُ بيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عليه فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عِنْدَ ذلكَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيما يَبْدُو لِلنَّاسِ، وهو مِن أَهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيما يَبْدُو لِلنَّاسِ، وهو مِن أَهْلِ الجَنَّةِ".الراوي : سهل بن سعد الساعدي - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 2898 -خلاصة حكم المحدث : صحيح = الدرر=

الشرح:
يَحْكي سَهْلُ بنُ سَعدٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّم التَقى هو والمُشْرِكونَ فاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّم إلى عَسْكَرِه، أي: رَجَعَ بَعدَ فَراغِ القِتالِ في ذَلِكَ اليَومِ، ومالَ الآخَرونَ إلى عَسْكَرِهم، وفي أصْحابِ رَسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلَّم رَجُل لا يَدَع لِلْمُشْرِكينَ "شاذَّة"، وهي: الَّتي تَكونُ مَعَ الجَماعةِ ثُمَّ تُفارِقُهم، "وَلا فاذَّةَ" وهي: الَّتي لَم تَكُنْ قَدْ اخْتَلَطَتْ بِهم أصلاً، إلَّا اتَّبَعَها يَضرِبُها بِسَيْفِه، أي: أنَّه لا يَرى شَيئًا إلَّا أتى عليه فَقَتَلَه، فَقالوا"ما أجْزَأَ"، أي: ما أغْنى مِنَّا اليَومَ أحَدٌ كَما أجْزَأَ فَلانٌ، فَبَيَّن صَلَّى الله عليه وسلَّم بِوَحْيٍ مِن اللهِ أنَّه مِن أهْلِ النَّارِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: أنا "صاحِبُه"، أي: أصْحَبُه وأُلازِمُه لِأَنظُرَ السَّببَ الَّذي يَصيرُ به مِن أهْلِ النَّارِ؛ فَإنَّ فِعْلَه في الظَّاهِرِ جَميلٌ، وقَدْ أخْبَرَ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه مِن أهْلِ النَّارِ، فلا بُدَّ لَه مِن سَبَب عَجيبٍ. فَيَحكي هَذا الرَّجُلُ أنَّه خَرَجَ معه فَكُلَّما وقَفَ وقَفَ معه، وإذا أسْرَعَ أسْرَع معَه، قالَ: فَجُرِحَ الرَّجُل جُرْحًا شَديدًا فاستَعْجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِه في الأَرْضِ "وَذُبابَه"، أي: طَرَفَه الَّذي يَضرِب بِه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ، أي: مالَ عَلى سَيْفِه فَقَتَلَ نَفسَه، فَخَرَجَ الرَّجُلُ المُصاحِبُ لَه إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّم، فَقالَ: أشْهَدُ أنَّك رَسولُ اللهِ، فَسَأَلَه: وما ذاكَ؟ فأَجابَه: الَّذي ذَكَرْتَ آنِفًا، أي: الآنَ أنَّه مِن أهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، أي: كَبُرَ عليهم ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أنا لَكُم بِه، فَخَرَجتُ في طَلَبِه، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَديدًا، فاسْتَعْجَلَ المَوتَ فَوَضَعَ سَيْفَه في الأَرضِ وذَبابَه بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عليه فَقَتَلَ نَفسَه. فَقالَ صَلَّى الله عليه وسلَّم عِندَ ذَلِكَ: إنَّ الرَّجُلَ ليَعمَل عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فيما يَبْدو، أي: يَظهَر لِلنَّاسِ وهو مِن أهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَعمَل عَمَلَ أهْلِ النَّارِ فيما يَبْدو لِلنَّاسِ وهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
في الحَديثِ: التَّحذيرُ مِن الِاغْتِرارِ بالأَعمالِ، وأنَّه يَنبَغي لِلعَبدِ ألَّا يَتَّكِلَ عليها ولا يَرْكَنَ إليها مَخافةً مِن انْقِلابِ الحالِ. = الدرر=

من أصابَ بفيهِ من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنَةً

من أصابَ بفيهِ من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنَةً



قال أبو داود في سننه :حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنَّهُ سُئِلَ عنِ الثَّمرِ المعلَّقِ فقالَ من أصابَ بِفيهِ من ذي حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبْنةً فلا شيءَ علَيهِ ومن خرجَ بشيءٍ منهُ فعَليهِ غرامةُ مثليهِ والعُقوبَةُ ومن سرقَ منهُ شيئًا بعدَ أن يُؤْويَهُ الجَرينُ فبلغَ ثمنَ المِجنِّ فعلَيهِ القَطع وذَكَرَ في ضالَّةِ الإبلِ والغنمِ كما ذَكَرَهُ غيرُهُ قالَ وسُئِلَ عنِ اللُّقطةِ فقالَ ما كانَ منها في طريقِ الميتاءِ أوِ القَريةِ الجامعةِ فعرِّفها سَنةً فإن جاءَ طالبُها فادفَعها إليهِ وإن لم يأتِ فَهيَ لَكَ، وما كانَ في الخَرابِ يعني فَفيها وفي الرِّكازِ الخمُسُ"الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 1710 - خلاصة حكم المحدث : حسن = الدرر =

الشرح :
كان الصَّحابةُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَستَفْتونَه في أمورِ دينِهم فيُفْتيهم، وفي هذا الحَديثِ يَرْوي عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ رَضِي اللهُ عَنهما: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "سُئِل عن الثَّمَرِ المعلَّقِ"، أي: المتدلِّي مِن الشَّجَرِ والنَّخيلِ، "فقال: مَن أصابَ بفيه مِن ذي حاجةٍ"، أي: مَن أكَل بفَمِه لِسَدِّ حاجتِه مِن الجوعِ "غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً"، أي: ولم يُخبِّئْ في خُبنَةِ ثوبِه شيئًا، والخُبنَةُ: هي الجيبُ الَّذي يَكونُ في الثَّوبِ، "فلا شيءَ عليه"، أي: لا إثمَ ولا عُقوبةَ علَيه، وقد قيل: إنَّ هذا يَكونُ في مَكانٍ عُرِف فيه المُسامَحةُ في ذلك، قال: "ومَن خرَج بشيءٍ مِنه"، أي: الثَّمَرِ "فعَلَيه غَرامةُ مِثلَيه"، أي: يَدفَعُ ضِعْفَي ما أخَذ، قيل: إنَّ هذا كان أوَّلَ الإسلامِ، ثمَّ صار الأمرُ أن يَدفَعَ ما أخَذ فقَط، قال: "والعقوبةُ"، أي: يُعاقِبُه القاضي حسَبَ ما يَرى، "ومَن سرَق منه شيئًا بعدَ أن يُؤوِيَه الجَرِينُ"، أي: مَن أخَذ مِن الثَّمرِ شيئًا بعدَ أن يَتِمَّ وَضعُه وتخزينُه في الجَرينِ، والجَرينُ: موضعٌ تُجفَّفُ فيه الثِّمارُ أو تُخزَنُ، "فبَلَغ ثَمَنَ المِجَنِّ"، أي: فبلَغَت قيمةُ ما أخَذه كثَمَنِ المِجَنِّ، والمِجنُّ: هو ما يَستَتِرُ به المُحارِبُ مِن التُّرسِ وغَيرِه، وكانت قيمتُه رُبعَ دينارٍ، "فعَلَيه القطعُ"، أي: تُقطَعُ يَدُه، "وذَكَر"، أي: راوي الحديثِ "في ضالَّةِ الإبِلِ والغنَمِ كما ذَكَره غيرُه"، أي: مِن الرُّواةِ، حيث قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: إنَّها لك أو لأخيك أو للذِّئبِ إن ترَكتَها، وفي روايةٍ أخرى قال في ضالَّةِ الشَّاءِ: "فاجمَعْها حتَّى يأتيَها باغيها"، أي: حُكْم الشَّاةِ الَّتي تَضيع مِن صاحبِها أن يَجمَعَها، أي: يَأخُذَها ويضُمَّها معَ غنَمِه، حتَّى يأتِيَها باغيها، أي: صاحِبُها الَّذي ضاعَت منه.
قال عبدُ اللهِ رَضِي اللهُ عَنه: "وسُئِلَ"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "عن اللُّقَطةِ"، واللُّقَطةُ: مِقدارُ ما يَجِدُه أحَدُهم مِن مالٍ ضائعٍ في الطَّريقِ لا يُعرَفُ له صاحِبٌ، فقال "ما كان مِنها في طَريقِ الْمِيتَاءِ"، أي: ما سقَط في الطَّريقِ العامِّ الَّذي يَسلُكُه النَّاسُ، "أو القريةِ الجامعةِ"، أي: العامِرَةِ بالسُّكَّانِ، "فعَرِّفْها سنَةً"، أي: أبلِغِ النَّاسَ وعَرِّفْهم بأنَّك وجَدتَ لُقَطةً، "فإن جاء طالِبُها"، أي: صاحِبُها الَّذي يُدْلي بأوصافِها ويَعرِفُها جيِّدًا؛ "فادفَعْها إليه"، أي: رُدَّ اللُّقَطةَ إليه، "وإن لَم يَأتِ"، أي: صاحِبُها؛ "فهي لك"، أي: لِمَن وجَدها، "وما كان في الخرابِ"، أي: الأماكِنِ المهمَلةِ وليس بها عِمْرانٌ وليست لِذي صاحِبٍ، والَّتي ربَّما يُلْقي فيها النَّاسُ المهمَلاتِ وغيرَها، "ففيها"، أي: اللُّقطَةِ، "الخُمسُ"، والخُمسُ: ما يَخرُجُ للهِ عزَّ وجلَّ، ويُصرَفُ في مَصارِفِه المعروفةِ، "وفي الرِّكازِ الخُمسُ"، والرِّكازُ: هو المالُ والكُنوزُ المدفونةُ في الأرضِ، والمرادُ: أنَّ ما يوجَدُ مِن مالٍ ظاهرٍ أو مدفونٍ في هذه الأراضي الَّتي لا يُعرَفُ أصحابُها، فإنَّه يُخرِجُ منه خُمسَه، ثمَّ يكون الباقي له.

= الدرر =
= هنا =

الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ

الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ

لَمَّا أفَاءَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النَّاسِ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصَارَ شيئًا، فَكَأنَّهُمْ وجَدُوا إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ ما أصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فألَّفَكُمُ اللَّهُ بي، وعَالَةً فأغْنَاكُمُ اللَّهُ بي كُلَّما قالَ شيئًا قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أمَنُّ، قالَ: ما يَمْنَعُكُمْ أنْ تُجِيبُوا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قالَ: كُلَّما قالَ شيئًا، قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أمَنُّ، قالَ: لو شِئْتُمْ قُلتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وكَذَا، أتَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبَعِيرِ، وتَذْهَبُونَ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْتُ وادِيَ الأنْصَارِ وشِعْبَهَا، الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ "الراوي : عبدالله بن زيد - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4330 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

الشرح:
المؤلَّفةُ قلوبُهُمْ هُم ممَّن أَسْلَموا بعدَ فَتحِ مكَّةَ، وفي إِسلامِهم ضَعفٌ، فأعْطاهمُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العَطايا ليُرغِّبَهم في الإسلامِ، كما يُوضِّح هذا الحديث، وفيه أنَّه لَمَّا أفاءَ اللهُ على رسولِهِ يومَ حُنينٍ، أي: أَعطاهُ غنائمَ الذينَ حاربَهمْ يومَ حُنَينٍ، فقَسَمَ الغَنائِمَ في النَّاسِ فأعطى المؤَلَّفةَ قلوبُهم، ولم يُعطِ الأنصارَ شيئًا؛ فكأنَّهمْ وَجدوا، أي: حزِنوا؛ إذْ لم يُصِبْهمْ ما أَصابَ الناسَ، حيثُ لم يَقسِمْ لهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فخَطبَهُم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ"يا مَعشرَ الأَنصارِ، ألَمْ أجِدْكمْ ضُلَّالًا فهَداكمُ اللهُ بي؟!" أي: كنتُم في ضلالةِ الشِّركِ، فهَداكمُ اللهُ بالإيمانِ"وكُنتمْ مُتفرِّقينَ فألَّفكُم اللهُ بي؟!" حيثُ كانوا مُتناحِرينَ مُتقاطِعينَ، يُحارِبُ بعضُهم بَعضًا كما في حربِ بُعاثٍ، فجَمَعهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وألَّفَ اللهُ بينَ قلوبِهمْ، "وكُنتمْ عَالةً"، أي: فُقراءَ، "فأَغناكُم اللهُ بِي؟!"، فكانَ مِن أدَبِ الأنصارِ أنَّهم كلَّما قالَ لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيئًا، قالوا لَهُ: (اللهُ ورَسولُهُ أمَنُّ)، أي: لهما الفَضلُ والمِنَّةُ على الحقيقةِ.
فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"ما يَمنعُكمْ أن تُجيبوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟" أي: تَردُّوا عليه وتذكُروا ما صَنعتُم معَه من مُساندةٍ، فلمَّا سَكتُوا، تَكلَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلِسانِهم فقالَ"لو شِئتُمْ قُلتُمْ: جِئتَنا كذا وكذا"، أيْ: أَتيْتَنا مُكذَّبًا فصدَّقناكَ، ومُخذَّلًا فنصَرْناكَ وطريدًا فآوْيناكَ، وعائِلًا فواسَيْناكَ، وهذا مِن تواضُعِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنصافِهِ، فلولا هِجرتُهُ إليهِم لكانوا كسائِرِ الناسِ، ثمَّ طيَّبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خواطِرَهم وهوَّنَ عليهمْ فقْدَهُم المالَ بقولِه"أتَرضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالشَّاةِ والبَعيرِ" وغيرِها من الأموالِ ومتاعِ الدُّنيا" وتذهَبونَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رِحالِكمْ؟"، أي: بُيوتِكمْ ومنازِلِكمْ، قالَ لهمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"لولا الهِجرةُ لكنتُ امرأً من الأَنصارِ"، أيْ: لولا أنِّي هاجرْتُ، وصِرتُ مَنسوبًا إلى الهِجرةِ، ولا يسعُني تركُها، لانتَسبْتُ إلى الأنصارِ، وكنتُ واحدًا مِنهم"ولوْ سلكَ الناسُ واديًا وشِعْبًا" أي: طريقًا في الجبلِ "لَسلَكْتُ واديَ الأنصارِ وشِعْبَها"؛ وذلكَ لفَضلِ الأنصارِ، "الأَنصارُ شِعارٌ" "الشِّعارُ" هو الثَّوبُ الذي على الجِلد"والناسُ دِثارٌ" "الدِّثارُ" هوَ الثوبُ الذي فوقَ الشِّعارِ، فأرادَ أنَّهمْ أقربُ الناسِ إليه، ثمَّ قالَ"إنَّكُمْ ستَلقَوْنَ بَعدي أَثَرةً"، أيْ: إنَّهُ سيُفضَّلُ غيرُكمْ علَيْكمْ في الأموالِ المُشترَكةِ العامَّةِ، وأرشدَهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ما يَصنعونَ فقالَ: "فاصبِروا حتى تلقَوْني على الحوْضِ"، فتَنالوا الثوابَ الكبيرَ والأجرَ الجَزيلَ ما يُعوِّضُكمْ عن هذِه الأَثَرةِ.
وفي هذا الحديثِ: إِشارةٌ إلى جَلالَةِ رُتبةِ الهِجرةِ، ومَنزِلةِ الأَنصارِ.
وفيه: أنَّ مَن فازَ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم واتِّباعِه، فقدْ فازَ بكلِّ شيءٍ. .

- الدرر -