الاثنين، 6 يناير 2020

ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟

ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟

"أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه قَبَّلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مَيِّتٌ. قَالَ: وقَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ في مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إلَيْنَا: أنْ لا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهيةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ: ألَمْ أنْهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟ قُلْنَا: كَرَاهيةَ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: لا يَبْقَى في البَيْتِ أحَدٌ إلَّا لُدَّ وأَنَا أنْظُرُ إلَّا العَبَّاسَ، فإنَّه لَمْ يَشْهَدْكُمْ."الراوي : عبدالله بن عباس و عائشة - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 5709 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

الشرح: يَحكي ابنُ عَبَّاسٍ، وَعائِشةُ رضي اللَّه عنهما، أنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي اللَّه عنه قَبَّلَ النَّبيَّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وَهوَ مَيِّتٌ، بَعدَ أنْ كَشَفَ وَجهَهُ وَأكَبَّ عليه. وَقالَتْ عائِشةُ رضي اللَّه عنها "لدَدْناهُ" صلَّى اللَّه عليه وسلَّم، أي: جَعَلْنا الدَّواءَ في جانِبِ فَمِهِ بِغَيرِ اختيارِهِ في مَرَضِهِ الَّذي ماتَ فيهِ، فَجَعَلَ يُشيرُ إلَيْنا أنْ لا تَلُدُّوني، فَقُلْنا: هَذا الِامتِناعُ كَراهيةُ المَريضِ لِلدَّواءِ، أي: نَهانا لِكَراهيةِ الدَّواءِ، فَلَمَّا أفاقَ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالَ: ألَم أنهَكُم أنْ تَلُدُّوني؟ قُلنا: كَراهيةُ المَريضِ لِلدَّواءِ. فَقالَ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: لا يَبْقى في البَيتِ أحَدٌ مِمَّن تَعاطَى ذلك وَغَيرَهُ إلَّا لُدَّ، تَأديبًا لهم؛ لِئَلَّا يَعودوا. وَتَأديبُ الَّذينَ لَمْ يُباشِروا ذلك لِكَونِهِم لَم يَنهَوا الَّذينَ فَعَلوا بَعدَ نَهْيِهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يَلُدُّوهُ. وَأنا أنْظُرُ، إلَّا العَبَّاسَ عَمَّه، فَإنَّهُ لَم يَشْهَدْكُم حالةَ اللُّدُودِ. وَإنَّما أَنْكَرَ التَّداوي لِأنَّهُ كانَ غَيرَ مُلائِمٍ لِدائِه؛ لِأنَّهُم ظَنُّوا أنَّ به ذاتَ الجَنبِ فَداوَوْهُ بما يُلائِمُها، ولَم يَكُن به ذلك.
- الدرر -
"لددناه" جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختباره فهذا هو اللد والاسم منه اللدود.
والذي جعل في الحلق يسمى الوجور .
والذي يجعل في الأنف السعوط .
"كراهية المريض للدواء " أي يقول هذا كراهية للدواء كما يكرهه كل مريض. هنا -

يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ

يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ

"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وهو أعْلَمُ بهِمْ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ."الراوي : أبو هريرة- المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 555 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر -

الشرح
يُبَيِّن لنا رَسولُ اللهِ صلَّى الله علَيه وسلَّم أنَّ المَلائِكةَ تَتَناوَب على حِراسةِ البَشرِ فطائِفة تَحرُسهم لَيلًا، وطائِفة أُخرى تَحرُسهم نهارًا، ويَجتمِعون في صَلاةِ الفَجرِ، أي: تَجتمِع ملائكةُ النَّهارِ بملائِكةِ اللَّيلِ في صَلاةِ الفَجرِ؛ حيثُ يَنزِل ملائكةُ النَّهارِ عِندَ أوَّلِ الصَّلاةِ، ولا زال ملائكةُ اللَّيل مَوجودينَ فيَلتَقون بِهم. وصَلاة العَصرِ، أي: ويَجتمِع مَلائكةُ اللَّيلِ بمَلائكةِ النَّهارِ في صَلاةِ العَصرِ. ثُمَّ يَعرُج الَّذينَ باتوا فيكُم، أي: ثُمَّ يَصعَد مَلائِكةُ اللَّيلِ بعد صَلاةِ الفَجرِ فيَسأَلهم الرَّبُّ عزَّ وجلَّ وهو أعلَم بهِم: كَيفَ تَركْتُم عِبادي؟ أي: يَسأَلُهم كَيفَ تَركتُم عِبادي، وهو في غِنًى عَن سُؤالِهم هذا؛ لأنَّه عَليم بِهم، وإنَّما يَسأَلُهم عَن ذلِك في المَلأ الأعْلى؛ تَنويهًا بِشأنِ بَني آدَمَ وبَيانًا لِفَضلِهم، ولِيُباهي بهِم المَلائكةَ فيَقولون تَركْناهم وهُم يُصلُّون صَلاةَ الصُّبحِ وأَتَيْناهم وهُم يُصلُّون صَلاةَ العَصرِ، فَهم في صَلاةٍ دائِمةٍ. وكذَلِك يَسألُ عزَّ وجلَّ مَلائكةَ النَّهارِ، فيُجيبون بِمِثل ما أجابَ به مَلائكةُ اللَّيلِ.
في الحديثِ: أنَّ الصَّلاةَ أعلى العِباداتِ؛ لأنَّه عليها وَقَعَ السُّؤالُ والجوابُ.
وفيه: التَّنبيهُ على أنَّ الفَجرَ والعَصرَ مِن أعظَمِ الصَّلواتِ.
وفيه: الدَّلالةُ على أنَّ اللهَ تعالى يَتكلَّم مَعَ مَلائِكتِه.

- الدرر -
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
المحافظة عليهما من أعظم الأسباب في المحافظة على البقية وعلى بقية أمور الدين، وما ذاك إلا لأن الصبح تكون في أول النهار عند حلاوة النوم لمن يسهر، وعند شدة البرد في وقت البرد، وعند حلاوة النوم في القيظ، فكثير من الناس قد يكسل عنها ويضعف ولكن أهل الإيمان والتقوى وقوة الإيمان يبادرون إليها في كل وقت ويحافظون عليها في جميع الأوقات، وهكذا العصر تكون عند نهاية النهار وعند كد الإنسان في الأعمال وعند إيابه إلى أهله غالبًا فربما تساهل فيها، فمن رحمة الله أن حث على العناية بهما والمحافظة عليهما في جميع الأوقات، والصلوات الخمس كلها عمود الإسلام، وكلها فرض على العبد أن يواظب عليها في وقتها، ولكنه يخص الفجر والعصر بمزيد عناية لأن وقتهما في طرفي النهار، يعتري فيه الإنسان ما قد يكسله ويضعفه عن أدائهما مع إخوانه في جماعة، ومما ورد فيهما قوله صلى الله عليه وسلم: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فينا بعد صلاة الفجر، ويعرج الذين معنا في النهار بعد صلاة العصر فيسألهم ربهم -وهو أعلم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، هذه منقبة لأهل الصلاة وأن الملائكة تشهد لهم عند ربههم أنهم أتوهم وهم يصلون وتركوهم وهم يصلون، فليحرص المؤمن على المحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة حتى تشهد له الملائكة بهذه الشهادة العظيمة.
الحديث الثاني
وحديث جرير بن عبدالله البجلي يقول النبي
صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر ليلة البدر يعني عند استكماله ليلة أربعة عشر عند قوة نوره فقال: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر ليلة البدر يعني رؤية واضحة لا إشكال فيها، ولهذا قال: لا تضامون في ذلك من الضيم لا يزدحمون ولا يحتاج الزحام، ويروى لا تضامون يعني لا ينضم بعضكم لبعض للرؤية فهي رؤية واضحة، وفي اللفظ الآخر: لا تضارون في رؤيته يعني لا تشكون في رؤيته، فهذا فيه بشرى لأهل الإيمان وأنهم يرون ربهم يوم القيامة في الموقف وفي الجنة، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا يعني المحافظة على هاتين الصلاتين أكثر من غيرهما من أسباب التلذذ برؤية الله ورؤيته يوم القيامة وفي الجنة، ويفيد أن لأهل الصلوات خصوصية المحافظين على الصلوات والمعتنين بها لهم خصوصية في رؤية وجه ربهم رؤية أكمل من غيرهم قال الله جل وعلا "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ "يونس:26، جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الزيادة النظر إلى وجه الله فأهل الإيمان الذين أحسنوا إيمانهم لهم الحسنى وهي الجنة، ولهم زيادة وهي النظر إلى وجه الله عز وجل لكمال إيمانهم وكمال تقواهم ومحافظتهم على الصلوات وأداء حق الله وحق عباده.
الحديث الثالث
كذلك حديث بريدة: من ترك صلاة العصر حبط عمله، وفي اللفظ الآخر: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله إن فاتته فهي مصيبة عظيمة كأنما وتر أهله وماله إذا فاتته الجماعة أو فاتته في وقتها لنوم أو غيره فكأنما وتر أهله وماله، أما من تركها عمدًا فإنه يحبط عمله يكفر بذلك، من تركها عمدًا بطل عمله وكفر بذلك كغيرها من الصلوات لقوله
صلى الله عليه وسلم: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة، وقوله صلى الله عليه وسلم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر فهذا يوجب العناية بالصلوات والمحافظة عليها والحذر من تركها والتساهل بأدائها في الوقت، فهي عمود الإسلام وهي الفارقة بين المسلم والكافر، وهي الحافظة من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
وفي الحديث الآخر يقول
صلى الله عليه وسلم: أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته أول شيء يحاسب عليه يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وفي اللفظ الآخر: فإن قبلت صلاته قبل سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله فعليك يا عبد الله أن تحرص على المحافظة على الصلاة بطمأنينة وإخلاص وخشوع وأن تكون لك عناية بالفجر والعصر أكثر وأعظم.
رزق الله الجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

.هنا -

أمَا يُحبُّ أحدُكم أن يكونَ له من يُذكرُ به

أمَا يُحبُّ أحدُكم أن يكونَ له من يُذكرُ به

"إنَّ ممَّا تذكرونَ من جلالِ اللهِ التسبيحَ والتهليلَ والتحميدَ ينعطِفْنَ حولَ العرشِ لهنَّ دويٌّ كدويِّ النحلِ تُذكِّرُ بصاحبِها أمَا يُحبُّ أحدُكم أن يكونَ له أو لا يزالَ له من يُذكرُ به"الراوي : النعمان بن بشير - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3086 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

الشرح:
ذِكْرُ اللهِ تعالى بقلْبٍ خاشعٍ له فضْلٌ كَبيرٌ، وقد حَثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على تَرطيبِ الألْسِنةِ بذِكْرِ اللهِ، وتَعميرِ القُلوبِ به.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ رضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال "إنَّ ممَّا تذكُرونَ مِن جَلالِ اللهِ"، أي: تَعظيمِه "التَّسبيحَ"، وهو قولُ: سُبحانَ اللهِ، وما شابَه ذلك، "والتَّهليلَ" وهو قولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، "والتَّحميدَ" وهو قولُ: الحمدُ للهِ، "يَنْعَطِفْنَ حَولَ العرْشِ"، أي: هؤلاء الكلماتُ والجُمَلُ الأربعُ يَمِلْنَ ويَدُرْنَ حولَه، والمُرادُ طَوافُهنَّ حَولَ العرشِ، "ولهنَّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النَّحلِ"، أي: صَوتٌ يُشْبِهُ صَوتَ النَّحلِ؛ مِن كثرةِ تَكرارِ هذه الكلماتِ وتَرديدِها، "تُذَكِّرُ بصاحبِها"، أي: تذكُرُ أنَّ قائلَها فلانٌ، في المَقامِ الأعلى، وفي هذا أعظَمُ حَضٍّ على الذِّكْرِ بهذه الألفاظِ، "أَمَا يُحِبُّ أحدُكم أنْ يكونَ له- أو لا يزالَ له- مَن يُذَكِّرُ به"، أي: عندَ اللهِ وحَولَ عرْشِه.
وهذا مِن الحَثِّ على الاستكثارِ مِن هذا الذِّكْرِ؛ فالتَّسبيحُ: تنزيهٌ للهِ عن كلِّ ما لا يليقُ به، والتَّحميدُ: إثباتٌ لأنواعِ الكمالِ للهِ في أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، والتَّهليلُ: إخلاصٌ وتوحيدٌ للهِ وبَراءةٌ مِن الشِّركِ، والتَّكبيرُ: إثباتٌ لعَظَمَةِ اللهِ، وأنَّه لا شيءَ أكبَرُ منه؛ فاشتمَلَتْ هذه الجملُ على جُملةِ أنواعِ الذِّكْرِ مِن التَّنزيهِ والتَّحميدِ والتَّوحيدِ والتَّمجيدِ، ودِلالتُها على جميعِ المَطالِبِ الإلهيَّةِ إجمالًا. ولهذه الكلماتِ فَضائلُ عَظيمةٌ أُخرَى، ومِن ذلك: أنَّهنَّ مُكفِّراتٌ للذُّنوبِ، وأنَّهنَّ غَرْسُ الجنَّةِ تُغْرَسُ لقائلِها.
وفي الحديثِ: الحَثُّ على ذِكْرِ اللهِ بهذه الكلماتِ.
وفيه: بيانُ فضْلِ الذِّكْرِ.الدرر السنية.

لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ ، ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ


"لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ ، ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ"الراوي : سلمان الفارسي - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 2139 - خلاصة حكم المحدث : حسن- الدرر-
الشرح: جعَل اللهُ سبحانه وتعالى بحِكمَتِه لكلِّ شيءٍ في هذه الدُّنيا سَببًا؛ فجعَل الولَدَ يأتي بالزَّواجِ، والمريضَ يُشْفى بالدَّواءِ، وكذلك جعَل القَضاءَ يُرَدُّ بالدُّعاءِ، والعُمرَ يَزيدُ بالبِرِّ، كما يقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في هذا الحديثِ "لا يَرُدُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ أي: الأمرَ المقدَّرَ، فالدُّعاءُ يَكونُ سببًا في عَدَمِ نُزولِ البلاءِ المقدَّرِ لذلك الشَّخصِ، وقيل: رَدُّه هو تَهْوينُ وتَخفيفُ ما نزَل على العبدِ مِنه، "ولا يَزيدُ في العُمرِ إلَّا البِرُّ أي: الطَّاعاتُ، والإحسانُ إلى الوالِدَينِ والأرحامِ وسائرِ النَّاسِ؛ فهي سَببٌ في زيادةِ العُمرِ، وقيل: الزِّيادةُ المَعنِيَّةُ هي البرَكةُ في وَقتِه وعُمرِه، وكلٌّ مِن رَدِّ القضاءِ بالدُّعاءِ، وزيادةِ العمرِ بالبِرِّ- إنَّما هُما مِن الأمورِ المكتوبةِ للشَّخصِ عندَ اللهِ سبحانه وتعالى في اللَّوحِ المحفوظِ، وقد سبَقَتْ في عِلمِ اللهِ سبحانه وتعالى، لكنَّ الأمرَ فيها من بابِ الأسبابِ والمسبِّباتِ، كالدَّواءِ للمَريضِ، ونحوِ ذلك.
وفي الحديثِ: تَقديرُ اللهِ سبحانه وتعالى للجزاءِ وسَببِه.
وفيه: الإرشادُ إلى كَثرةِ الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ إلى اللهِ في كلِّ الأحوالِ.
- الدرر-



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن الإيمان بقدر الله وقضائه واجب بل هو الركن السادس من أركان الإيمان، قال الله تعالى
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ "القمر:49.
وفي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في إجابته عن الإيمان"
أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ".
والدعاء من قدر الله تعالى، فإذا أصاب العبد ما يكرهه أو خشي ما يصيبه فمن السنة أن يدعو الله تعالى أن يرفع عنه البلاء ويصرف عنه شر ما يخشاه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"
لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ". صحيح الترمذي.
وهذا لا يعني التعارض بين القدر والدعاء ولاتغيير القدر، فإن الدعاء مقدر كما سبق، ولكن المراد أن ما في أيدي الملائكة من الصحف قد يتغير، فمن أوشك أن ينزل به البلاء فدعا الله، صرف عنه ذلك.
والعبد لايدري ما كتب له، ولذلك ينبغي أن لا يتهاون في الدعاء قبل نزول البلاء أو بعده.
روى الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"
إِنَّ الدعاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نزلَ ومِمَّا لمْ يَنْزِلْ ، فَعليكُمْ عِبادَ اللهِ بالدعاءِ" صحيح الترغيب والترهيب.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في أوقات الشدة الأزمات ويسأل الله تعالى أن يرفع البلاء، فعن عائشة رضي الله عنها
"أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أهْلِهِ، يَمْسَحُ بيَدِهِ اليُمْنَى ويقولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا" صحيح البخاري.
«لا يُغادِر»، أي: لا يَترُك «سَقَمًا» أي: مَرَضًا.
ولا ينبغي للمسلم أن يستسلم ويترك الأسباب بحجة أن هذا قدره، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له.

"كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، ذَاتَ يَومٍ جَالِسًا وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ به، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ" لَا،اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له ، ثُمَّ قَرَأَ"فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى"، إلى قَوْلِهِ "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى" الليل: 5 - 10."صحيح مسلم.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.". صحيح مسلم.
وفي رواية "
قدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فعلَ" صحيح ابن ماجه.
فعلى المسلم أن يتسبب ويتعالج ويسترقي .....وكل ذلك من قدر الله تعالى وقضائه وإذا أصابه بعد ذلك ما يكره فليقل: قدر الله وما شاء فعل، كما أرشده الرسول صلى الله عليه وسلم. وسيجد بردها على قلبه إن كان صادقًا.
إسلام ويب بقليل تصرف في تحقيق الأحاديث .


أنواع القدر:
من الضوابط في موضوع القضاء والقدر أن التقدير هذا القدر والتقدير منه ما هو أزلي، ومنه ما هو عمري، ومنه ما هو حولي، ومنه ما هو يومي:
الأول:التقدير الأزلي: فهو كتابة المقادير في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، خلق الله القلم، وقال له: اكتب.رواه أبو داود: 4702، وصححه الألباني صحيح الجامع: 2018، والله يعلم قبل خلق القلم ماذا سيكون؟
"إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ : اكتبْ، قال : ربِّ وماذا أكتبُ ؟ قال : اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ . يا بنيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول : من مات على غيرِ هذا فليسَ مِني"الراوي : عبادة بن الصامت - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود-الصفحة أو الرقم: 4700 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهم يُعلِّمونَ أبناءَهم ومَنْ بَعْدَهم أمورَ العَقيدةِ ومَسائِلَها؛ حتَّى يَكونَ الإيمانُ في قُلوبِهم على أَكْمَلِ وَجْهٍ لا يَشوبُه مِنْ أمراضِ القلوبِ شيءٌ. "قال: اكْتُبْ مَقاديرَ كُلِّ شيءٍ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ" أي: إنَّ اللهَ أمَرَه أنْ يَكْتُبَ مَقاديرَ كُلِّ شيءٍ في الكونِ بالطَّريقةِ والكيفيَّةِ الَّتي أمَرَه اللهُ أنْ يَكْتُبَ بها ما أراد اللهُ إيجادَه إلى يومِ القيامةِ، قال عُبادةُ "يا بُنيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: مَنْ مات على غيرِ هذاأي: على غيرِ الإيمانِ بالقضاءِ والقَدَرِ، "فليس مِنِّي"، أي: فإنَّه ليس مُؤمِنًا بالعَقيدةِ الَّتي جاء بها النَّبيُّ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.الدرر.
الثاني:التقدير العمري: تقدير كل ما يجري للعبد في حياته إلى مماته، وشقائه وسعادته، وأجله، ورزقه، وعمله، ويكون هذا التقدير عند نفخ الروح في بطن أمه،

قال عبد الله بن مسعود"
حَدَّثَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قالَ: إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ويُقَالُ له: اكْتُبْ عَمَلَهُ، ورِزْقَهُ، وأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ، فإنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ الجَنَّةِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ حتَّى ما يَكونُ بيْنَهُ وبيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ."صحيح البخاري.
هذا أي تقدير العمري.

الثالث
: التقدير الحولي
: يكون في ليلة القدر، وهو التقدير السنوي؛ الذي يكتب فيه في كل سنة ماذا يحدث فيها من موت وحياة، ومرض وعافية، ورزق ومطر وقحط، وحتى الحج يكتب فلان يحج، وفلان يحج، هذا التقدير الحولي، وقد قال سبحانه وتعالى" فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ "الدخان: 4.
في تلك الليلة من السنة، ومعنى يفرق: يفصل، ويبين، ويكتب في هذه الليلة المباركة ليلة القدر، كل أمر فيه حكمة، لأن كل ما يفعله ربنا سبحانه مشتمل على أنواع الحكم الباهرة، ففي كل ليلة قدر من السنة يبين الله للملائكة، ويكتب لهم بالتفصيل ما يقع في تلك السنة إلى ليلة القدر التي بعدها من السنة الجديد، فيكتب في صحف الملائكة الآجال، والأرزاق، والفقر، والغنى، والخصب، والجدب، والصحة، والمرض، والحروب، والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنًا ما كان.

الرابع:أما التقدير اليومي الذي ذكره ربنا بقوله"كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.الرحمن: 29، فإنه سبحانه وتعالى في كل يوم يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويعز ويذل، ويمرض ويشفي، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا، وهكذا من الأفعال الكثيرة التي تحدث كل يوم في العالم، فهذا التقدير اليومي تفصيل التقدير الحولي، والتقدير الحولي تفصيل التقدير العمري، والتقدير العمري تفصيل التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين.
*من الضوابط في القضاء والقدر: أن القدر سر من أسرار الله، لا مدخل للعقل فيه، الإيمان بما جاءت به المقادير واجب، والاقتصار في باب القدر على ما ورد في القرآن والسنة، والتسليم وعدم التنقير، وإثارة الشبهات لا بدّ منه، لازم وإلا ضاع الإنسان؛ لأن هناك قضايا ما يستوعبها الإنسان، ولا يحيط بها، والله سبحانه وتعالى عليم خبير، وكثير من الذين خاضوا في القدر، وتكلموا فيه بغير علم، ونبشوا فيه، ونقروا، ونقبوا، وتعمقوا، بعضهم انتهى إلى الضلال المبين.
ضوابط في الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ محمد صالح المنجد - هنا-

هن
هل الدعاء يغير المكتوب عند الله تعالى؟
الدعاء من القدر، والمكتوب لا يتغير، فالقدر قدران: قدر محتوم لا حيلة فيه، وقدر معلق، فيكون بعض القدر معلق بالدعاء فإذا دعا زال المعلق، قد يكون معلق أن الله جل وعلا يتوب عليه إذا صلى.. إذا صام.. إذا فعل كذا، فهذا قدر معلق الله جل وعلا يرفعه عنه بما فعل من الطاعات والأعمال الصالحات والتوبة.
فالأقدار تعالج بالأقدار، مثلما قال عمر لما أشار عليه الصحابة في غزواته إلى الشام ووقع الطاعون أشاروا عليه بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم استقر أمره على الرجوع من المدينة وعدم القدوم على الطاعون، فقال: تفر من قدر الله؟ فقال : نفر من قدر الله إلى قدره، الله أمرنا بأن لا نقدم عليه لا نقدم على هذا المرض، فإذا تركنا القدوم عليه فقد فررنا من قدر الله إلى قدر الله، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف فأخبر عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن لا يقدم عليه ففرح عمر بذلك وأن الله وفقه لما جاء به النص بعدما استشار الصحابة.
وهكذا الإنسان تصيبه الحمى فيتعاطى الأسباب، يفر من قدر الله إلى قدر الله، يجوع يأكل حتى يزول الجوع يفر من قدر الله إلى قدر الله، يصيبه الحر فيشرب الماء البارد أو يتروش يفر من قدر الله إلى قدر الله، يصيبه المرض في عينيه فيعالجها بأنواع العلاج يفر من قدر الله إلى قدر الله، وهكذا أنواع العلاج كلها تفر من قدر الله إلى قدر الله. نعم.
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله .
 
 

حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا، أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ

🍃عنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ🍃إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا، أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا.🍃
🔹الراوي : أبو سعيد الخدري - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري

🌥شرح الحديث :🍃في هذا الحديثِ مَشْهَدٌ مِن مَشاهِدِ يومِ القِيامَةِ المَهُولَةِ العَظِيمَةِ، حيْثُ يُحبَسُ المؤمنون بعدَ أن يَتجاوزوا الصِّراطَ ويُنَجِّيَهم الله تعالى بفضلِه ورحمتِه مِن النارِ، فتُوقِفُهم الملائكةُ على قَنْطَرَةٍ أو جِسْرٍ بينَ الجنَّة والنارِ، فيَتقاصُّونَ مَظالِمَ كانت بَيْنَهم في الدُّنيا، يعني: يَقْتَصُّ المظلومُ مِن ظالِمِه حقَّه الَّذِي اعتدَى عليه في الدُّنيا، حتَّى إذا طُهِّروا وتخلَّصوا من حقوقِ الناس أُدخِلوا الجنَّةَ، وهم أعرَفُ بمنازِلِهم فيها مِن أهلِ الدُّنيا بمنازلِهم.
*وفي الحديثِ: التَّحذِيرُ مِن المظالِمِ، والتَّأْكِيدُ على أنَّه ما مِن حَقٍّ إلَّا سَيرجِعُ لِصاحِبِه يومَ القِيامَةِ؛ فَلْنَعْمَلْ لِمِثْلِ هذا اليومِ العظيمِ.الدرر
هؤلاء من نُجوا من النار ،مابال من يدخلها أولًا ثم ينجو بعد عذاب ليقضي ما عليه ،ربنا يسلم ويرحمنا ولا يجعل لأحد عندنا حق ،اللهم اغفر لي ولوالدي ولكل من له حق علي.

اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا

اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا
"كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقْضِي اللَّهُ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شَاءَ". الراوي : أبو موسى الأشعري - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 1432 .
اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب، أي: أن ما قدره الله كائن، ويمكن أن يستنبط منه ومن الحديث الذي بعده أن قبول الشفاعة ليس بلازم إذا شفعوا، فليس معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم؛ يوافقهم على ما قالوا ويعطيهم ما سألوا وما شفعوا فيه؛ لأنه لم يقل صلى الله عليه وسلم: تؤجروا ويحصل ما شفعتم به مثلًا، وإنما قال: ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء، أي: أنه لا يلزم أن يتحقق هذا الأمر الذي طلبتم، ولكن أنتم تقومون بهذا العمل الطيب وتتربوْن عليه وتنفعون إخوانكم وتحصلون على الأجر، وبذلك يحصل التواصل في المجتمع، ويتحقق ذلك الوصف المطلوب فيهم، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقول الله "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" الحجرات:10. فهذا من مقتضى الأخوة الإيمانية، أما أن يبقى الإنسان لا يعيش إلا لنفسه فقط، ولا يسعى إلا لمصالحها، ولا يلتفت إلى إخوانه المسلمين فهذا أمر لا يليق بحال من الأحوال، فهذه أنانية مَقِيتة، والواجب على الإنسان أن يتخلى عن ذلك.
كثير من النَّاس أُوتِي جاه فَيَأْتِيهِ المُحتاج لِيَشفع لهُ عنْد فُلان وعَلاَّن، ويقول والله يا أخي عَجِزْنَا عنهُ هذا كِتَبْنا لهُ مِرَارًا ما اسْتَفَدْنا.
يا أخي اكتب! ألا تريد الأجر؟ يَقْضِي الله على لسان مَخْلُوقِهِ ما شاء، طَلَبْ ولاّ ما أَجَاب قُبِل ولاّ مَا قُبل هذا ليس لك، النَّتَائِج ليس بيدك، أنْتَ مَأْمُور بالشَّفَاعة"
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا"النِّساء / 85؛ فالشَّفاعة لا تُكَلِّفُ شيئًا هي مُجَرَّد كلمة، والآنْ بعد ما يحتاج إلى أنْ تَلْبَس حِذَائِك وبِشْتِك وتُرُوح تِشْفَع، لا إمَّا تِلِفُون أو وَرَقَة اكْتُب وأنْت جالس وتُرُوح يَثْبُت لك هذا الأجر، ونَعْرِف من سَادَ الأُمَّة لا بِقُوَّتِهِ ولا بِمَالِهِ ولا بشيء - ولكن - بمثل هذه الشَّفَاعَات؛ لأنّ بعض النَّاس يتصور أنَّهُ كُل ما كتب تهبط قيمتُهُ، ينزل مُسْتَواه وما أشبه ذلك، لا لا أبدًا العكس، الذِّي يَتَولَّى الشَّفاعة للنَّاس لا شكَّ أنَّ الله -جلَّ وعلا- يَرْفَعُهُ في الدُّنيا والآخرة.
النَّووي -رحمهُ الله- كان صاحب شَفَاعَات من جاءَهُ كَلَّم عنهُ الوُلاة وكَتَب، ويَسْمَع أَحيانًا ما يَسُرُّهُ وأحيانًا ما يَسُوءُهُ، يَضِيرُهُ شيء؟! يحصل له الأجر ، بعث له الوالي مرَّة من المرَّات، قال: لا تَشْفَع لِأَحَد، فَجَاءَهُ شخص شفع لهُ، ثاني شفع لهُ، لمَّا نَظَر الوالي وين المَسْأَلة؟ اعْتَرَفْ بِأَنَّ أَمْرَهُ لله، ولاّ بعض النَّاس إذا جَاءَهُ مثل هذا الكلام الخَشِن تَأْخُذُهُ العِزَّةُ بِالإِثْم ويَيْأَس وخلاص انتهى كُل شيء بالنِّسْبَةِ لهُ؛ لكنّ النَّووي أَعَادَ الشَّفَاعة، أعاد الشَّفاعة، ثُمّ قال الوالي: أَشْهَدُ أنَّهُ يَشْفَعُ لله، فَأَجَاب طلبهُ، وصار لا يَرُدُّ لهُ طَلَب.
وَأَدْرَكْنَا من الشُّيُوخ مَن يَشْفَع للصَّغِير والكَبِير عِنْدَ الكَبِير والصَّغِير، ورَفَعَ الله -جَلَّ وعلا- مَنْزِلَتَهُ فِي الدُّنيا والآخرة، والآخرة اللهُ أعلمُ بِها؛ لكنْ هذا الذِّي يَغْلِبْ على الظَّن، امْتِثَالًا لهذا الحديث"اشفعوا تُؤجروا" يعني ما الذِّي يَضِيرُك أنْ تُكَلِّم فُلان أو عَلان مِنْ أَجل فُلان؟ وإذا كانت هذه الشَّفاعة أيضًا فيما يُقَرِّبُ إلى الله -جَلَّ وعلا- كُنتَ مِمَّن دلَّ عليه، ولك نصيبٌ من هذا الأَجر، شَرِكْتْ صَاحب هذا الأجر "
يَقْضِي اللَّهُ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شَاءَ". النَّتَائِج ليست بيد الشَّافع ولا المَشْفُوع لهُ ولا المَشْفُوع عنده، الله -جلَّ وعلا- هو المُعْطِي وهو المَانِع"و إنما أنا قاسمٌ ، و اللهُ يُعطى"اشْفَع لفُلان يُعْطَ من بيت المَال كَذا أو يُعْطَ من مَال فُلان التَّاجِر كذا، الله المُعطِي -جَلَّ وعلا-، المَسْأَلَة لَيْسَت مُلْزِمَة؛ لكنْ أَنْتْ احْصَلْ عَلَى الأَجْر المُرَتَّبْ على الشَّفَاعة في هذا الحَدِيث الصَّحِيح، وعَادْ كُوْنُهُ يُجَابْ أو لا يُجَابْ تَمَنَّ أنْ يُجَابْ طَلَبْك تَمَنَّ وتَرْجُو ذلك، إِذَا لمْ يُجَبْ حَصَلَ لكَ الأَجْر وتَحْقِيقُهُ والمُسَبِّب هو الله -جَلَّ وعَلا- هو الذِّي يُرَتِّبْ المُسَبِّبَات على أَسْبَابِها، والله المُسْتعان.
هنا-الشيخ عبد الكريم عبد الله الخضير.

إنما أنا مُبلِّغٌ ، و اللهُ يَهدي ، و إنما أنا قاسمٌ ، و اللهُ يُعطى"الراوي : معاوية بن أبي سفيان - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع- الصفحة أو الرقم: 2347 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

*وتكلمنا على مثل هذه المعاني في مناسبات شتى، وأسوأ من ذلك أن يكون الإنسان عنده حاجة أخيه وهو يستطيع أن يمضيها أو يمنعها، ومع ذلك يمتنع -من غير ضرر- حتى لا يخرج من تحت يده شيء، مع أنه لا يخسر ولا يحصل من هذا ضرر، أما إذا كان يحصل من ذلك ضرر فهنا لا إشكال، لأنه مؤتمن على ما تحت يده، لكن أحيانًا لا يحصل ضرر إطلاقًا ومع ذلك يمتنع فهذا لا يجوز، وأسوأ من ذلك أن يحبس حاجات الناس ومصالحهم حتى يعطى رشوة، فهذا من أكبر الكبائر، والناس في الشر يتفاوتون، كما أنهم في الخير يتفاوتون.
"أنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كانَ عَبْدًا يُقَالُ له مُغِيثٌ، كَأَنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي ودُمُوعُهُ تَسِيلُ علَى لِحْيَتِهِ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِعبَّاسٍ: يا عَبَّاسُ، ألَا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، ومِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لو رَاجَعْتِهِ قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: إنَّما أنَا أشْفَعُ ،قالَتْ: لا حَاجَةَ لي فِيهِ".الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 5283 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
وبريرة -رضي الله عنها- كانت مملوكة، قيل: لبني المغيرة، وقيل غير ذلك، وزوجها مغيث، وهو أيضًا مملوك، فأعتقت بريرة، وإذا أعتقت المرأة فإنها تخير في البقاء مع زوجها المملوك أو في تركه؛ لأن الكفاءة هنا منتفية، فبطبيعة الحال بريرة مخيرة، فاختارت أن تفارق زوجها، وكان يحبها حبًّا شديدًا، كما جاء في بعض الروايات أنه كان يتبعها ويكفكف دموعه يبكي على فراقها، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق له، فقال"لو رَاجَعْتِهِ" ، وهذا أسلوب فيه تحضيض وعرض، وفيه مقدر محذوف، أي: لو راجعته لكان أجرًا، لكان ثوابًا، لكان حسناً، ولكنه لا يدل على الإلزام، هي عبارة تحتمل، وتنبئ عن رغبة بحصول هذا الأمر، لكن ليس بأمر واضح صريح مؤكد، فقال لها: "لو رَاجَعْتِهِ" من باب الإشارة عليها، فقالت: يا رسول الله، أتأمرني بمراجعته، وفي بعض الروايات أنها سألته أآمرٌ أم شافع؟، فقال لها النبي "إنَّما أنَا أشْفَعُ".إذا كان أمرًا فإنه يجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، كما قال الله " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا "النور:51، وقوله تعالى" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "الحشر:7، وقوله" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ" هذا يشمل قبول الأمرين: قبول العطاء من المال، وقبول الأحكام والأوامر والنواهي، كما قال تعالى" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "النساء:65. "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ "النور:64.

الشيخ خالد عثمان السبت- هنا -